اصدارات: الفكر القومي وقضايا التجدد الحضاري

اصدارات: الفكر القومي وقضايا التجدد الحضاري

يفرد هذا الكتاب « الفكر القومي وقضايا التجدد الحضاري «قسما لبعض جوانب النضال القومي ومتطلبات تطوير التجربة السياسية والمؤسسية العربية لما يعزز اضطلاع الجماهير العربية بمسؤولياتها في توجيه مقدرات الأمة واستعادة دورها، كما أن بين دفتيه العديد من الوقفات في مقابل مختلف الظواهر الناشئة عن مستجدات ما بعد الحرب الباردة، وجاء تصنيف الكتاب لمؤلفه الباحث المصري د. بكري خليل إلى ثلاثة فصول تبعا لوحدة وتشابه الموضوعات التي اشتمل عليها وهي تطور الحركة القومية العربية والتكامل الحضاري.


ويقول في ذلك مفهوم القومية إلى عدة تفسيرات بحثا عن أصول وجذور الظاهرة القومية، وقد انعكس ذلك التفتيش على مناشئ وأسباب ظهور حركات الشعوب الناهضة والتعرف إلى خصائصها ودوافع نضالها وأهدافها المشتركة.


ويقول المؤلف : ان تطور الحركة القومية العربية الحديثة، جاء وليد مرحلة تاريخية طويلة، حيث كانت الحركة القومية العربية واحدة من المخاضات الأخيرة للإمبراطوريات الدينية + القومية، التي أفل نجمها فهي تعبير عن استعادة الهوية، ذلك أن الوطن العربي قد شهد نوعا من العودة إلى حيزه الجغرافي المستقر فتبينت حدوده القومية الطبيعية عن مجاله الحضاري الحيوي.


وقد واكب ذلك التمايز بين حدود القومية الطبيعية وبين مجالها الحيوي الحضاري جملة تحولات، صنعت حالة الاقتراب والإلتحام منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر وعن هذه التحولات يقول المؤلف : إنها تتمثل في نتائج الحركة الدستورية الإصلاحية في تركيا والتي انقلبت بالتدريج إلى حركة إحياء قومي طوراني واضطهدت هذه الحركة القوميات المؤلفة لكيان الدولة وفي مقدمتها العرب مما أوصل الدولة العثمانية إلى نهايتها.


أما التحول الثاني فيكمن في انتقال المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ بعد أن أخذت تندفع منذ حكومة « بالمرستون» في بريطانيا لمنع يقظه العرب، وبلوغ التحالفات بين الصهيونية والرأسمالية العالمية مستوى متقدما أفضى إلى تمكين روتشيلد لبريطانيا على شراء أسهم قناة السويس


وإلى البدء بإقامة المستعمرات الزراعية وقيام المؤتمر الصهيوني العالمي وتضافر المساعي لإقامة الدولة اليهودية، وتضافر مع ذلك احتلال وادي النيل، وفرض الحماية على دول الخليج وتقسيم المشرق العربي، بموجب سايكس بيكو ثم احتلاله، مع جملة المتغيرات التي أدت إلى السقوط المدوي للخلافة العثمانية ونقض بريطانيا وعودها للعرب.


ويقول المؤلف :أبرزت هذه النتائج حقائق بعيدة الأثر على الحركة القومية العربية وصاغت اتجاهاتها، كما أطلقت مجموعة متكاملة من القضايا ترتبت عن انبعاث مشكلات الحداثة في ظل التجارب الوطنية حيث جاءت الأخيرة مثقلة بأعباء الموروث التقليدي والمكتسب في فترة الاستعمار القديمة.


ومن هذه الخلفية يقول المؤلف: ان المشروع السياسي للاستقلال التنموي بالإضافة إلى محاولات التوحيد والعمل العربي المشترك وآثار التحديث المادي والمعنوي، مع اشتداد السيطرة والتغلغل الثقافي الأجنبي.


