"تحريّات سجن أبو غريب"

"تحريّات سجن أبو غريب"

أشرف على طباعة هذا الكتاب الباحث ستيفن ستراسير المناضل من أجل حقوق الإنسان وملاحقة جرائم الحرب، وقدم له الباحث كريغ ر. واتيني الذي يشتغل في المجال نفسه. والكتاب هو عبارة عن التقرير الرسمي الذي أصدرته لجنة التحقيق المستقلة عن الأعمال البشعة التي ارتكبها الأميركان في سجن «أبو غريب» من تعذيب وأشياء أخرى يندى لها الجبين، وكل ذلك أثناء استجواب المساجين العراقيين. ومعلوم أنه منذ نهاية شهر أبريل في عام 2004 راحت تظهر أولى الصور التي تكشف لنا عن كيفية إذلال الجنود الأميركيين للمساجين العراقيين في ذلك السجن الرهيب، وقد حاولت الحكومة الأميركية في البداية أن تبرز تلك التجاوزات وكأنها حالة معزولة أو فردية.

وقالت: إنها ناتجة عن تصرفات شخصية لبعض الجنود المتهورين، لا عن أوامر القيادة العسكرية الأميركية، وبالتالي فلا توجد مسؤولية رسمية عنها. وفي الرابع من مايو 2004 صرح وزير الدفاع رامسفيلد أن هذه الأعمال شاذة واستثنائية، وأما الرئيس بوش فأدان التصرفات المشينة لبعض الجنود الأميركان الذين أساءوا إلى سمعة بلادنا وقيمنا.

ثم يردف قائلاً: ولكن الحقيقة غير ذلك، فكل الدلائل تشير إلى أن التعذيب الذي مورس في سجن أبي غريب كان بأوامر من القيادة الأميركية وليس من دون علمها على عكس ما يدعيه المسؤولون الرسميون. والدليل على ذلك أن السجناء الهاربين من المعتقلات الأميركية في أفغانستان، قالوا: إنهم تعرضوا لوسائل التعذيب والأساليب الجنسية البشعة نفسها التي تعرض لها سجناء أبي غريب وبالتالي فهي منهجية عامة يتبعها الجيش الأميركي في كل مكان من أجل انتزاع المعلومات من السجناء أثناء استجوابهم، فإذا رفضوا تقديم هذه المعلومات تعرضوا للتعذيب والتهديد والاعتداء الجنسي.

وبالتالي فإن إدارة بوش مسؤولة عن هذه الأعمال والواقع أنها ضربت عرض الحائط بكل القوانين الدولية التي تحفظ حقوق المساجين، والواقع أن الإدارة الأميركية بعد (11) سبتمبر راحت تفكر على النحو التالي: لكي تربح المعركة ضد الإرهاب الدولي ينبغي أن تستخدم أساليب غير نظيفة، فالإرهابيون لا ينفع معهم إلا الإرهاب!

والواقع أن بعض المحامين المشهورين قالوا لإدارة بوش: إن القوانين السائدة حالياً والتي تحمي حقوق الأسرى والمعتقلين تحول دون أخذ المعلومات الضرورية منهم، وبالتالي تعرقل الحرب على الإرهاب. ولهذا السبب فإن الحكومة الأميركية حاولت تفسير معاهدة جنيف الخاصة بالمساجين على هواها، وهي المعاهدة التي وقعت عام 1949 والتي تنص على احترام كرامة المسجون وعدم الاعتداء عليه أو تعذيبه من أجل إجباره على الكلام أو أخذ المعلومات منه كما منعت أي اعتداء جنسي عليه.

ولهذا السبب فإن البنتاغون ووزارة العدل الأميركية حاولا التحايل على معاهدة جنيف وتفريغها من مضمونها، وكان ذلك عن طريق قول ما يلي: عندما يكون الأمن القومي في خطر فإن الرئيس الأميركي لا يعد ملزماً بالتقيد بالقوانين الأميركية العادية، وأية قوانين أخرى وبالتالي فيحق له أن يشّرع القوانين التي يراها مناسبة لردع الإرهاب والحالات الاستثنائية تتطلب قوانين استثنائية.

ولهذا السبب ابتدأت القوات الأميركية في أفغانستان والعراق وغوانتانامو تستخدم الأساليب القمعية في معاملة المساجين وأسرى الحرب وفي البداية كانوا يستخدمون أسلوب التحطيم النفسي قبل الانتقال إلى أساليب أخرى إذا لزم الأمر.

