"تتبرج لأجلي" لزاهي وهبي.. الحب الذي يعيد الخزانة شجرة

"تتبرج لأجلي" لزاهي وهبي.. الحب الذي يعيد الخزانة شجرة


مختارات منقحة من شعر الحب والصداقة ونصوص من جوف القلب كتبها الشاعر زاهي وهبي للاهل والاصدقاء للناس والامكنة للام والحبيبة وقدمها في ديوان (تتبرج لاجلي) الصادر حديثا عن الدار العربية للعلوم في بيروت ومنشورات الاختلاف.

مقدمة الديوان بقلم الشاعر اللبناني المخضرم سعيد عقل ومنها "كل كلمة يخطها زاهي وهبي شعرا كانت أم نثرا هي جمة الرهافة والابداع... القيم والجمال واحد. شعر زاهي وهبي قيم وجمال". أضاف "ان وهبي قيمة لبنانية كتب شعرا ام كتب نثرا."

يقع الديوان في 280 صفحة من الحجم المتوسط ويتوزع على تسعة اقسام هي "رسائل فضل الله" و"بقيتك في الارض" و"شطرتني نصفين" و"الجسد الميناء" و"احوال اليدين" و"اهل واصدقاء" و"ناس وامكنة" و"لو تأتي" و"بين صلاتين". أما الغلاف فهو لوحة تشكيلية من أعمال الفنان أمين الباشا.

يقدم وهبي في كتابه "زبدة" تجربته الشعرية التي تتوزع في اربع مجموعات سابقة هي "حطاب الحيرة" عام 1990 و"صادقوا قمرا" عام 1992 و"في مهب النساء" عام 1998 و"ماذا تفعلين بي" عام 2004.

وفي اعماله المختارة يؤكد وهبي ان تجربته التلفزيونية الطويلة التي قدم خلالها برامج شهيرة مثل "خليك بالبيت" و"ست الحبايب" و"احلى الناس" لم تأخذه من الشعر بل زادته نضجا وعمقا.

في قصيدة تحمل عنوان "لن يعرفك احد" يقول وهبي "لا تخف لن يعرفك احد/ حتى اولئك الذين صفقوا لك طويلا/ امطروك وردا وكلاما جميلا/ او اولئك الذين طعنوك في الظهر/ باعوك بين صلاتين ثم رموك في البئر."

مع وهبي تبدو قصيدة النثر اكثر اقترابا من الذوق العربي مع كثير من العذوبة والسلاسة وكأنها تجاهر بكونها فرعا اكيدا من شجرة الشعر العربي التي تضرب جذورها في الاعماق.

في احدى قصائده يقول "امتطي مخيلتي مرتعشا قبالة الضحكة الوثيرة/ جسدي مقفر وروحي كفيفة/ هل لي بقميصك اشمه قليلا/ لابصر الذي حولي/ واميط لثام الظلمة البغيضة/ هلي لي بصوتك/ شطر الريح او شطر الروح/ وليكن ما شئت."

يذهب شعر وهبي عميقا في "انسنة" الاشياء وفي اقامة علاقات حميمة مع كائنات الطبيعة على انواعها. يكتب لشارع لمقهى لاريكة لشرفة لشجرة ونكتشف معه كيف تمسي هذه الاشياء كائنات حية كما في قصيدة " اخوة" اذ يقول "مرة تبنى ابي شجرة صادفها في طريق (حملها الى حديقتنا) سقاها ماء نشربه/ صرت ارد عنها الريح/ اناديها يا اختي."

يأخذ الحب لدى وهبي معناه الاشمل بحيث لا يعود هذا الحب حكرا على امرأة بعينها بقدر ما يغدو حبا انسانيا مطلقا يحاكي الحياة برمتها متدفقا بشفافية وعذوبة بالغا ذروته في لحظات التماهي والتوحد مع الحبيبة.

يقول "لاني عرفتك لا انا ميت ولا انا حي/ ألامسك يحيا ما هو ميت ويموت ما هو حي/ كأني اتعاقب فيك/ كأن اسلافي يتكاثرون في لحظة عناقك/ يشبهونك بالسيف واشبهك بالضوء جارح العتمة/ ... حين يراودني طيفك كيف لا انهض ولا اغتسل/ كيف لا اشق ثوبي ولا اتضرع ادور حولك ادور حولي (ادور حولك ادور حولي) انجدل فيك اتكثف بخارا تشربه قامتك المأهولة بالملائكة/ ومن فرط ما اشتهيك ( اكاد اصيرك اكاد اضاهيك انوثة."

يتسم شعر وهبي بكثافة الصور الشعرية وهو دائما ملتصق بالارض بالتراب مهموم باوجاع البلاد والعباد وخصوصا اوجاع فلسطين التي مٌنح جنسيتها بمبادرة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

يكتب للشاعر الفلسطيني محمود درويش مخاطبا اياه "في الصباح لك ان ترشق الجندي بحجر ان تقطف وردة لعاشقة الورد) ان تجد وقتا لاشيائك الحميمة/ ان تنتقي قميصا ربيعي المزاج ان ترفع صوت الموسيقى عاليا/ ان تخفف قليلا وطأة الاحتلال."

ويضيف "ابتسم لتغيظ الجندي المكفهر خلف بندقيته/ غن غناؤك يعكر مزاج الجنرال/ غن ليس الحزن ما يجعلك استثنائيا/ بل دفاعك الرائع عن معنى الحياة."

وفي قصيدة طويلة بعنوان "ليلة مقتل لوركا" يكتب وهبي لشاعر اسبانيا فيدريكو جارثيا لوركا الذي قتل ابان الحقبة الفاشية في بلاده ويختتمها بلسان امه "لو كان صبيا لو كان بنتا/ لو كان قمرا لو كان نهرا/ سوف اسميه لوركا/ اعلمه الشعر والغواية اعلق في صدره نجمة الفقراء."

ضد الحروب.. ضد الطغاة.. ضد الفقر والجهل.. ضد البغضاء.. وضد الاحتلال عناوين تصح في وصف تجربة وهبي الشعرية كما تتبدى من خلال ديوان "تتبرج لاجلي" لكن الصفة الاصح في زاهي وهبي هي "شاعر الحب" بامتياز سيما وان للحب عنده للعناق وللقبلة مفعول السحر الخالص "حبيبتي وانا بنت وصبي/ على خدها قبلة يدها في يدي/ مثل كفها احلامنا صغيرة/ ان تصير لنا خزانة/ نعلق فيها ثيابنا/ ننام متعانقين/ تقبلني تعود الخزانة شجرة."

الحب الذي يعيد الخزانة عند وهبي الى اصلها فتغدو شجرة من جديد يجعل لغته نضرة طرية طازجة في تمازج متناغم بريف ينحدر منه ومدينة يعشقها بين جنوب هو مسقط راسه ووجدانه وبيروت التي يسميها.. "مسقط قلبي".


(من ليلى بسام - عن "رويترز")