كيف سيبدو العالم من دون شرطة؟

كيف سيبدو العالم من دون شرطة؟
(أ ب)

تُرجمت هذه المقالة التي كتبتها المراسلة الصحافية، في موقع مجلة "موذير جونس" الأميركية، ماديسن باولي. بتصرّفٍ، لإعطاء لمحة عن النقاش الدائر في الولايات المتحدة حول عنف الشرطة والذي لا يزال يغذّي الاحتجاجات الواسعة التي تعم البلاد.


في أعقاب مقتل المواطن الأميركي من ذوي الأصول الأفريقية، جورج فلويد، خنقا على يد أفراد الشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية مؤخرا، وتفشي العُنف الشُّرطي ردا على الاحتجاجات التي عمّت أرجاء البلاد، بدأ ناشطون ومسؤولون حكوميون، ومشاهير، بالمطالبة بإعادة هيكلة دوائر الشرطة في الولايات المتحدة. ولكن خلافا للمحاولات السابقة لإصلاحات في جهاز الشرطة التي أعقبت عمليات القتل البارزة التي ارتكبها عناصر شرطة بحق مواطنين من غير البيض، والتي عادة ما تمحورت حول زيادة الإشراف والتدريب، نشهد اليوم مطلبا أكثر جذرية بكثير، وهو وقف تمويل دوائر الشرطة أو تفكيكها بشكل كامل.

وأُجريت مثل هذه المحاولات للاقتصاص من تمويل الشرطة، في مدينة مينيابوليس نفسها، حيث يبلغ مجمل ميزانية دائرة الشرطة المحلية، 193 مليون دولار. (في عام 2017، تلقت الدائرة 36 بالمئة من نفقات الصندوق العام للمدينة). وأعلن رئيس جامعة مينيسوتا (الولاية التي تضم مينيابوليس)، بعد يومين من مقتل فلويد، أنّ حرم الجامعة لن يتعاقد من الآن فصاعدا، مع دائرة الشرطة لتوفير الأمن في تجمعات كبيرة تُقيمها مثل ألعاب كرة القدم الأميركية.

توضيحية (أ ب)

والأسبوع الماضي، أصدر عضو في مجلس مينيابوليس التعليمي، قرارا بإنهاء تعاقد المنطقة التعليمية مع الشرطة حول وضع 14 عنصرا في مدارسها. وتقدّم المجموعات المجتمعية المحلية، مثل "تجمع الرؤى السوداء" و"استرداد الحي"، طلبات رسمية لمجلس المدينة لخفض ميزانية قسم الشرطة بمقدار 45 مليون دولار، وإعادة استثمار الأموال في برامج الصحة وبرامج السلامة غير التابعة للشرطة.

ومع إطلاق حملات أخرى مطالبة باقتصاص ميزانيات دوائر الشرطة في مدن مثل لوس أنجلوس، ونيويورك، والدعوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي لإلغاء تمويل الشرطة، قُمت بإجراء مقابلة مع أستاذ علم الاجتماع في كلية بروكلين، أليكس فيتالي، منسق مشروع "العمل الشّرطي والعدالة الاجتماعية"، ومؤلف كتاب "نهاية الشرطة"، لنتحدث عن الرؤية الشاملة لتفكيك الشرطة وما يعنيه ذلك على أرض الواقع.

لماذا نلغي تمويل الشرطة بدلَ إصلاحها؟

منذ خمسة أعوام، وفي أعقاب مقتل كل من مايك براون وإريك غارنر وتمير رايس بنيران الشرطة، قالوا لنا: "لا تقلقوا، سنصلح هذا الأمر. سندرب الشرطة بما يتعلق بالتحيز الضمني. وسنعقد بعض جلسات المواجهة بين الشرطة والمجتمع. وسنشتري بعض الكاميرات لتثبيتها على سترات ضباط الشرطة". وأخبرونا بديباجة مطولة ما نصفه بـ"الإصلاحات الإجرائية" المُصممة لجعل الشرطة أكثر مهنية، وأقل تحيزا، وأكثر شفافية، وكأن ذلك سيعالج المشكلة بشكل سحري. ولكن ما من شيء تحسن. ولا يزال الناس يُقتلون على أيدي أفراد الشرطة، والأهم من ذلك، تستمر مشكلة الانتشار المفرط للشرطة.