فقد كانوا يحرمون السجناء من النوم لساعات طويلة حتى ينهكوهم نفسياً وجسمياً وأحياناً أخرى كانوا يعرضونهم لدرجات حرارة مرتفعة جداً أو لضجيج عنيف أو لأشياء أخرى، فأجهزة الأمن عندها أساليب ما أنزل الله بها من سلطان. وكل الأساليب كانت تتبع من أجل سحق أعصابهم وإضعاف مقاومتهم بغية أن يستسلموا في نهاية المطاف ويدلوا بمعلوماتهم، ولكن لا أحد يعرف على أي مستوى من المسؤولية كانت تتخذ هذه القرارات بالتعذيب.

فمن الواضح أن رئيس الجمهورية مشغول بالقضايا الدولية وأشياء أخرى وليس هو الذي يتخذ هذا النوع من القرارات، وربما لم يكن الوزير رامسفيلد على علم بها في البداية، والواقع أن القادة الأمنيين يستطيعون اتخاذ هذه القرارات، وبالتالي فلا داعي لتدخل القادة السياسيين على أعلى المستويات، وهذا يعني أن قيادة الجيش الأميركي في العراق هي التي قررت ذلك.

ثم يردف الكتاب قائلاً: لقد شعرت الحكومة الأميركية أنها سوف تخسر المعركة الأخلاقية إذا ما استمرت على هذه الممارسات التي تنتهك القانون الدولي، وبدلاً من أن تساهم في القضاء على الإرهاب نلاحظ أن هذه الممارسات تجعل الآخرين يتعاطفون مع الإرهابيين ضدها.

وكل صورة تظهر لنا أحد الجنود الأميركان وهو يعذب سجيناً عراقياً تؤدي إلى زيادة شعبية «القاعدة» في العالم العربي والإسلامي، بل وقد تؤدي إلى انضمام أفواج جديدة من المتطوعين إلى صفوف الإرهاب. فهل هذا ما تريده الإدارة الأميركية يا ترى، أن تؤدي هذه الممارسات إلى فشل السياسة المتمثلة بمحاربة الإرهاب؟ ألن تؤدي إلى عكس النتيجة المتوخاة منها؟

هذا ما يعتقده الكثيرون من الخبراء في العالم بمن فيهم أولئك الذين يؤيدون أميركا ويتعاطفون معها بعد ضربة (11) سبتمبر، فالعالم الديمقراطي الذي ينتهك حقوق الإنسان صراحة كما حصل في سجن أبي غريب لم يعد مثالاً يحتذى به من قبل الآخرين، إنه يخون مبادئه الأساسية إذ يحتقر الكرامة الإنسانية إلى مثل هذا الحد، ولا يعود هناك فرق كبير بينه وبين النظام الديكتاتوري الشمولي.

ولهذا السبب أحست الإدارة الأميركية بالخطر على نفسها، وراحت تعتذر عما حصل في سجن أبي غريب وتقول: إن هذه الأعمال الوحشية تمت من دون علمها، بل وشكلت لجنة تحقيق في الحادث من أجل كشف المسؤولين عن هذه الأعمال ومعاقبتهم بعد محاكمتهم أمام القانون.

ولكن البعض لم يصدق كل هذه النوايا الطيبة للإدارة الأميركية، إنما راح يرى فيها نوعاً من الاستهلاك المحلي من أجل تهدئة الخواطر والمشاعر ريثما تمر العاصفة. ثم يردف الكتاب قائلاً: والواقع ان ممارسات التعذيب الأكثر إيلاماً ظهرت في سجن أبي غريب بعد تصريحات دونالد رامسفيلد التي دعا فيها إلى ضرورة التشدد مع المساجين العراقيين من أجل الحصول على معلومات مفيدة عن حركات التمرد.

وقد أرسلت القيادة العسكرية الأميركية خبراء الاستجواب من سجن غوانتانامو إلى سجن أبي غريب في العراق لهذا الغرض وكانت القيادة تهدف من جراء ذلك إلى الحصول على معلومات ثمينة تمكنها من القبض على زعماء التمرد الذين يسببون ضحايا عديدين في صفوف القوات الأميركية.

