ادوارد سعيد وعائلته بحسب... جين الشقيقة الكاتبة

ادوارد سعيد وعائلته بحسب... جين الشقيقة الكاتبة

"تيتا, أمي وأنا: ذكريات امرأة عربية" (دار الساقي, باللغة الانكليزية) سيرة ذاتية رائعة ومؤثرة, قسمتها الكاتبة جين سعيد مقدسي إلى أربعة أقسام, مع مقدمة وخاتمة. في المقدمة توضح أن دراستها لبيئة جدتها ووالدتها الطبيعية والاجتماعية والتاريخية فتحت أمامها آفاقاً ومجالات كانت تجهلها, وجعلتها تشعر أن ماضيهما أصبح ماضيها هي أيضاً, وان ازدياد فهمها لحياتهما زادها فهماً لحياتها هي, ووعي المظاهر المختلفة لهويتها.

ثم تنتقل في القسم الأول إلى سيرتها هي, إلا أنها خلال الكتاب كله تمزج أحداث حياتها بوجود أمها وجدتها, كأنهن مثلن معاً مثلثاً متصل الأضلاع, مما يبرّر عنوان كتابها. في سرد سيرتها تحدثنا عن دراستها في مدرسة انكليزية في القاهرة فصلت التلاميذ تماماً عن محيطهم الحضاري, مع أنها دربتهم على عدم الخضوع لأحد" ولولا اهتمام والديها بإعطائها وإخوتها دروساً خاصة باللغة العربية لظلت تجهل محيطها الثقافي أيضاً. وتحدثنا عن العلاقات الوثيقة بين أفراد أسرتها, وأهمية هذه العلاقات في تأمين المساندة والمساعدة المادية والقانونية والراحة والعطف والإحساس بالذات, ولا سيما الحماية. فحجبت عنها هذه الحماية الأحداث السياسية وكل ما يجري في الخارج. ولكن, فقط إلى حين. وتصف تربيتها البروتستانتية البيوريتانية التي حثتها على أن تكون متواضعة, محتشمة وخجولة "فتعلمت أن تحجب ذاتها الداخلية ودوافعها بحجاب اسمك بكثير وأمتن من قطعة القماش الخارجية التي غطى بها بعض أترابها المسلمات وجوههن" (ص70). وطبيعي أن يلعب الدين دوره في هذه التربية وقد جعلها تؤمن بعالم أفضل. إلا أن المناخ الثقافي في البيت أتاح لها ولإخوتها ثقافة أدبية وفنية واسعة. كما أن تحليل والديها لكل من أعمالها وتصرفاتها لتقويم مضمونها الأخلاقي, جعلها تنشأ مستعدة للحكم على العالم أكثر من الإسهام في أعماله.

والكتاب مفعم بحب الوالد: فهو الرجل المثالي, اللطيف, الطيب, الحنون, المخلص, الكريم, صاحب مروءة, مع قوة في الشخصية ونشاط وحزم وشجاعة جسدية ومعنوية, علمها الدفاع عن حقوقها, الإصرار على العدالة, المثابرة وضبط النفس. ولعل من أجمل الصفحات الخاصة بوالدها تلك التي تصف سهره معها طوال الليل لئلا تنام حين أصابتها التراخوما, يقص عليها القصص, يلعب معها, يلهيها بألعاب سحرية كلما بدأت تبكي رغبة بالنوم. وأخوها ادوارد الذي أصبح ذا شهرة عالمية تعطينا عن مراهقته صورة جميلة ومؤثرة. كان مثلها الأعلى, أدهشها بلعبه التنس, بعزفه على البيانو, وحاولت دائماً أن تكون في خدمته. فلا شهرته العالمية ولا عيشه بعيداً قضيا على العلاقة الحميمة بينهما, فقد ظل مقياس الرجولة بالنسبة إليها, وحين مات شعرت "بفراغ, بثقب في الحائط حيث كانت المرآة سابقاً" (ص51). إلا أن الكتاب عن الجدة والأم بالدرجة الأولى. تصف الكاتبة شكل الجدة, مشيتها, حركاتها, ترتيبها المبالغ فيه, تقواها وإيمانها العميق. وتصورها زوجة وأماً مثالية, وتعطينا صورة مشرقة لعلاقتها بزوجها الذي أحبها واحترمها إلى أقصى الحدود. وفي عرض الكاتبة لتاريخ هذه الأسرة الفلسطينية المسيحية المتدينة نقرأ قصة تروي حياة الناس, الأحداث التاريخية والاجتماعية التي عاشوها, مهنهم, أفراحهم, أعيادهم, أسفارهم, مدارس الإرساليات, فتربط بين لغة التعليم في هذه المدارس وأهداف المرسلين وحكوماتهم السياسية, وتشير إلى الصراع الصامت بين ثقافة أجدادها العربية المحلية والثقافة الإنكليزية التي تعلموها وفصلتهم عن محيطهم الطبيعي. فمواد الدراسة في مدرسة جدتها حين انتقلت إلى بيروت لم تمت بصلة إلى عالم التلميذات, وكان هدفها الوحيد إعدادهن ليكنّ ربات بيوت ممتازات, لا أن يكنّ نساء متحررات. إلا أن بعض البنات, مثل أخت جدتها, ثرن على أساليب المرسلين في إذلال الشرقيين. وتؤكد الكاتبة أن التقدم العلمي الذي أحرزه السكان بفضل الإرساليات لم يتحقق إلا بسبب رغبة السكان أنفسهم بالتعليم فمكنوا المرسلين من نشره. وفي عرضها تاريخ جدتها معلومات لا تخلو من الطرافة, كاكتشافها أن تدريب البنات في 1893 على تعليم ذوي الحاجات الخاصة (العميان في هذه الحالة) كان بين مواد جدتها المدرسية. أو ما سمعته عن فروسية والدة جدتها. فإزاء هذين المثلين تتساءل الكاتبة عن وهم الحداثة التي يدعيها جيلها الحالي, وعن الحرية التي فقدها هذا الجيل.

