في فضائل الشغب.. الحالة الأميركية نموذجًا

في فضائل الشغب.. الحالة الأميركية نموذجًا
متظاهر يواجه قوات الشرطة في مدينة توكسون في ولاية أريزونا (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب PAUL HEIDEMAN، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الأميركية.


تجمع الليبرالية الأميركية واحتجاجات السود على عنف الشرطة، علاقة بالغة التناقض، فمن جهة يتصور الليبراليون أنفسهم أكثر الأصدقاء المقربين إلى قضية مساواة السود، أو من يصفونهم بـ"الحلفاء" بمفرداتهم العصرية. ومن جهة أخرى، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي على الأقل، أبدى الليبراليون نفورا من النضال السياسي العنيف للسود، مقتنعين بأنه لا يخدم أية غاية سوى تعزيز قوّة وبطش "الرجعيين".

وفيما تزلزل المظاهرات كبرى مدن الولايات المتحدة الأميركية، يتكشّف انقسام الليبرالية الأميركية مجددا؛ إذ كانت بعض المحاولات للحفاظ على خطاب يوازن بين "دعم القضية" و"إدانة المظاهرات"، مثيرة للضحك.

وتجسدت هذه "المحاولات المضحكة" مثلا بالفكرة الأبوية التافهة القائلة إن "الأناركيين البيض" (الفوضويون) هم من يدمرون الممتلكات. وفضلا عن أنّ هذا الخطاب يُعد بمثابة اجترار لتبرير الشرطة قمعها للمواطنين، فإن هذا النوع من الادعاءات يُقصي أشكال النضال الأسود التي لا تتناسب مع نموذج أشكال الاحتجاج التي يباركها الليبراليون الأميركيون.

ووجد مفكرون ليبراليون محنكون، مفردات أكثر تمويها للتعبير عن الاستياء ذاته من المظاهرات، زاعمين أن أعمال الشغب، وبغض النظر عن مسوغاتها الحقيقية، تقوي الرجعيين فقط. وكانت هذه الخطابات محظوظة لتزامنها مع نشر الباحث في العلوم السياسية عمر واسو، ورقة بحثية جديدة، الأسبوع الماضي، حاجج فيها أن أعمال الشغب في الستينيات أخافت الناخبين البيض ودفعتهم نحو التصويت للرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون (اليميني).

ويستند بحث واسو إلى قواعد العلوم الاجتماعية بشكل أساسي، ولا تُحدد استنتاجاته وفقا لمدى ملاءمتها للراديكاليين، وهناك احتمال أن تكون انتفاضات الستينيات قد عززت بالفعل، دعم الناخبين لحملة نيكسون لـ"فرض القانون والنظام".

وحظيت الورقة باهتمام كبير هذا الأسبوع، ولكن من أولئك الذين يسعون إلى توسيع استنتاجاتها إلى ما وراء أسسها التجريبية. وعلى سبيل المثال، استخدم الكاتب المحافظ في صحيفة "نيويورك تايمز"، روس دوتات، والذي غالبًا ما يُعد التجسيد الأبهى للتدجيل السياسي لليبرالية الأميركية، بحث واسو، ليجادل بأنه يقع على الليبراليين "عبء خاص لإحباط واحتواء" أعمال الشغب إذا كانوا يريدون منع رد فعل سياسي أوسع.

ولم يمض سوى أسبوعين فقط على الانتقادات الحادة التي وجهها الليبراليون لإدارة دونالد ترامب، بسبب استقرائها المتهور لكيفية التعامل مع أزمة فيروس كورونا المستجد. ولكنهم يفعلون الأمر ذاته الآن في التأكيد على أن أعمال الشغب التي نشبت في الستينيات أدت وتؤدي دائمًا إلى نتائج عكسية أينما اندلعت. أما أن الاحتمالات القائمة بأن تتسبب أعمال الشغب بتأثيرات مختلفة في لحظات مختلفة، فهي أعقد من أن يفكروا بها.

ولننظر مثلا إلى أولى انتفاضات حركة "حياة السود مهمة"، والتي اندلعت بين عامي 2014 و2015، في كل من فيرجسون، وميزوري، وبالتيمور، وماريلاند. وهذه أيضا، يعتقد دوتات أنها "قضت" على حماس المحافظين لإصلاح السجون ودفعت لانتخاب ترامب.

ولكن ليس هناك أدلة تؤكد هذه المزاعم. وفي الواقع، تظهر بيانات الرأي العام، وبقوة، أن هذه الجولات الاحتجاجية ساهمت في نشر المزيد من الأفكار العرقية التقدمية. وعلى مدى العقد الماضي، كان مركز "بيو" للأبحاث يسأل الناس عما إذا كانت الدولة قد فعلت ما يكفي لضمان المساواة بين البيض والسود، أو ما إذا كانت بحاجة إلى القيام بالمزيد، وعند التمعن بنتائج المركز، يُمكنننا أن نرى بوضوح، التأثير الإيجابي الواضح لحركة "حياة السود مهمة" في هذه المسألة.

