كتاب ديفيد روز "غوانتنامو" الحرب الأميركية على حقوق الإنسان

كتاب ديفيد روز "غوانتنامو" الحرب الأميركية على حقوق الإنسان

تمثل قضية الدفاع عن حقوق الانسان وتطبيق شرعة الأمم المتحدة احد الادعاءات الاساسية في سياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه العالم. لا يخلو تقرير سنوي أميركي من التركيز على خرق حقوق الانسان وانتهاك حريته وكرامته فضلا عن غياب الحقوق الديموقراطية للمواطن. تتركز الخطة الاميركية راهنا في المنطقة على ادعاء السعي لإنجاز هذا الهدف المفقود. لكن ادعاءات الولايات المتحدة تتناقض بالكامل مع الممارسات التي جرى الكشف عنها خلال السنوات الاربع الماضية في افغانستان والعراق. انكشف الزيف الاميركي بعد افتضاح الممارسات العنصرية وانتهاك حقوق الانسان في معسكر غوانتنامو في كوبا وسجن ابو غريب في العراق.

تمثل الوقائع والشهادات التي اوردها الصحافي البريطاني ديفيد روز في كتابه الصادر بعنوان: <<غوانتنامو، الحرب الأميركية على حقوق الانسان>> صفعة للمزاعم الأميركية. استند الكتاب إلى مقابلات مع سجناء جرى اطلاق سراحهم وضباط ومسؤولين عن المعسكر، والى اطباء وممرضين تولوا معالجة السجناء، إضافة الى ابحاث خاصة قام بها، وهي معطيات تعطي الكتاب صدقية، خاصة ان الكثير من المعطيات الواردة فيه تقاطعت مع تقارير رسمية وغير رسمية نشرت خلال العامين الماضيين عن سوء معاملة الاسرى وتعذيبهم من قبل ممثلي الإدارة الأميركية المسؤولين عن المعتقلات.

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، دأبت الأمم المتحدة على وضع تشريعات واتفاقات دولية تخص السجناء ومعتقلي الحروب. أهم الاتفاقات في هذا الشأن هي اتفاقات جنيف عام 1949 حول معاملة الاسرى. تحظر المادة 17 من هذه الاتفاقات اللجوء إلى التعذيب النفسي والجسدي وتمنع استخدام وسائل القهر والضغط للحصول على المعلومات من المعتقلين، وتفرض معاملة انسانية للاسرى وحماية ضد العنف والاذلال والاهانة، وتسمح للمعتقلين بالحصول على محاكمة شرعية وقانونية، كما تعطي المعتقل الحق في ممارسة شعائره الدينية.
ان المعتقلين الستمئة الموجودين في معسكر غوانتنامو يفتقرون الى كل هذه الشروط الدولية في معاملتهم. لا ينجم هذا الحرمان عن تصرفات فردية للضباط والجنود المسؤولين عن المعسكر، بل إن القرار بالحرمان هو قرار اميركي رسمي.
فالرئيس بوش يرى انهم مقاتلون يريدون تدمير الولايات المتحدة وطريقة حياة الأميركيين، ونائبه تشيني يرى انهم سجناء <<منذورون لقتل الملايين من الأميركيين الابرياء>>، ووزير الدفاع رامسفيلد يرى انه إذا أطلق سراح هؤلاء المعتقلين <<فسيعودون الى قتل الرجال والنساء الابرياء>>. لهذه الاسباب وغيرها قررت الادارة الأميركية عدم اعتبارهم سجناء حرب، وصنفتهم مقاتلين غير شرعيين لا حقوق لهم بموجب اتفاقات جنيف، وهو ما يفسر عدم تقديمهم إلى المحاكمة حتى الآن. كما نتج عن هذا التوجه إعطاء الجنود الاميركيين الحق في تعذيب السجناء، بل اعتبار هذا التعذيب <<نوعا من الدفاع الذاتي>> ووسيلة لاستخراج المعلومات التي تساعد على اعتقال <<الإرهابيين>>. ان الإدارة الأميركية تعتبر معتقل غوانتنامو <<مختبرا حقيقيا ضد الارهاب>>.

