السياسيّون أصحّاء... أم مرضى نفسيّون؟

السياسيّون أصحّاء... أم مرضى نفسيّون؟

يعيد رئيس «الجمعية النفسية العراقية» الدكتور قاسم حسين صالح في كتابه الجديد، النظر في تحليل الأسباب والخلفيات للأحداث، لا بل المآسي والكوارث التي تصيب وطنه العراق والمنطقة العربية، وكيف تحوّلت الرؤى العظيمة والكبيرة في مراحل سابقة إلى مصائب دمّرت المجتمعات.

يضع الكاتب إصبعه على «جرح الثقافة العربية» أو «التراكم المعرفي» الذي صقل شخصية العربي منذ قرون، وقد حمَّلته في داخله عقداً صعبة، وجاءت الأحداث وتعاقب الظلم الاجتماعي وتحكّم الديكتاتوريات في رقاب العباد التي ساوت بين الوطن وشخصية الديكتاتور، وحين يسقط تتساقط معه كل البنية الوهمية الظاهرة. وأبرز مثال في العصر الحاضر ما أصاب العراق بعد صدام حسين، حين تبيّن أن كل ما بدا من عظمة وأبهة كانت عبارات فارغة وشعارات زائفة.

يصف الكاتب حال المجتمع العراقي بدقة، في غنى تنوّعه وتعدّد ثقافاته من طوائف وقوميات وإثنيات وأحزاب وما تحويه هذه المنطقة من عمق تاريخي يضرب في أعماق وجذور الحضارة الإنسانية، وتراكم الظلم ومدى تأثيره في النفوس، أدّيا إلى ما يسمّيه الكاتب «الحوَل الإدراكي» الذي يعني اللجوء إلى «ثقافة الاحتماء»، أي تحوّل سيكولوجي خطير يدفع إلى التقوقع الضيق حتى أضحت ولاءات بعض العراقيّين تنتمي إلى الحي والشارع أي أدنى حتى من القبيلة والعشيرة والطائفة وما إلى هنالك من عودة إلى انتماءات بدائية ظننّا أن مجتمعاتنا العربية قد تجاوزتها وخرجت من هذه الأطر، ولكن ما يظهر حين تواتيها الفرص أنها ما زالت في بدائية خطيرة تغذيها عدة عوامل داخلية وخارجية.

من هنا يدخل الكاتب في صلب الموضوع الأساس حين يطلب من السياسيين أخذ رأي السيكولوجيين أصحاب الاختصاص في كيفية إدارتهم للمجتمعات على قواعد علمية صحيحة تراعي ظروف التراكمات التاريخية العنيفة وثقافة العنف المتأصلة في كل الميادين، وخاصةً التربية التلقينية الموجهة المدمرة للشخصية، وبذلك لا يمكن بناء مجتمعات بالطرق القسرية بل عبر بناء الشخصية الوطنية المتوازنة التي تؤمن بالتعددية الفكرية والحضارية ضمن الوطن.

أوّل أقسام الكتاب يتضمّن تحليلاً سيكولوجياً ووصفاً دقيقاً لحال الجماعات العراقية وكيفية نظرتها بعضها إلى بعض، ويدخل في تفصيل ثقافة الإرهاب.

القسم الثاني «سياسة ومجتمع»، عبارة عن مقالات صغيرة تدور في فلك موضوع البحث، وهي بالمناسبة مقالات ذات مواضيع شيقة سلسة بعناوين جذابة من قبيل تحليل سيكولوجي لفوز الفريق العراقي في مباراة بطولة أمم آسيا، وعنوان آخر يتساءل هل السياسيون العراقيون أصحّاء أم مرضى؟
أمّا القسم الثالث بعنوان «ثقافة وشخصية»، فيتضمن رسائل ومقالات نقدية متنوعة.

عموماً، تكمن أهمية الكتاب في كيفية عرضه السلس لموضوع معقَّد بحاجة إلى تفسير وتحليل، وكذلك في مقاربته العلمية المجرّدة نحو قضايا ما زالت شبه محرّمة مثل نقد ثقافة التربية التلقينية المشتقّة من أساليب التعليم الديني وكيفية تعاطيه مع العصر وعدم خروجه من منطق العنف والبطش.
"الأخبار"