أزمة التشكيك باللقاحات أعمق من مجرد "مع أو ضد"

أزمة التشكيك باللقاحات أعمق من مجرد "مع أو ضد"
توضيحيّة (pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب ٤٨" لمقال الكاتبة، سالي فرامبتون، باحثة في العلوم الإنسانية والرعاية الصحية في جامعة أكسفورد.


مذ أن تفشت الجائحة، نشهد سيلًا من المعلومات الطبيّة المُضلّلة. وقد لا يكون ذلك مفاجئًا البتّة. فوسط أزمة صحيّة أسطورية الخصائص، لا ريب بأن الناس يريدون الوصول السريع لآخر الأنباء عن اللقاحات وكافة التطورات الأخرى المتعلقة بالفيروس. ولكن وفرة المعلومات قادرة على خلق البلبلة وسوء الفهم، بل وسوء النيّة أيضًا.

تبدو بعض جوانب مشكلة التضليل الإعلامي أنها تخص عصرنا، وأنها ترتبط بشكل وثيق بوسائل التواصل الاجتماعي، والتي يُمكن أن تستفحل عليها الأكاذيب والمغالطات وأن تنتشر بفضل غياب الإشراف التحريري، والسلوك اللامبالي من لشركات التكنولوجيا تجاه تقييد تفشي الأخبار المُشكك بصحتها، ناهيك عن سهولة نشر هذا المحتوى من قبل المستخدمين. ولكن أزمة إعادة تفسير المعلومات الطبية، أو حتى تحريفها، تضرب جذورها في التاريخ.

في بريطانيا، ظهرت المجلات والصحف اليومية رخيصة الثمن، وانتشرت على نطاق واسع، في نهايات القرن التاسع عشر. وبما يشبه اليوم كثيرًا، اعتُبرت الأخبار الطبية أخبارًا مثيرة ومميزة. وأتاحت لمجتمع شهد ازديادًا في ثقافته، خوض نقاشات حول الطب، وأن يتعرف على آخر الابتكارات في مجال الصحة العامة بشكل لم يسبق له مثيل. وأُنشئت مجلات ذات طبيعة شبه طبية، تستهدف الجمهور العام، لتلبية احتياجات القراء القلقين، الذين بحثوا عن أجوبة لكل شيء من حب الشباب والأرق، وحتى تساقط الشعر وعسر الهضم.

وأما الأطباء المهنيين الذين خافوا على مكانتهم الاجتماعية، فقد عانوا من أجل التكيّف مع السلطة الجديدة للصحافة. إذ خشي كثيرون عواقب وصول المعرفة الطبية لأيدي العامة، الأمر الذي قد يتأتى عنه احتمالات ذات نتائج كارثية كان يلجأ المرضى إلى تشخيص أمراضهم بأنفسهم أو حتى إلى معالجة أنفسهم دون مشورة مهنية. وفي إحدى مقالاتها الافتتاحية، أعلنت مجلة "لانسيت" العلمية عام 1887 أن "جميع المساعي لإلهام الجمهور بالمعرفة والقوة الطبية خاطئة، ويجب إسقاطها". وحذرت مؤسسات مثل "الكلية الملكية للأطباء"، الأطباء من الكاتبة للصحافة "العادية"، خوفًا من أن يُنظر إلى المهنة على أنها تشارك في "التسويق" للخدمات التي يقدمونها.

وشكلت مواقف العامة من التطعيمات، قلقًا شائعًا بين الأطباء. وكشفت المقاومة المتزايدة للتطعيم الإجباري ضد الجدري خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر، عن هشاشة ثقة الناس بالمؤسسة السياسية والطبية على حد سواء. ولجأ أشد معارضو التطعيمات للتظاهرات وإصدار المنشورات كوسيلة للحشد. أما الصحافيون، فبدلًا من تحدي السلطة الطبية، فقد دعموها. وبتشابه كبير ما نشده اليوم، اعتُبرت وسائل الإعلام "التقليدية" عدوًا، وزعم بعض معارضي اللقاحات أن الصحف تضلل الناس بشأن سلامة الإجراء. وأعلن أحد النشطاء عام 1876: "إذا كانت صحيفة تايمز نزيهة ولو لشهر واحد، سيتعرض الشر الطبي والتزييف البرلماني اللذين نناوئهما، لضربة قاضية".

