راجي بطحيش يتحدث عن جديده "غرفة في تل أبيب"، وعن أمور أخرى

راجي بطحيش يتحدث عن جديده "غرفة في تل أبيب"، وعن أمور أخرى


على غلاف كتاب "غرفة في تل أبيب" الصادر مؤخّرًا، للكاتب (الشاعر سابقًا - وسنأتي على هذا التمييز لاحقًا)، راجي بطحيش، جاء الاقتباس التالي: "ثمة لحظات غريبة، مربكة، وكئيبة نوعًا ما... تلك اللحظات الأولى التي يجد فيها المرء نفسه وحيدًا في غرفة.. في فندق.. في مدينة ما.. لحظة موحشة بغض النظر عن طبيعة هذه الغرفة.. أجمل أجنحة برج العرب في دبيّ، أو شيراتون الجزيرة على النيل القاهري الساحر، أو الدورشيستر في لندن، أو أحقر نزل في بنغلادش. ثمّة شعور يجعلنا نشعل التلفاز، في الغرفة، فورًا بعد تسلّمها وخروج حامل الحقائب منها... حتى في جناح معلّق على أعلى قمم منهاتن، نشعل التلفاز...".

الآن، وبعدما قرأتم الاقتباس الذي جاء أعلاه، أضيف لكم أن في جديد بطحيش، مثل هذه القصص مثايل، وأنّها تحدث في زمن الحرب الأخيرة، وأنّ فيها حضوراً كريماً للجنس الفاعل أحيانًا والتارك أحيانًا، ألن تقرأوها في أوّل فرصة؟! أنا فعلت، وإن كان جزء من نشاطي المفاجئ هذا جاء لضرورات استباق لقائي مع الكاتب بتحضير ما تيسّر من الدروس، لكنني قرأت، وفي ساعتين لا ثالثة لهما، وفي هذا إنجاز للاجئ كسول (أو لاجئ إلى الكسل) مثلي، ولبطحيش تحية على هذا، أما بعد!

التقيته هذا الأسبوع في حيفا الحاضرة في هذه المجموعة القصصية حضور الحرب فيها في الصيف الأخير، وخضتُ معه في حديث مهذّب ولطيف (قدر الإمكان طبعًا) حول المجموعة القصصية التي يوقّعها لكم اليوم، في الساعة السادسة مساء في مقهى "فتوش" في حيفا، في حفل فيه "لمّة" محبّبة وغريبة عن المشهد الأدبي عندنا، إلى جانب سيولة لا بأس بها من شراب العنب الفرنسي المعتّق، فقليل من العنب يفرح قلب الإنسان، وكثير منه يفرحه أكثر، ويزيد المبيعات والتوقيعات!.. نعود إلى مطلع الأسبوع، إلى لقائنا بالكاتب، الذي طرحنا عليه فيه الكثير من التساؤلات، فخرجنا نحن بإجابات أوردها عليكم فيما يلي، وخرج هو، برأيي، بتساؤلات إضافية تمامًا كما يفعل كل أديب، فالإجابات عند محدّثنا لا تأتي بعلب مجهّزة مسبقًا.


شقّ بطحيش طريقه الأدبية من خلال الشعر بداية، فنقلة إلى النثر ومنها إلى القصص القصيرة فإلى الرواية التي يعكف على كتابتها حاليًا. لكن ليس قبل أن يتوقف لسنة عند كتابة السيناريو التي درسها في "مدرسة السيناريو في تل أبيب"، لتشكّل تحوّلاً نوعيًا في أدبه، لكن مخاض ولادة أسلوب مختلف ومتجدّد ليست بالعملية السهلة؛ "بين تشرين الأول لعام 2005 وحزيران 2006، وهي فترة دراسة السيناريو، لم أكتب كلمة، كي لا نقل جملة، واحدة مفيدة في الأدب، ففي عملية تعليم هذا النوع من الكتابة تحطيم لكل المفاهيم الإبداعية الأساسية تحضيرًا لعملية بناء جديدة، وفي هذا نوع من الإرهاب منعني من الاستمتاع، ولو للحظة واحدة، خلال التعليم. هذا إضافة إلى صراعات وجودية لا تقل حدّة مثل الانتقال إلى عمل جديد ومدينة غريبة - تل أبيب" يقول محدّثي، وسرعان ما يستدرك هذه النظرة السوداوية لهذا الفن الجميل، فيقرّ بما لحق "أنهيت التعليم، ثم جاءت حرب تموز، وجاءت معها عملية العودة لاكتشاف أدواتي الكتابية ولملمة أبجدياتها، وكتبت، فوجدت أن مجموعة "عن البلاد والفنادق" (التي تفتتح الكتاب) كُتبت تحت تأثير أسلوب الكتابة للسينما.. ولا أعرف حاليًا إذا جاء هذا في مصلحة العمل، لكنني أعترف بأنني أخذت بالحسبان، أثناء الكتابة، ما يمكن أن ينفّذ سينمائيًا وما لا، وكأنني رأيت القصص بعين المخرج أو المنتج".
بطحيش: "إذا كنت تقصد كتابة فيلم فلا، فأنا حاليًا مصرّ على الابتعاد عن هذا. ككاتب، لا أريد الدخول في دوّامة تخريب نصي الأدبي نحو جعله سينمائيًا إرضاء "للأستاذ" المخرج".


