أسطورة "البراءة" الأميركيّة

أسطورة "البراءة" الأميركيّة
متظاهر أميركي يرفع علم بلاده (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48" لمقال الكاتب برينت ستابليس الذي يعمل ضمن طاقم تحرير صحيفة "نيويورك تايمز".


يعجّ تاريخ الولايات المتحدة بوقائع عنف سياسيّ، تفوق دمويّتها ودمارها ما حدث في مبنى الكابيتول من اقتحامٍ، بتحريض من الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بأضعاف مضاعفة.

ومع ذلك، وبكلّ مرارة، ظهر جهل مؤسف في الماضي الأميركي المروع، والذي وُثّق جيدًا على أيدي مؤرخين مثل دو بويز، وجون هوب فرانكلين، وريتشارد هوفستاتر، في أعقاب اقتحام الغوغائيين للكونغرس. واصطفّ المتحدثون والمعلقون، واحدا تلو الآخر، ليطمئنوا البلاد مرارًا وتكرارًا بأن تلك المذبحة لم تكن سوى محض انحراف، وأنها "ليست من شيمنا" كشعب.

وتظهر خطورة هذا النسيان المتعمد، الذي فاقمه الحديث عن أسطورة "البراءة" الأميركية، على عدّة أصعدة.

أب يحمل طفله الذي يرفع صورة لجورج فلويد (أ ب)

كبداية، أوهمت هذه الادعاءات، كثيرا من الأميركيين حينها، بأن تعنُّت ترامب على فوزه في الانتخابات التي هُزم بها، وتماهيه المتزامن مع التطرف اليميني؛ ليسا إلّا جزءًا من مسرحية سياسية ستمر بهدوء بمجرد تنصيب جو بايدن رئيسا.

وتلخّص ادعاء الجمهوريين آنذاك بالتالي: "ما الضرر بمجاراته (تهكمًا)؟ سيغادر ترامب منصبه قريبا"، وهو ما كان. ولكن كما تبين لاحقًا، فقد شجع جمهوريو الكونغرس الذين تماشوا مع هذه الحيلة، حشدًا من الرعاع الذين أشبعتهم أكاذيب ترامب على تصديق وهم سرقة الفوز منه. ولا بدّ أن يظهر لنا اقتحام الحكومة الذي نجم عن ذلك، والذي تسبب بمقتل 5 أشخاص، أن العنف السياسي ليس إلّا نهرَ وقودٍ ينتظر ديماغوغيًا مثل ترامب ليلقي شعلة فيه.

ذكرتنا الظروف التي أدت إلى اقتحام مبنى الكابيتول، بالقرن التاسع عشر، عندما رفض الجنوبيون فترة تقرير مصير السود المعروفة باسم "عصر إعادة الإعمار"، مطلقين العنان لعهد استبداد عنصري. وخلال انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر، ترددت أصداء الجنوبيين البيض العنصريين هؤلاء، عندما شدد ترامب كذبًا على أن الانتخابات زُوّرت بشكل واسع في المدن ذات الأغلبية السوداء.

أنصار ترامب خلال أحداث اقتحام الكونغرس (أ ب)

بل واستحضر ائتلاف من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين بقيادة تيد كروز من تكساس، في كانون الثاني/ يناير الماضي، هذا التاريخ الملطخ بالدماء عندما رددوا كذبة تزوير الانتخابات، مطالبين الكونغرس بتعيين لجنة انتخابية لفرز انتخابات 2020.

وفي سابقة من نوعها، استشهد كروز على نحو غير سليم وقتئذٍ، بلجنة شُكِّلت للبتّ في نتيجة انتخابات عام 1876. وفي ذلك الوقت، لم يكن من الواضح من الذي فاز في الانتخابات، إذ قدمت بعض الولايات عوائد انتخابية متعددة، منها لصالح الجمهوري رذرفورد ب. هايز، ومنها ما ذهب لصالح الديمقراطي صمويل جيه تيلدن.

ترامب أمام مؤيديه في خطابه الأخير (أ ب)

وكانت مقارنة كروز مدلسة في جميع نواحيها، بخاصّة أنه ما من نزاع حقيقي حول الأصوات في الانتخابات الأخيرة. ولكن باستحضاره لأحداث عام 1876، أشار السناتور عن غير قصد إلى أصول ممارسات قمع الناخبين التي يختص بها حزبه الجمهوري، إذ امتلأت انتخابات عام 1876، كما أشار المؤرخان راشيل شيلدن وإريك ب. ألكساندر في صحيفة "واشنطن بوست" في كانون الثاني/ يناير الماضي، إلى إراقة الدماء والترهيب، إذ استهدفت المنظمات الإرهابية البيضاء، الأميركيين من أصل أفريقي في جميع أنحاء الجنوب في الفترة التي سبقت يوم الانتخابات.

وكما كتب المؤلفان حينها، ففي معقل السود في مدينة هامبورغ، في كارولينا الجنوبية، "نزل المئات من البيض المسلحين من ساوث كارولينا وجورجيا المجاورة على المدينة، وأعدموا أعضاء الميليشيا (وهي ميليشيا سوداء كانت تحمي السود في المدينة) ونهبوا منازل ومتاجر السود".