ووفقا لهذه النتائج، فإنه من بين مجمل سكّان الولايات المتحدة، شهد العامان 2014 و2015، قفزة كبيرة في نسبة الناس الذين يقولون إنه لا تزال الدولة بحاجة إلى التغيير نحو ضمان الحقوق المتساوية بين الأعراق المختلفة. وبالكاد ينقص حجم هذه القفزة إذا نظرت إلى الأميركيين البيض فقط. وحتى بين الجمهوريين، هناك ارتفاع واضح في الاعتقاد بضرورة اتخاذ المزيد من الإجراءات لتحقيق المساواة العرقية. (تجدر الإشارة إلى أنه على مستوى عناصر الشرطة، فإن أكثر من 80 بالمئة يعتقدون أنه لا توجد حاجة لمزيد من المساواة). وقد أثبتت أبحاث علمية أخرى هذا التأثير (لاحتجاجات حركة "حياة السود مهمة") بشكل أوضح.

في التاريخ الحديث لأعمال الشغب، لم تشكل أحداث فيرجسون وبالتيمور استثناءً، فهناك دلائل كثيرة على أن أعمال الشغب أحدثت تغييرا تقدميا على مدار الأعوام. وفحصت إحدى الأبحاث الجديدة آثار انتفاضة رودني كينغ، ووجدت أن الاحتجاج العنيف الذي اندلع في مدينة لوس أنجلوس في تلك الفترة، عزز تعبئة الناخبين للديمقراطيين ودعم المدارس العامة.

وفي بريطانيا، اندلعت أعمال الشغب عام 1990 ردا على محاولة رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر، فرض "ضريبة رؤوس" غاية الغرابة على الخدمات المحلية. ورغم أن التيار التقليدي لحزب العمال أدان أعمال الشغب واعتبر أنها من عمل "اللا سلطويين"، إلا أن الأحداث دفعت لانبثاق حملة للدفاع عن المتهمين خلال الاضطرابات، وشكلت جزءًا من الحركة الجماهيرية لمقاومة الضرائب. وأدى هذا الجهد التصعيدي لأزمة في حزب المحافظين أفضت إلى استقالة تاتشر وإلغاء ضريبة الرؤوس.

وحتى في مسألة المساهمة المفترضة لانتفاضات الستينيات، بانتخاب الناخبين البيض المدفوعين بالخوف، لنيكسون، فهي أكثر تعقيدًا مما توحي به الرواية الليبرالية؛ أولا، توجد أدلة قوية اليوم، على أن أعمال الشغب تلك، أدت إلى ارتفاع النفقات الحكومية في المدن المحرومة حيث اندلعت. ووثق المؤلف جيمس دبليو باتون، في كتابه الرائع عام 1978 "العنف الأسود"، كيف أجبرت أعمال الشغب واضعي السياسات على الالتفات إلى آثار سياساتهم على فقراء المناطق الحضرية، وهي مجموعة لم يكترثوا لإهمالها سابقًا. وفي زمن كان فيه العديد من علماء الاجتماع ينظرون إلى الحركات الاحتجاجية "السلمية" على أنها نوع من الذهان الجماعي، أظهر باتون أن أعمال الشغب كانت ردا عقلانيا على التجاهل والإقصاء الممنهج للسكان.

وأظهرت أبحاث لاحقة أن أعمال الشغب يمكن أن تؤدي لزيادة نفقات الرعاية الاجتماعية، حتى في المناطق التي تشهد أكبر قدر من العنصرية البيضاء. وبعبارة أخرى، حتى لو دفعت أعمال الشغب الرأي العام الأبيض في اتجاه محافظ، فقد جلبت أيضا فوائد مهمة للمناطق التي حدثت فيها.

على الرغم من أن الآثار السياسية لأعمال الشغب أكثر تعقيدا مما توحي به الروايات الأخلاقوية الليبرالية، إلا أن هنالك دلالة أخرى غاية في الأهمية تشير إلى أن الصواب يجانب الليبراليين في هذه النقطة. ففي نهاية المطاف، وبغض النظر عن الآثار السياسية لأعمال الشغب، فهي تنشب بشيء من الانتظام في المدن الأميركية. فعندما يُعاني الناس من الحرمان، وعندما يكون قتلهم واضطهادهم مرئيا على مدار يومي في مقاطع فيديو توثق مقتلهم على أيدي وكلاء الدولة، وعندما يتجاهل النظام السياسي محنتهم كليا، فإنهم سيحاولون، عاجلا أم آجلا، فرض قضاياهم على المستوى الوطني بأي وسيلة متاحة أمامهم.

وكما قالت المغنية كاردي بي، في مقطع فيديو حاد وصريح: "إن رؤية الأشخاص ينهبون، ويتصرفون بغضب عارم... فإن ذلك يشعرني بأنه: نعم وأخيرا سوف يسمعنا هؤلاء السفلة الآن". وعلى الرغم من أن الليبراليين يحبون التحدث كثيرًا عن قيمة الإصغاء في لحظات كهذه، إلا أنهم أظهروا بشدة أنهم يفضلون عدم الاستماع إليها.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"