بطحيش: "في فترة انطلاقتي، عام 1995، كنت جزءًا من مشهد شعري ناشئ عبر صفحات "الاتّحاد"، وكان يبدو لي أن كل الدنيا شعر، فالسلام الوهمي والانفتاح على الأراضي المحتلة وعودة محمود درويش، كلها عوامل عززت هذا الشعور. وجاء عام 2000، ومعه الانتفاضة وهبة أكتوبر، لتُحدث تحوّلاً وجوديا في حياتي، فتركت البلاد وسافرت. لم أعد أكتب الشعر لسببين؛ الأول لأنّني اكتشفت أنّني والشعر لسنا أصدقاء، بل أشعر بالذنب عندما أكتب شعرًا، وأن اللغة الشاعرية لا تسعفني لأن أوصل ما أريد وكأنني أرسم لوحات تجريدية لا أستمتع وأنا أكتبها؛ وثانيًا لأنني كائن سياسي، وعندي الكثير ما أقوله عن السياسة والمجتمع. وبما إنني من الكتاب الكلبيّين (من bitch)، جاء التحول سلسًا، فوجدت نفسي أكتب نثرًا، وساعدني على ذلك زاويتي الأسبوعية آنذاك في صحيفة "فصل المقال"... بدأ التحوّل عندما كتبت آخر ديوان شعر لي، فما بدأ ككتابة شعر تحول بسرعة إلى قصص نثرية، وبعد عودتي أصدرت كتاب "بدل الضائع" وهو رؤية اجتماعية ساخرة وسوداء. واليوم، في الكتاب الأخير تتويج لهذا التحوّل. بالنسبة لي مضى زمن الشعر... أنا أريد أن "ألسع" والشعر لا يمكنّني من ذلك!".

بطحيش: "بعد محمود درويش وأدونيس لم يضف أحد شيئًا للشعر، لذا انسحبت من هذه اللعبة".


إجابة محدّثي عن سؤال حول العلاقة بين الحرب والفنادق - ولا علاقة هنا بتجربة نسبة كبيرة من سكان حيفا وقرى الشمال مع فنادق القدس وبيت لحم أثناء الحرب، فنحن نتحدّث عن حرب الكاتب الشخصية الخاصة - جاءت مفاجئة بعض الشيء، فقال: "أنا درست الكيمياء في الجامعة، أي أنني كيميائي بالأساس، وهنا شيء منهجي في طريقة عملي، فمهما حاولت الانطلاق ومهما حاولت أن أكون بوهيميًا، هناك ما يضبطني، لأنني أخطط مسبقًا لما سأكتب من خلال رسومات ومعادلات موجّهة تتحول فيما بعد إلى عمل أدبي، وهذا ما حصل هنا، فالفندق والحرب جاءا ليضبطا النص.. بالمناسبة، هذه أول مرة أكتب بهذه الدقة، أي بزمان ومكان محددين، بخلاف أعمالي السابقة".


بطحيش: "حلمي ان أكون متنقّلاً، وعندي حب للأشخاص المتنقلين بين المطارات والفنادق.. أشعر بأن هذه الشخصيات أعمق، فيها تنوّع وتلوّن وتحدّ، والفندق هو كذلك، ممر!".