عنف مستمر تجاه سود البشرة (أ ب)

وأما الحكومة الفدرالية فقد سحبت قواتها التي كانت تحمي حقوق السود في الجنوب، مما مهد إلى استمرار نظام العبودية باسم آخر، والذي بقي حتى صدور قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حق التصويت لعام 1965.

وفي الأيام التي سبقت اقتحام رعاع ترامب لمبنى الكابيتول، تكررت العديد من أصداء الانقلاب الذي خُطط له بعناية، على حكومة مدينة ويلمنغتون في ولاية كارولاينا الشمالية عام 1898. والذي قام به أنصار الفوقية العرقية البيضاء، بالإطاحة بحكومة المُنتخبة من قبل تحالف شمل أميركيين من أصل أفريقي، وتقدميين بيض.

(أ ب)

وكما كتب هوفستاتر ومايكل والاس في تقرير بعنوان "العنف الأميركي: تاريخ وثائقي"، تدفقت الوحدات العسكرية إلى ويلمنغتون من أماكن أخرى لمساعدة النظام الجديد: "استمر الأفريقيون بالخنوع للقوقاز بينما كانت القوات تستعرض الشوارع، بينما زمجرت البنادق وانطلقت الحراب، من أجل إدارة بلدية جديدة تعبد 'الفوقية العرقية البيضاء'".

قُتل عدد لا يحصى من المواطنين السود، ونُفي وهُجرّ سكان ويلمنغتون المعروفون من المدينة تحت وطأة الموت. وكما كان الحال في مبنى الكابيتول أثناء اقتحامه، كانت حشود رعاع ويلمنغتون حريصة بشكل خاص على إسكات الصحافيين الذين قاوموا تصاعد موجة العنصرية. ولهذه الغاية، أحرق اللصوص صحيفة "ديلي ريكورد" المملوكة للسود، والتي فر محررها ألكسندر مانلي، من المدينة.

(أ ب)

في نهاية المطاف، أحكم العنصريون البيض سيطرتهم على الولاية، ليقضوا على المشاركة السياسية للسود. بالنظر إلى هذا التاريخ، ليس صدفة أن ولاية كارولينا الشمالية تبقى حتى يومنا هذا، ساحة معركة يواصل الأميركيون من أصل أفريقي فيها نضالهم ضد آثار التلاعب في ترسيم الدوائر الانتخابية (الجيريماندرية)، وأشكال القمع الأخرى.

استمرت هذه الاعتداءات العنيفة على حق السود بتقرير المصير، الكبيرة منها والصغيرة، حتى القرن العشرين. وبمقدار ما كانت تهدف صراحة في بعض الأحيان إلى القضاء على القوة الانتخابية للسود، فقد سُخّرت أيضًا في أحيان كثيرة لسحق الاستقلالية الاقتصادية للسود من خلال هدم المنازل، وبخاصة الشركات التي تنافست مع تلك المملوكة للبيض في السوق.

وربما يكون أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا الاعتداء المتواصل، هو مذبحة تولسا العرقية، التي ارتُكبت بحق السود عام 1921 في أوكلاهوما. والتي انفلتت فيها مجموعة من الرعاع البيض المدفوعين جزئيًا من شرطة المدينة، لتقتل كل من جاء في طريقها وتحرق وتدمر أكثر من 35 مربع سكني، في منطقة غرينوود التي يقطنها السود، مما أدى إلى تحويل قطاع الأعمال الأسود القوي المعروف باسم "وول ستريت الأسود" إلى رماد.

قمع متظاهرين (أ ب)

وكما أشار المؤرخ، جيلاني كوب في مجلة "ذي نيويوركر" قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن سجل الولايات المتحدة في تجاهل القمع العنيف لحق السود بالتصويت أكبر بكثير من سجلها في حماية الناخبين السود.

وفي حين يميل الجمهور الأميركي عادة إلى اعتبار حالات العنف الانتخابي وكأنها "سجل ساكن للماضي"، كتب كوب أن المؤرخين "يميلون إلى النظر إليها كما ينظر خبراء الأرصاد الجوية إلى الأعاصير: أي نتيجة قابلة للتنبؤ عندما تتوافق عدّة متغيرات معروفة في طرق مألوفة". وتمامًا كما ادعى كوب الخريف الماضي عندما كان العنف السياسي يتجه نحو التصعيد بوضوح، فإن الإعصار المجازي كان قريبًا بالفعل.

لافتة ضخمة خلال خطاب ترامب الأخير: "احمِ أميركا"! (أ ب)

كان هجوم الرعاع على مبنى الكابيتول ثمرة الأحداث التي سبقته. فقد جاء في أعقاب حملة عنصرية شديدة قام بها رئيس صوّر زورا المدن الأميركية الأفريقية على أنها بؤر ساخنة لتزوير الانتخابات، بالتوازي مع تحببه للعنصريين البيض.

يجب أن يتحمل الجمهوريون الذين أيدوا هذه الإستراتيجية السامة، المسؤولية عن الفوضى التي جلبتها. ولرؤية لمحة عن المستقبل، على هؤلاء أن يتمعنوا بما حدث في الضرر الذي أُلحق بمبنى الكابيتول، والقتلى والجرحى الذين نُقلوا من المكان.

بودكاست عرب 48