لماذا لم تحل هذه الإجراءات المشكلة؟

يريد المؤمنون بالعدالة الإجرائية، استعادة ثقة الجمهور بالشرطة من أجل أن تعود الشرطة لعملها كالمعتاد. ولكن هذا الطرح يتغاضى عن مسألة طبيعة العمل الشُّرَطي على وجه التحديد، وإذا ما يجب السماح لها بمتابعته. تجري الملايين من الاعتقالات في الولايات المتحدة كل عام، ليس هناك أي معنى أو داعي لمعظمها. وتأتي في سياق المضايقات التي تُعاقب بها المجتمعات الأكثر فقرا وتهميشا في المجتمع، بشكل شبه حصري. وتسود ضغينة عميقة للعمل الشُّرطي في هذه الأماكن. ومن ثمّ، عندما تقع واقعة بارزة، فإنها تطلق العنان لكل هذا الغضب والهيجان المكبوت.

يترافق تقليص نطاق العمل الشُرطي مع إلغاء تجريم واسع النطاق لمخالفات شتّى، أليس كذلك؟

بالضبط. يترافق ذلك مع إلغاء تجريم العمالة الجنسية، واستخدام المخدرات، والتشرد، والأمراض العقلية. لا نحتاج إلى وحدة أخلاقية،بل إلى قوانين تضبط الأمور، ولا نحتاج إلى شرطة المدارس، بل برامج للمستشارين والعدالة الإصلاحية. ولا نريد وحدات شرطية تطال المشردين، بل نحتاج إلى سياسة إسكان داعمة، ومراكز استقبال مجتمعية وأخصائيين اجتماعيين.

كيف يمكنك دمج فكرة إلغاء الشرطة مع الحاجة إلى معالجة التهديدات الخطيرة للسلامة العامة مثل القتل أو الاعتداء الخطير عندما يرتكب عامة الناس هذه الجرائم؟

يقترح نظام العدالة الجنائية إستراتيجية واحدة لكلّ شيء؛ الاعتقال والسجن. ولكن ما يقترحه داعمو فكرة تفكيك الشرطة، هو فهم الأسباب التي دفعتهم (المجرمين) لذلك (الجرم)، وأن نحاول تطوير إستراتيجيات وقائية ملموسة. فلا تتساوى جميع جرائم القتل ببعضها. فهل الحديث يدور حول قضية عنف منزلي؟ أو إطلاق نار في المدرسة؟ أو صفقة تجارة مخدرات فاشلة؟

توضيحية (أ ب)

نحن نعلم على سبيل المثال، أنه في جميع حالات إطلاق النار في المدارس تقريبا، كان لدى شخص واحد على الأقل تخمين مُسبق بوجود احتمالية لوقوعها، ولكنه لم يخبر أحدا، أو أخبر الشرطة التي لا تملك أدوات لمعالجة الموضوع. ماذا لو كان لدينا بدلا عن ذلك، نظام يتيح ليافع ما، يظن أن صديقه قد يرتكب أمرا فظيعا، أن يتحدث مع الشخصية المسؤولة دون أن يقلق من تدخل الشرطة، لألا يُعامل على أنه واشٍ، وألا يقلق من احتمال طرد صديقه من المدرسة بسبب سياسة "انعدام رحابة الصدر".

من المهم أن نتذكر أنّه لا وجود لعالم مثالي، ولا لحلول مثالية. ولكن ما نملكه الآن أبعد ما يكون عن المثالية. فالناس يُقتلون طوال الوقت رغم أن مجتمعنا يعجب بالشرطة. ويبقى السؤال، هل يُمكننا أن نبلغ حالة يكون فيها عدد القتلى أقل، والعواقب الجانبية المترتبة على هذه الجرائم أقل؟

من أين نشأت حركة تفكيك الشرطة؟

لقد بدأت تأخذ شكلا متماسكا في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات. في البداية، كان الحد الراديكالي الأقصى لها، سواء على مستوى "الفهود السود" أو غيرهم، فكرة السيطرة المجتمعية على الشرطة. ولكن مجموعة من الناشطين والأكاديميين كتبوا وثيقة بعنوان "القبضة الحديدية والقفاز المخملي"، والتي بدأوها بقولهم: "انتظر لحظة، هل هناك وجود لأي عمل شرطي يشكل فكرة سديدة حقا؟"، وعندما نفهم الطبيعة الجوهرية للعمل الشُّرطي، حتى إذا ما خضع لسيطرة المجتمع، فإنه يبقى عبارة عن مؤسسة حكومية مبنية على استخدام العنف لإصلاح المشاكل. وتاريخيا، لم تعمل أبدا لصالح الفقراء وغير السكان البيض.