إضافة إلى الانتكاسات التي منيت بها الأمة العربية منذ انفصال الوحدة السورية المصرية في إطار التطويق والسعي لضرب فرص النهوض.


كلها أحيت من جديد الاسئلة حول إمكانية نجاح المشروع النهضوي دون شروطه القومية، وصلة التحديث بأبعاده السياسية سواء في مواجهة الغرب، أو مسائل الإصلاح السياسي الداخلي


وعن علاقة النهضة بالوحدة العربية يقول المؤلف: كانت قضية النهضة قبل ظهور الفكر القومي الوحدوي أملا يداعب خيال المتأملين في مصير الحضارة العربية والإسلامية. وبإنتظام الوعي والعمل القومي. دخلت معركة النهضة مرحلة الفعل التاريخي النضالي، أي الصحوة الحقيقية التي حولت رهان النهضة إلى ميدان الممارسة والإمتحان، فأصبح الإنتماء القومي والاستقلال الفكري قلبا للإستراتيجية الحضارية والذي بدونه لا تتأهل النهضة أو ترتفع إلى مستوى رسالتها.فلا نهضة إلا بالوحدة العربية على نطاق الوطن العربي.


أما عن التعددية الحضارية والنهضة فيقول المؤلف : إن تأكيد الهوية العربية الإسلامية هو تجسيم لمفهوم التعددية الحضارية، وبناء عليه يصبح استنباط المناهج والاساليب المعرفية من نسيج خصوصيتنا على إتساق مع وحدة الحضارة وتعدد الثقافات.


ويتحدث المؤلف في أحد فصول الكتاب عن العولمة والنهضة والمستقبل قائلا: إن إرساء نموذج حضاري يقوم على تفريد المشروع الثقافي بحيث يقيم مناهج خاصة ومفعمة بقيمة، إنما يعني العمل على فك الإرتباط بمفاهيم واسعة لا حصر لها ومع ما يؤلف الصيغة الحضارية السائدة للعصر.


فلا الرأسمالية بأساليبها الناعمة أو المتوحشة إستطاعت أن تفرض تصورا منسجما بحسب نموذجها.


ولم تستطع المجتمعات التابعة أن تفك إرتباطها معها. وضمن هذه المفارقة تكون فرصة المشروع النهضوي للرد على أيديولوجيا العولمة التي تضرب صفحا عن عدم تماثل سريان التطور الرأسمالي في مختلف أرجاء النظام العالمي وبقاء الهيمنة بإتساع الفجوة بين الشمال والجنوب.


ويصل المؤلف إلى القول بأن البديل العلمي الذي يفسح للنهضة موقعها ويزيد فرصها هو إخضاع الاقتصاد القومي لخدمة مصالح أمتنا، والتحكم في عملية التراكم، بحشد مواردنا ضمن تنمية مستقلة توظف قدراتنا في مواجهة المنافسة الخارجية، مع عدم استبعاد إجراءات حمائية لا تقف عند حدود التعريفة الجمركية وإنما تلجأ إلى ضبط الصادر والوارد كما ونوعا، وتقييد حركة رؤوس الاموال وتوجيهها لأغراض استثمارية بناءة.


ويشدد المؤلف على حتمية ربط كل هذا بالديمقراطية قائلا : أن الإنجاز الديمقراطي عنوان لحشد القوة الذاتية واستنفارها وناتج لانتظام آلية الواجبات والحقوق بين المواطن وسلطة الدولة، وتمتعه بحرية التعبير والتنظيم، وقيام مؤسسات الحكم على الانتخاب والشرعية الدستورية والاعتراف بالتعددية وسيادة حكم القانون.


الوحدة العربية ومبدأ الشفافية. فعلاقة المبدأ والواقع، فهي علاقة جدلية فلا يمكن أن نؤكد على أي من قطبيها على حساب الآخر.


(أمين اسكندر - "البيان")