دع عنك لومي: رواية الهامشيين ثقافيا../ رشاد أبوشاور

دع عنك لومي: رواية الهامشيين ثقافيا../ رشاد أبوشاور


تأخذ رواية الكاتب السوري خليل صويلح عنوانها من صدر بيت من قصيدة مشهورة للحسن بن هانئ (أبو نواس)، والتي تحمل عنوانا لها (مدّعي الفلسفة)، في مجلد أعماله الشعرية الذي جمعه وحققه وقدم له أحمد عبد المجيد الغزالي، والصادر عن دار الكتاب العربي في بيروت...

وحكاية القصيدة تقول بأن( أبو نواس) كتبها في صديق صباه إبراهيم النظام الذي صار رئيس فرقة من فرق المعتزلة، والذي حاول ترغيبه في الكف عن شرب الخمر، والتوبة عن معاقرتها، والتي يقول مطلعها:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء

إذا كان النواسي ينطلق من رؤية فلسفية هو ابن العصر العباسي البطر، والمرتاح بعد استقرار الأحوال في بغداد بعد طول صراع على السلطة، فما غرض خليل صويلح من كتابة روايته هذه ؟

لا بد من التنويه بأن الكاتب واحد من جيل روائي جديد، يعيش في زمن الإنترنت، والمحمول، والديجتل، وأنه في زمن الفضائيات، وقفزات التكنولوجيّا، وفي ذات الوقت فإنه مواطن عالمثالثي، عربي سوري يعيش في مدينة دمشق، يعني مواطن عربي في زمن الحروب، والصراعات العربيّة العربيّة، والبطالة، وتأزّم حياة (المواطن ) العربي على كافة الصعد، والذي تزداد أزماته ضراوة، مع ازدياد وعيه وثقافته، وتفاقم شعوره بعبثيّة الحياة العربيّة وخوائها.

لا أبطال هذه الرواية هامشيون ثقافيّا - لهم دور كبير في تهميش أنفسهم - يدّعون الثقافة، والموهبة، ويعيشون بطّالين، طفيليين، حياة ليل يقتنصون فيها كأسًا وجلسةً لا يتحملون تكلفتها الماليّة، كونهم غالبا بلا مال.

المجموعة التي تتكوّن من أربعة زملاء، زعيمهم سمير شكري الذي تقّر له المجموعة بأنه ( المرجع) والشاعر الفهيم، وعماد معصراني الساعي دائما للاعتراف به وبخّاصة من سمير شكري، وأنس عزيز المأزوم جنسيا ملك العادة السرية والتي تفشل توصيات وتعاليم سمير شكري له في نسج علاقة بينه وبين القّاصة المتاحة للجميع منى جابر، لحرصه على التفلسف المنفّر الممل الذي يدعو للشفقة والرثاء، والذي يغطّي به اهتزازه وانعدام ثقته بنفسه، وماهر غزال الذي يلعب على المجموعة ويزبّط صفقة مع شخص خليجي في مشروع صحفي ألكتروني. هؤلاء جميعا يحملون اسم مجموعة ( الثعالب)، وهي صفة تناسبهم، فهم يتثعلبون حتى على بعضهم، بمقالب صغيرة تصل أحيانا حّد الخساسة.

فتاة واحدة في الرواية على مقربة من جماعة الثعالب، هي القاصة الفضائحية الإباحية في بعض قصصها - لزوم الإثارة، والاستعراض، وادعّاء كسر ما هو سائد -، قبيحة الشكل، تعيش وحيدة في غرفة بحّي باب توما. وهي
فصول الرواية صغيرة، سريعة، ليس فيها أحداث بارزة، فأيّام المجموعة، بالأحرى لياليها متشابهة، وحواراتهم تواصل مع ما انقطع، وهم جميعا تائهون ضائعون في بارات المدينة، وغالبا في البارات المتواضعة المناسبة لنقودهم القليلة.

تبدأ الرواية بهذه العبارة: fuk you، وكأن الروائي يقول: نحن ننتمي إلى هذا الزمن الأمريكي وثقافته المنحطة.
نقرأ في مدخل الرواية: سوف تتحوّل هذه الشتيمة التي يتبادلها الأمريكيّون في الأفلام إلى ترجمة رصينة في العربيّة، كنوع من البلاغة الكاذبة. عبارة لم تعد متداولة إلاّ في المعاجم وبعض الروايات المتحذلقة:
_ تبّا لك !
تبدأ الرواية بالبذاءة والسخرية والنقد، ثمّ تمضي بنا مع هذه (العصابة) التي تعّد أيامها ولياليها بجرعات عرق (البطّة) ونادرا الوسكي، إلاّ إذا توفرت لهم فريسة تتكبّد تكلفة دفع الحساب عنهم مقابل جلوسها معهم، والتبرّك بتثاقفهم!