توضيحيّة (pixabay)

وأنشأ ناشطون مجلات مناوئة للتطعيم في مواجهة ما اعتبروه إقصاء من الخطاب العام. واعتمد محرروها على استعطاف الجماهير للتأكيد على آرائهم، مُشبعين صفحات مجلاتهم بتقارير عن أمّهات أجبرن على تطعيم أطفالهن دون موافقتهن، وعن أشخاص "تسمموا" من اللقاح. وإحدى هذه المجلات واسمها "فاكسين إنكوايرر" استمرت بالنشر حتى عام 1972.

مع حلول أوائل القرن العشرين، خففت المؤسسة الطبية موفقها المتشدد تجاه إشراك العامة في النقاشات حول المسائل الطبيّة. وبدأ الأطباء يقدرون قيمة مشاركة المواطنين، والدور المُلقى على وسائل الإعلام في تشجيع الناس على اتخاذ تدابير الصحة والنظافة في منازلهم. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبح من الواجب تعميق التعاون بين الفرق الطبية والصحافيين، خاصة مع التأثير المتنامي للتليفزيونات الإذاعية، والتبدل فائق السرعة الذي طرأ على المشهدين الطبي والثقافي اللذين وصلا حد تشريع الإجهاض، وتنامي حركة المرضى الناشطين وإتمام أول عملية زرع قلب في العالم. بشرت "جمعية الصحافيين الطبيين" التي تأسست عام 1967، بزيادة قوة صحافيي الصحف الذين تمتعوا بفطنة طبية محددة مما ولّد تفاعلًا أكبر بين المهنتين.

لكن نشوء انخراط جماهيري علني في المسائل الصحية التي ترتكز على الحقائق العلمية يتطلب عملًا دؤوبًا. ولكن الرياح لا تسري دائمًا بما تشتهيه السفن. فلا زلنا نشعر بتأثيرات الخوف من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، والتي تسببت بها ورقة أندرو ويكفيلد "البحثية" الصادرة عام 1998، والتي تراجعت عنها مجلة "لانسيت"، والتي زعمت زورًا وجود صلة بين مرض التوّحد وهذا اللقاح. وساهم الهيجان المؤقت في "صحافة التابلويد" الذي أعقب ذلك، بتدهور حاد بثقة الجمهور في التطعيم وانخفضت أعداد متلقيه. كما كشف الجدل عن هشاشة البنى التحتية للبحوث الطبية أمام البيانات المزورة؛ أي أن المجلات العلمية ليست محصنة ضد المعلومات المضللة.

يمكن للعناوين الرئيسي التي تختار وسائل الإعلام استخدامها عند تناول مسألة لا تزال أحداثها تتكشف، أن تصنع فرقًا جوهريًا إذا كان هذا النبأ الصحي سيتحول إلى معلومات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي أم لا.

وبإمكان المجلات الطبية أيضًا، أن تلعب دورًا أكثر حيوية في مواجهة المعلومات المضللة، من خلال توفير ملخصات بحثية يسهل الوصول إليها، بينما نستطيع نحن معشر مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن نفكر مرتين قبل مشاركة هذه المعلومات.

ومع ذلك، فإن الأمر يتعلق أيضًا بتغيير طبيعة النقاشات الدائرة حول الموضوع، والتي غالبًا ما تنحو نحو الاستقطاب. فمشكلة تشكيك الناس باللقاحات هي مشكلة معقدة، ولا يفيدنا أن تؤطر المشكلة في معايير من هم ضد اللقاح ومن هم معه (لأسباب ليس أقلّها أن مثل هذا التوجه الثنائي غالبًا ما يبالغ في قوة الحركة المنظمة لمكافحة التطعيم). كما لا يعكس خطابًا كهذا التاريخ الطويل والصعب للتطعيمات، والطب بشكل أعم، والأسباب التي جعلت بعض المجتمعات أكثر ترددًا في تلقي اللقاحات من غيرها.

حاول أطباء القرن التاسع عشر الحفاظ على الحدود بين الصحافة الطبية والإعلام، ولكن لم يكن بوسعهم أن يمنعوا الجمهور ولا الصحافيين من المطالبة بالمعلومات الصحية. ولا تزال هذه الرغبة موجودة حتى يومنا هذا. وتكون المعرفة الطبية ناجعة على أكل وجه إذا ما حافظ الباحثون والصحافيون والجمهور على اتصال متين وكانوا أكثر مراعاة لبعضهم البعض؛ فمنع المعلومات المضللة مسؤولية مشتركة للجميع.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص