شرح قصيدة مضناك/ أحمد دراوشة

شرح قصيدة مضناك/ أحمد دراوشة

لما رأيت تعلّق الناس، من جديد، بقصيدة أمير الشعراء، أحمد شوقي، على صعوبة ألفاظها عند البعض وانسيابيّة اللحن، وجدت أن أشرح أبياتها، ولمّا فعلت، شرحت تلك الواردة في الأغنية فقط، رغم أن هنالك أبياتًا أجمل وأكثر رونقًا في القصيدة، كأبيات القَسَمِ في آخرها؛ والقصيدة، كما بدت لي هي قصيدة معارضة لقصيدة 'يا ليل الصب'، والمعارضة في الشعرـ تحيّة من اللاحق إلى السابق.

مضناكَ جفاهُ مرقدهُ وبكاه ورحّم عوّده

مضناك: من إضناء، تقول العرب: أضناه المرض أي أقعَدَهُ من شدّة الهزال والشقاء، فَـ [مضناك] تعني حينكذا: من أقعده حبّك أو الوصل.

جفاه مرقده: أما المرقد فهو مكان النوم، فجفاه مرقده تعني أنه لشدّة التفكير فيك، ما عاد قادرًا على نوم الليالي.

وبكاهُ ورحّمَ عُوّدُه: والعُوّد جمع عائدٍ وعائدة، أي من زاره للاطمئنان على صحّته.

تعني أن زوّاره بكوه وترحموا عليه لمّا ظنوه مفارقًا لدنيانا نظرًا لمرضه الذي جعله مفارقًا للنوم.

حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ     مقروح الجفنِ مسهده

تأكيد على ما أعلن عنه في مطلع القصيدة: قلبه حائر يعذبه بما فيه، وعيناه متقرحتان لا تنامان.

يستهوي الوُرق تأوُهُه ويذيب الصخر تنهده

الوُرق (بالضم) هو كل أبيضٍ شابه السواد، ولي في هذا مذهبان: الوُرق أي الحمام الأبيض مكحّل العينين يهوي من السماء لما يسمع تأوه العاشق أو الوُرق: الريم، الغزال الأبيض، ونظرًا لأن القصيدة هذي ردٌّ على موشح 'يا ليل الصب' للحصري الضرير؛ فهذا المعنى أصلح -عندي- وأرجح، حيث يقول الحصري في قصيدته: 'كلف بغزال ذي هيفٍ'، فيرد عليه الشوقي بالقول إن الغزال الذي تغزّل فيه جل شعراء العرب، استهواهُ تأوه العاشق؛ ويكمل الشاعر في عجز البيت قوله أن الصخر ذاب لشدّة تنهّداته جرّاء البعد عن المحبوب.

ويناجي النجم ويتعبُهُ ويقيم الليل ويقعدُه

لشدّة ما يقاسي الصب من انفصاله عن محبوبته، فإنه يتحدث مع النجم ليلًا يشكو له جناية المحبوب، حتّى أن النجم تعب منه.

الحُسنُ حلفتُ بيوسفه والسورة أنك مفردُهُ.

أما عن الحسن، فإني أقسم بيوسف الحُسن الحَسَن، أي يوسف عليه السلام، وبالسورة البديعة التي نزلت فيه تروي حكايته، أنك مفردةٌ من مفرداته.

وتمنّت كل مقطعةٍ يدَها لو تُبعَثُ تشهدُهُ.

ويستلهم شوقي من النص القرآني الكريم ومن سورة يوسف عليه السلام، تحديدًا، قصّة النساء اللائي انشغلن عن البرتقالة التي بيدهن والسكين لما رأين حسن يوسف وهو إليهن داخل، فطقعنَّ أيديهنّ لذلك، فلمّا انتبهن مما هنّ فيه صرخن، رغم ذلك، فلو شاهدنك لتمنين أن تُبعَث أيديهن من جديد لتشهدن حسن المحبوب حتّى لو قضين كرّةً أخرى في سبيله.

جحدت عيناك زكيَّ دمي أكذك خدّك يجحده؟

إن كانت عيناك قد جحدتا ما رأين من دمٍ يسفك أمامهن، فهل سيجحد خدّك ذلك، وما فيه من احمرار يكاد تفجّر هو من دمي؟

قد عزّ شهودي إذ رمتا فأشرتُ لخدّك أشهدُهُ

لا شهودَ لي حين رميتُ من عينيكِ بتهمة إنكار دمي الزكي، فأشرتُ وقتئذ لخدّيك الأحمرين فهما خير شاهد لي.

بيني في الحب وبينك ما لا يقدر واشٍ يفسِدُهُ

لا يقدر أي شخص، مهما بلغت قدرته على الوشي، أي نسج الفتن بيني وبينك، أن يلغي أو يفسد الحب الذي بيننا.

ما بال العاذل يفتح لي باب السلوان وأوصده؟

رغم كل ما أعانيه جرّاء حبّك، الا أنني أرفض نسيانك، حتى أن لائمي يفتح لي بابًا لنسيانك، لكنني أغلقه رفضًا لذلك.

(للفائدة: السلوان: خَرَزة تُسْحَق ويُشْرَبُ ماؤُها فيَسْلُو شارِبُ ذلك الماءِ عن حُبِّ من ابْتُلِيَ بحُبِّه - لسان العرب)

قسمًا بثنايا لؤلئها قسم الياقوت منضده

يقسم الشاعر في هذا البيت بأسنانها المرصوفة كأنه اللؤلؤ الذي قام الياقوت برصفه وتزيينه.

ما خنت هواكِ، ولا خطرت سلوى بالقلب تبرده

جواب القسم، أنه ما خان محبوبته ولا ورد على قلبه شيئًا يبّرد ما فيه من نار العشق المتأطمة.

اقرأ أيضًا | التأويل، العويل والتعويل

 

 

 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018