ولكن عادة المساجين لا يستجيبون بسهولة لطلبات الأميركان ولا يقدمون المعلومات المطلوبة فإن حراسهم يلجأون إلى وسائل التعذيب المختلفة، وهذه طريقة كلاسيكية معروفة في كل الحروب، ولكن المشكلة هي أن أميركا تزعم نقل الديمقراطية إلى العراق، وبالتالي فكيف يمكن لها أن تمارس التعذيب على المساجين؟ ألا يعني ذلك أنها أصبحت همجية مثلها في ذلك مثل الأنظمة الديكتاتورية التي تدينها؟ ألم تنتقد مصداقيتها؟ هذا هو السؤال الذي يحرج بوش وكل الإدارة الأميركية.

ثم يردف الكتاب قائلاً: في الواقع إن الجيش الأميركي كان يحترم عادة ميثاق جنيف في خطوطه العريضة ولكن يبدو أن أميركا فقدت صوابها بعد ضربة (11) سبتمبر ولم تعد تعرف كيف تتصرف وبما أنها تريد القضاء على الإرهاب بأي شكل فإنها سمحت لنفسها باستخدام أساليب غير شرعية، هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.

وترى الإدارة الأميركية أن ميثاق جنيف لا ينطبق على مقاتلي القاعدة والطالبان لأنهم إرهابيون على عكس الجنود النظاميين في الجيوش الكلاسيكية، وبالتالي فليست لهم الحقوق نفسها ولا ينبغي أن تكون، فهؤلاء يستبيحون دماء الأبرياء في المخازن العامة بالمئات والألوف دون أي رادع أو وازع، فكيف يمكن أن تكون لهم حقوق إنسانية إذن؟ ألم يتجاوزوا كل الحدود في الوحشية والهمجية؟ وبالتالي فمن حقنا أن نستخدم معهم أقسى الأساليب من أجل مكافحتهم وإيقافهم عند حدهم.

هذا هو ملخص النظرية الاستراتيجية الأميركية، وهي مقنعة بالنسبة للبعض وغير مقنعة بالنسبة للبعض الآخر.

مهما يكن من أمر فإن الولايات المتحدة بصفتها قوة احتلال في العراق خاضعة لميثاق جنيف من دون شك، وبالتالي فليس لها الحق في أن تحرم المواطنين العراقيين من حريتهم إلا في حالتين فقط: إذا ما شكلوا خطراً على الأمن في البلاد، أو إذا ما ارتكبوا الجرائم والجنح التي يلاحق عليها القانون.

وينبغي العلم أنه منذ أن كان الرئيس بوش قد أعلن عن نهاية الحرب في العراق فقد تم سجن (12000) عراقي، لقد اعتقلوا من قبل القوات الأميركية لعدة أسابيع أو عدة أشهر، وقد اكتشفوا فيما بعد أن 70% من هؤلاء اعتقلوا عن طريق الخطأ!

والواقع أن الطريقة التي عاملت بها الولايات المتحدة هؤلاء المساجين أحيطت بسرية كاملة منذ بداية الاحتلال، وهذا يعني أنه ارتكبت في حقهم تجاوزات لا إنسانية، وقد اكتشفت منظمات حقوق الإنسان أن أساليب التعذيب المختلفة مورست عليهم، وفضحت الإدارة العسكرية وقوات الاحتلال في تقاريرها العديدة.

من هنا أهمية منظمات حقوق الإنسان وضرورة تواجدها في العراق في هذه الظروف الحرجة، ومن هنا أيضاً وجود الصحافيين هناك لكي ينقلوا إلى العالم ما الذي يحصل في العراق بالضبط، وإلا فإن قوات الاحتلال يمكن أن تفعل ما تشاء من دون أي محاسبة من أحد.

لكن ينبغي التنديد أيضاً بخطف الأجانب، خاصة الصحافيين الذين يفيدون الشعب العراقي عن طريق نقل همومه ومعاناته إلى الخارج، كما وينبغي التنديد بتلك الجماعات الإرهابية التي تدعي المقاومة وهي أبعد ما تكون عن شرف المقاومة، فهي تلجأ إلى أعمال لا ترضى عنها الشرائع السماوية ولا الأرضية، وقد أساءت كثيراً إلى نضال الشعب العراقي.

فقتل المدنيين بالعشرات وأحياناً بالمئات كما حصل في مدينة الحلة أخيراً هو عمل إجرامي لا علاقة له بالمقاومة المشروعة، وقل الأمر ذاته عن ذبح الأجانب أو العرب أو المسلمين بحجة أنهم يتعاملون مع الأميركان كسائقين للشاحنات وسوى ذلك.

الكتاب: تحريات سجن أبو غريب
الناشر: بوبليك أفيرز ـ نيويورك 2004
الصفحات: 175 صفحة من القطع المتوسط



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018