ثمّة شخص حاضر غائب هو الراوي الذي يسرد حكاية الثعالب، والذي يظهر كشخصيّة، كصوت وكلمات في فصل (أسباب الراوي)، ويعلمنا بأنه يعاني من الضجر التاريخي والتمرّد، ومن (قلق اكتئابي متوسّط) كما أعلمه الطبيب، وهذا يدّل على أنه يتردد على طبيب نفسي، وهو ما نتأكّد منه في فصل ما قبل اختتام الرواية، والذي يلتقي فيه بصديقته القديمة النحاتة الجادة، التي تلقّت صدمة فشل خطوبتها، بعد تخليّه عنها، بتماسك وكبرياء، وعوّضت بالعمل الجدّي المثمرعن فشل قصّة حب وفشل زواج.

في الفصل الأخير من الرواية المعنون: أحوال الراوي لا تسّر، نلتقي بالراوي الذي يعاني من مرض الكآبة، وهو في عيادة الطبيب يراقب المرضى، ومؤخرة السكرتيرة...
يخبره الطبيب: بأن كآبته لا تدعو إلى القلق، فهذه الحالة جماعيّة (كلّنا مرضى اكتئاب، ولكن بدرجات متفاوتة).. ونصحني أن أنظر إلى الأمور بالمقلوب...
وينصحه الطبيب أيضا: يجب أن تجدد فراشك !
يستعرض أسماء صديقاته القديمات، ويختار من بينهن عبلة.
_ كيف تذكرتني ؟
_أرغب برؤيتك غدا
_ ما الأمر ؟
_ أنا أشتعل شوقا
_ وهل تعتقد أنني سيّارة طوارئ ( قالتها بمرح).
عبلة التي طلّقت بعد قصّة حّب فاشلة مجنونة شهدتها أروقة معهد الفنون التطبيقيّة، قررت أن تستعيد هوايتها القديمة في تشكيل الخزف، محوّلة الفشل في الحب والزواج إلى إبداع.هكذا استأجرت بيتا من غرفتين وسطحا حولته إلى مشغل...

قلت بأنه لا أحداث، ولا صراعات، ولا تطوّر في شخصيّات هذه الرواية، ولكنني وجدتها ممتعة، وكاشفة لشريحة متثاقفين، وكاتبها لا بدّ أنه وضع نصب عينيه هدفا، وإلاّ: لماذا كتب روايته هذه ؟

الراوي يكتب عن ( الشلّة) وكأنه يضعها تحت مجهر، ومن خلالها يرى ما هو أبعد من السطح، وهو ما نلمسه في الحوارات، والتفاصيل، والجزئيات، والمرارة التي تفوح من حوارات الشخوص، والعدميّة التي لا تكشف عن مكونات نفوسهم وحدهم، والتي هي من ملامح الحياة العربيّة الاجتماعيّة البائسة التي تطحن الأجيال التي تعيش بلا أهداف حقيقيّة، ولا آمال، ولا انتماء...

الشخصية الإيجابيّة الجديّة هي التي تنتج رغم كل ما لاقته من فشل، أقصد عبلة، هي التي تمنح (الراوي) في النهاية معنى يبحث عنه لحياته الخاوية، معنى يشفيه من الكآبة بالعمل...
ينتهي الفصل بعد انكسار الإناء الخزفي، وهو يتناوله من عبلة، والمنقوش عليه: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فيعلّق موجها كلامه لنفسه ولعبلة، وهو يداري ارتباكه :
_هذا فأل حسن، قدري ألاّ أقف على الأطلال...

أليس هذا ما يدفع للترحيب بهذا الروائي، المنتمي لهذا الجيل، الذي بعضه، حتى إذا ضيّع كثيرا من وقته، وسقط في الكآبة، والضياع، وعانى الفشل، فإنه يكتب ولا يستسلم، متجاوزا حالة الثرثرة، والتطفّل، والشكوى، والغرق في إدمان الكحول، وتبديد الوقت، ويقدّم رواية خفيفة لطيفة كهذه الرواية؟!

أبو نواس خاطب صديقه ابن النظام المعتزلي: دع عنك لومي...
و..كتب شعرا مفعما بروح الحياة، بسيطا عميق الفلسفة، والفرق بين المبدع والمدمن هو الفرق بين من يعيش حياة مثمرة ومن يعيش حياة مجدبة..الفرق هو الإبداع، وهو ما تنتسب له هذه الرواية...