بطحيش: "الجنس يتسلل إلى نصي من دون أن أقصد، هكذا بطبيعية. أكثر اللحظات الحقيقية عند كل شخصية هي لحظاتها الحميمة، وهذا ما يغريني ككاتب نحو دفعها إلى هذه الأمكنة لكي أتعرّف أكثر عليها وأفكك أبجدياتها. ثم أن الكتابة عن الجنس فيها متعة لي ككاتب، كما أن اللغة العربية من اللغات الأولى التي استرسلت في الكتابة في الجنس".


بطحيش: "نعم، أرى أنني كتبت فرضيات لقصص، أو ممرات لقصص، ولو أردت غير ذلك لما اخترت غرف الفنادق لمكان الحدث.. أما إذا لم تصل القيمة الجمالية للنص فهذه مشكلتي، لكن كل قصة انتهت من ناحيتي...".


لا يخشى كاتبنا المشاكس لكل ما هو مألوف ومقبول (كما سيظهر في الأسئلة التالية) من ردّة فعل سلبية على قصصه كونها مغايرة البنية، وهو يبني ثقته على تجربته السابقة مع كتاب "بدل الضائع" التي قدّمها بأسلوب مشابه، كما لا يوافق على الرأي القائل بأن من يعرفه شخصيًا "يعذره" من "الانحراف" عن المتّبع، ذلك أن نقادًا من العالم العربي، لا يعرفونه شخصيًا، أثنوا في السابق على أسلوبه، وكذلك العديد من القراء، وهذا ما يشجعه على الاستمرار...


بطحيش: "بين الناصرة وتل أبيب، وفي هذا انفصام كبير... تل أبيب تصادر لغتي التي أكتب بها، والناصرة هي المكان الوحيد الذي انتمي إليه من دون أن اختار، لكنّها تخذلني كل مرة من جديد!"

بطحيش: "حيفا مدينة مركزية في حياتي لكنني لا أحب ان أعترف بذلك.. المدن الكبرى تشجّع الفردانية، بينما في حيفا ترى نفس الوجوه دائمًا، حيفا بلد متوقّعة وهذا ما يبعدني عنها، مع أنني شريك في هذا الهم الجماعي نحو إرجاع مجدها..."


بطحيش: "يغضبني من يقول لي "أنا صديق أدونيس"؛ جيّد، ماذا تريد مني يا صديق أدونيس؟!. يغضبني أنّ لا حوار هنا بين الأدباء، ونعرف أخبار بعضنا البعض من الخارج.. تغضبني حالة "الأضواء" الوهمية .. يغضبني أن هناك "وزاوز" يقال عنهم شاعر/ة وليس في رصيدهم إلا بعض قصائد.. تزعجني الفقاعات الأدبية النسائية... إذا نظرت اليوم إلى الحركة الأدبية لا يمكنك رصدها؛ من فيها ومن خارجها، من يكتب؟ من ينقد؟".

بطحيش: "شاركت قبل شهور في الصالون الأدبي الذي تعقده "جمعية الثقافة العربية"، وهناك هوجمت بشدة من تيار لم يتقبّل رؤيتي لأسباب عجز الحركة الأدبية، فباستثناء د. روضة عطالله ود. الياس عطالله والزميل وليد أيوب، هاجمني جميع من كان في الاجتماع، بل وأهانني بعضهم".
بطحيش: "قلت إن هناك غربة بين جيل الكتاب المحليين الكبار وبين الجيل الشاب، وهذا الجيل فشل في أن يكون مرجعية لنا... فهوجمت منهم وممّن يدور في فلكهم، لذا أقولها هنا إن لا لغة حوار مشتركة مع هذه الحركة وأنا لا أنتمي إليها بل أتبرّأ منها لأنها قائمة على النفاق المتبادل والابتذال والاستسهال، والقيم في نصوصهم كليشيهات أكل الدهر عليها وشرب، ومع هكذا أجواء لن يكون باستطاعتنا تأسيس حركة أدبية".