عندما ينتقل ديفيد روز الى وصف اوضاع المعتقلين في غوانتنامو وممارسة الضباط والجنود الأميركيين، فإنه يكشف لنا صورا مذهلة ومرعبة عن النظرة الأميركية للإنسان نفسه، وعن العنصرية والحقد تجاه الشعوب الأخرى. انها صور ومشاهد وممارسات تسبب الغثيان والقرف ايضا.

يوضع السجناء في اقفاص معدنية، مقيدين بالسلاسل والاصفاد، وفي اماكن رطبة وحارة. تمنع عليهم المكيفات خلال الحر الشديد، وإذا ما استخدمت فمن اجل زيادة التبريد حتى درجة التجلّد. يجبرون على النوم في اضواء قوية واحيانا مع الموسيقى الصاخبة مما يعني منعهم من النوم. يفرض عليهم الجلوس راكعين، وإذا ما شعر اسير بالتعب وحاول تغيير وضعية جلوسه، يضربه الحراس حتى يفقد وعيه. تستخدم وسائل تعذيب متنوعة لإجبار الأسير على الكلام، من الضرب بالسلاسل المعدنية، الى استخدام الصدمات الكهربائية الى التخويف عبر الكلاب، الى الابقاء على السجناء في حالة دائمة من الخوف والايحاء لهم بقتلهم في أي وقت. كثيرا ما يحرمون من الطعام، او يقدم لهم كمية لا تفي بالحاجة. توضع عليهم قيود في الذهاب الى الحمام، وتترك الغرف مفتوحة، وكثيرا ما كان السجناء ملزمين بالتبول والتبرز على انفسهم.
تزداد مظاهر العنصرية في الممارسة ضد الاسرى عندما تمس قضايا تتعلق بثقافتهم وتقاليدهم ومشاعرهم الدينية. فالاسرى في مجملهم مسلمون متدينون يحملون القرآن ويمارسون شعائرهم الدينية. يعمد الجنود الأميركيون الى توجيه الاهانات الدينية لهم، يسخرون منهم لأنهم مسلمون، يصادرون نسخ القرآن فيدوسونها أمام أعين الأسرى ثم يرمون بها الى المرحاض. يحلقون شعر رؤوس الاسرى على شكل صليب. اضافة الى ذلك، يستخدمون حارسات السجن لتعرية الاسرى من ثيابهم، ثم يعرضون عليهم افلاما بورنوغرافية. وفي كثير من الاحيان تعرّض بعض الاسرى الى عمليات اغتصاب من الجنود الأميركيين.

تركت هذه الممارسات آثارا نفسية عميقة على السجناء. نتج عن عمليات الضرب والتعذيب ان كثيرا من السجناء كانوا يمضون الليالي وهم يطلقون صرخات غريبة اشبه ما تكون بصراخ الحيوانات المتوحشة. كما اوصلت المعاناة الكثير منهم الى الاحباط واليأس، فحصلت أكثر من 32 محاولة انتحار حتى نهاية العام 2003، وتسببت ايضا بفقدان الذاكرة والاختلالات العقلية، حيث يشير الكتاب الى اكثر من 53 حالة جرت معالجتها عقليا.

يجانب ديفيد روز الكثير من الحقيقة عندما يصل في خلاصاته واستنتاجاته حول التحقيقات التي قام بها، فيشير الى ان حالة السجناء والاوضاع الموجودين فيها انما ترمز الى الاضطهاد الأميركي للعالم الثالث. ان تذكير الضباط الأميركيين للاسرى بالتفوق المسيحي والغربي مقابل الدونية الاسلامية لهم، إنما يشحن العالم الإسلامي بالحقد والكراهية والتصميم على الانتقام، مما يعطي لنظرية الجهاد والعمليات الانتحارية كل مبرراتها.

منذ سنوات اثار صموئيل هانتنغتون في كتابه <<صدام الحضارات>> جدلا لم يتوقف حتى الآن حول الصراع الحتمي بين الغرب والإسلام في القرن الحادي والعشرين. ان ممارسات الولايات المتحدة في غوانتنامو وابو غريب هي تجسيد صريح لهذه النظرية عبر تصنيف المسلمين في خانة الاعداء.


خالد غزال

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018