وبعد السبعينيات، دخلت هذه الفكرة في سبات عميق. وأدى تصاعد سياسة الحبس الجماعي في العقدين الماضيين إلى إعادة إحياء هذه الفكرة ووضعها في الصدارة. وقبل ما يزيد عن 20 عاما، تشكلت حركة "المقاومة الجوهرية" في كاليفورنيا، والتي ركزت بشكل أساسي على تفكيك السجون. وهذا أدى إلى صدور أعمال عن آنجيلا ديفس، وروث ويلسون غيلمور، تمحورت حول تفكيك السجون. ولكن المجتمعات فهمت أنه من أجل الوصول إلى غاية تفكيك السجون، فنحن بحاجة إلى أن نفعل شيئا بصدد العمل الشُرطي أيضا. وهكذا بدأت حملات صغيرة بالنشوء. ويشهد عصر حركة "حياة السود مهمة"، تعميقا بتحليل الناشطين الذين أرادوا في البداية سجن بعض رجال الشرطة القاتلين، لكنهم توصلوا لاحقا إلى أن ذلك لن يحل المشكلة حقا.

هل حظيت الحملات بأي انتصارات تُذكر؟

لقد حدثت بعض الانتصارات الصغيرة. في بعض الأحيان، جلّ ما فعلناه هو أننا منعنا زيادة الإنفاق الشُرطي. وتمكن البعض من إلغاء برامج معينّة، أو تمويل أكاديمية جديدة للشرطة.

لن تتجسد الانتصارات بإغلاق قسم شرطة، بل سيظهر الانتصار إذا ما أخرجنا الشرطة من المدارس، أو ابتكرنا بديلا لاستخدام الشرطة في التعامل مع التشرد.

كيف يبدو هذا على المستوى العملي إذا ما سُرقت سيارتي على سبيل المثال؟

لقد سُرقت سيارة أحد أصدقائنا. وقامت الشرطة بالفعل بإعادة السيارة واعتقلت السارق. لذا واجهني صديقي قائلا: "أرأيت؟ نحتاج الشرطة". ومن ثمّ قلت له: "حسنا، دعنا ننظر بعمق أكبر لما حصل. ما الذي نعلمه عن الشخص الذي سرق سيارتك؟"، فأجاب: "حسنا، أخبرتني الشرطة أنه اعتُقل عدة مرات وكان هناك أدوات لاستعمال المخدرات في السيارة"؛ إذا ما فعلناه هو أننا حاولنا ممارسة العمل الشُرطي بضعة مرات مع هذا الشخص. هل حال ذلك دون سرقة سيارتك؟ هل سرق هذا الشخص السيارات لأن يعاني من مشكلة مخدرات؟ هذا محتمل. هل يؤدي إرساله إلى السجن مرارا وتكرارا إلى إصلاح مشكلته مع المخدرات؟ لا. إذا أردنا الحد من سرقة المركبات الخاصة، في المرة الأولى التي نحتكّ فيها بهذا الشخص، يجب أن نبدأ في محاولة معالجة دوافع سلوكه الإشكالي.

بدون الشرطة، أو مع تقليص قوات الشرطة إلى حد كبير، كيف تتغير الصورة بالنسبة للأشخاص والمجتمعات التي لا تستخدم الشرطة أو تثق بها؟

تتغير الصورة لهؤلاء - كما نأمل - بأن يصبحوا غير مضطرين لمواجهة الكثير من المواقف الإشكالية. في الحقيقة، لا يتصل الكثيرون بالشرطة لأنهم يشعرون أنها ستجعل حياتهم أسوأ. وهذه حقيقة متجذرة في بعض المجتمعات. لذا ما يجب أن نفعله، هو ألّا نتركهم لوحدهم، علينا أن نحاول البدء في إصلاح مشاكلهم. مثل العنف المنزلي، والذي لا يُبلغ عنه بشكل فادح لأن أعدادًا كبيرة من الناجين يشعرون أن إشراك الشرطة سيجعل الوضع أسوأ. فالشرطة عندما تأتي، إما أنها لا تفعل شيئا، أو تعتقل الطرفين، أو تعتقل الرجل الذي تعتمد المرأة المعنفة اقتصاديا عليه. ومن ثم يخرج من السجن غاضبا، ويعود لضربها مرة أخرى. أين مركز موارد المجتمع؟ أين الدعم للعائلات حتى يتمكنوا من حل مشاكلهم؟ أين منافذ النساء حتى يتمكنن من العيش بشكل مستقل، والابتعاد عن المسيء؟

كيف ستتغير الأمور بالنسبة للأشخاص البيض الذين، وبشكل عكسي، يعتمدون على الشرطة ويثقون بها، خاصة أولئك الذين يعلمون أنهم يتمتعون بامتيازات في التعامل مع الشرطة مقابل الشرائح المهمشة الأخرى؟

"لن يملكوا هذا المورد (الشرطة) الذي يمكنهم تسليحه ضد الناس. سيكون عليهم ابتكار طرق أخرى لحل مشاكلهم".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