بطحيش: "أعتقد أن أحد أهم المشاكل عند كتابنا هنا أنهم لم يدركوا بعد أن القارئ يقرأ أو يشاهد فيلماً أو يسمع أغنية من أجل المتعة، وليس بحثًا عن لغة عربية صماء ونحت في اللغة واستعراض عضلات لغوي لا يؤدي إلى شيء... لذا أهم شيء لي ككاتب أن يقولوا لي "استمتعنا بقراءتك".
"لم تلتصق العجينة التي جهزتها الأم لابنها العريس على مدخل البيت الحجري فوقعت العجينة على الأرض ليحل بعدها الخراب والهم المفترض... ولكن شمس آب اللهاب سرعان ما حولت العجينة المنكوبة إلى فطيرة مميزة بطعم أسطوري... هذا ما قالته النملات الواحدة لزميلتها في اجتماعهن اليومي الصباحي... "

***

"أين الناس؟؟؟ أين بلاد العجائب؟؟؟ ثلاث سنوات... أي عجيبة تعيدني الآن إلى عصرونة شجيّة في حيّنا الحبيب في "ديانا"... هذا ما صرخت به نفس هنوش وهو يضع حقائبه التي أعدّت للسنوات الثلاث أرضًا... ثلاث سنوات... اشتقت للناصرة وأمي ولنانا ومنال وميرا... اشتقت لزعران البلد، أتمنى أن يضربني أحدهم الآن ويهشمني - لأنني لم أعطه مجالا لتجاوزي بعربته - على أن أكون هنا..."

رغم أنّ القصص القصيرة التي تؤلف مجموعة الكاتب راجي بطحيش الأخيرة، "غرفة في تل أبيب"، يمكن أن تثير حفيظة المُنحازين إلى القصص التي تنبني على حبكة وشخصيات وبداية ووسط ونهاية (أنا من هؤلاء المنحازين، على فكرة)، إلا أنها تظلّ تراوح في مساحة صُوَرية مشهدية، تُعفيها في معظم الحالات من النزوع نحو القصصية، والتمترس - أكثر من أيّ شيء- في المشهدية السينمائية الطاغية.

فدراسة بطحيش لكتابة السيناريو أثّرت على كتاباته (كما يقول هو أيضًا في اللقاء المنشور معه، هنا)، وهي في رأيي أثرت عليه للإيجاب، إذا قُيّض لي أن أقارن مجموعته الأخيرة بالمجموعة السابقة، "بدل الضائع"، التي رأيتُ إليها وقتها، على أنها تسجيلات شخصية شبه علاجية (ترابيا) لنفس مُعذّبة. وفي المقابل، تنسحب نفس الكاتب/الشاعر المعذبة في المجموعة الثانية، بوطأة أخفّ وأيسرَ، رغم أنها ظلّت واضحة في الكثير من القصص والمواقف الحزينة.

والحزن في مجموعة بطحيش الثانية رومانسي في معظمه، وهو ليس ذلك الحزن الذي يُنغّص عليك ويُثقل، بل هو في عمومه حزن يحمل بعض الجمال والهدوء، مما يُضفي على المجموعة كلها رومانسية تنجح في أن تحافظ على رشاقتها وحضورها الدمث، من دون الانزلاق (المغري في ساحق الحالات) نحو الميلودرامية، وفي هذا مفصل من مفاصل الاتكاء التي تتيح لنا أن نسجّل من دون مواربة أنّ النضج الكتابي/الفنيّ في هذه المجموعة أكبر من الكتاب السابق، وهذه نقطة غاية في الأهمية تُسجَّل لحساب بطحيش، ككاتب يتطوّر ويتعتق باستمرار.

المجموعة مقسمة إلى أربعة أجزاء، ويمكن أن نلاحظ بسهولة أنّ الجزء الأول الذي يتحدث عن الحرب الأخيرة هو أقواها وأفضلها. فالموضوعة الواحدة والمشتركة وتناولها من جانب فني/كتابيّ واعٍ ومدروس، أي من خلال غرف الفنادق، تجعل من هذا الجزء أكثرَ أجزاء الكتاب نُضجًا وجَودة، حيث أنّ ربط الفنادق واغتراب غرفها وعدم الاستقرار والمرحلية الكامنة في مجرد الحديث عن الفنادق، بالحرب، ملكة اللا-استقرار غير المُنازَعة، هو ربط ذكي وعميق وناجح جدًا.

كما أنّ بطحيش لا يتنازل عن الجنس (والإيروسية) كلاعب مركزي وحاضر بشدة في معظم صفحات الكتاب. وأخال قراره هذا نابعًا من رغبة لا تُقاوم في استفزاز الحياء العام (وهذه مُهمة الكاتب الأولى والأساسية) وفي تطعيم المشاهد الوجودية التي يتحدث عنها بأكثر ما يمكن من الصدق مع الذات ومع الجسد. وإن كفاه أمرٌ يُحمَد عليه في هذه المجموعة- فيكفيه هذا.

(عن "فصل المقال)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018