أما القسم الثالث من الكتاب فعن والدتها هيلدا, وتعتمد فيه الكاتبة إلى حد بعيد على مذكرات أمها, فتكتشف التغيير الذي طرأ على الوالدة إذ تحولت من فتاة ساذجة بسيطة في حداثتها إلى سيدة مجتمع أنيقة كوزموبوليتية ومحنكة. فبفضل الخادمة حليمة عاشت أمها في طفولتها تقاليد سكان الناصرة وثقافة بلدها, إلا أن تأثير والدتها التي ابتعدت عن هذا التراث بسبب دراستها غلب على الوالدة هيلدا, ثم غلب في ما بعد على الابنة, الكاتبة جين, بسبب تأثير والدتها. وتبين الكاتبة أن انفصال أمها عن جذورها ازداد بعد انتقالها من الناصرة لتدرس في بيروت, ومن بعد ذلك إلى القاهرة حين تزوجت. تقص علينا الكاتبة قصة حياة والدتها في المدرسة ثم في الـ"جونيور كوليدج", وقصة خطبتها وزواجها على الطريقة التقليدية, منوهة بالصراع في نفس أمها بين رغبتها بمتابعة دراستها ورغبتها بالزواج من رجل أعجبت به وكان إلى ذلك غنياً مما يوفر على والدتها مصاريف متابعة الدراسة. ومن أجمل صفحات هذا القسم ما سجلته الكاتبة من رسائل الحب بين والديها أثناء الخطوبة, اكتشفتها بعد وفاة الوالدة, فتحلل الفارق بين ما كتبه وديع سعيد وما كتبته هيلدا موسى. وتعطينا الكاتبة هنا أيضاً صورة لزوجة وست بيت وأم مثالية في اهتمامها بزوجها وبيتها وأولادها, شديدة الحرص على القيم الأخلاقية من تواضع وحشمة وخجل, تراقب ما يقرأه أولادها وما يشاهدون من أفلام, ولا تألو جهداً في تنمية اهتمام بناتها بشكلهن الخارجي, بأناقتهن وجمالهن, إلى جانب تعليمهن كل ما هو ضروري للبنت في رأيها. وتطلع علينا الكاتبة بمقارنة طريفة بين أعمال جدتها في المطبخ التي شاركها فيها أصدقاء وجيران, وأعمال والدتها المعزولة عن الناس في مطبخها بين آلاتها الحديثة المتطورة. فتعلق على هذه الظاهرة بأن الحداثة بآلاتها المطبخية المتطورة هي التي عزلت نساء اليوم في أعمالهن المنزلية, عزلة يثرن عليها الآن. فلا يخفى على قارئ الكتاب انتقاد الكاتبة لهذه الحداثة التي يتلهف الناس إليها من غير أن يقيّموها تقويماً دقيقاً.

وفي القسم الرابع من الكتاب تجمع الكاتبة بين نفسها ووالدتها حين عاشتا في بيروت السبعينات والثمانينات بعد وفاة الوالد, وسني الحرب التي تبيّن كيف عزّزت دور النساء الإيجابي وأزالت الفوارق الطبقية بين الناس, وكيف قاومت هي مآسي الحرب بأن تكتب عنها كتابها الأول فتخرج من عزلة حياتها المنزلية. ومن أجمل أجزاء هذا القسم وأبعدها تأثيراً في القارئ تلك الصفحات التي تصف احتضار الأم ومشاعرها هي قرب هذه الأم المحتضرة, والأثر الباقي الذي تركته هذه الوالدة فيها وفي جميع أفراد عائلتها(ص377-378).

لا يقتصر الكتاب على كونه سيرة نساء ثلاث, وإنما أعطانا, فضلاً عن ذلك, صورة ضافية عن مجتمعاتهن والأحوال السياسية التي عشنها في فلسطين ومصر. في تتبع جذور أسرة الجدة وتاريخها منذ منتصف القرن التاسع عشر تعود الكاتبة إلى كل ما تيسر من وثائق ومذكرات ورسائل وكتب, أما الأحداث السياسية في فلسطين ومصر بعد ذلك فقد عاشتها بنفسها ووصفتها وبيّنت كيف أخذت تعي أبعاد المأساة الفلسطينية, والعلاقات الامبريالية بين مصر وبريطانيا, والفارق الشاسع بين الطبقات في مصر. إلا أن وعيها هذا لم يجعلها في حداثتها تهتم بالسياسة ولا بالتعبير عن رأيها فيها قبل أن عاشت الحرب اللبنانية.

ذلك أن السير الثلاث تعكس بوضوح مواقف الكاتبة الراهنة: وطنيتها ونسويتها. مثلاً, في ربط جيد وطريف بين اللغة والموسيقى والأحداث السياسية تقول إن مدرستها الانكليزية في القاهرة كانت تختار الترانيم الدينية الفخمة الكلمات, المجلجلة الموسيقى مما جعلها واللغة الانكليزية جزءاً من الإطار السياسي البريطاني الذي حكم البلد.

أو تقارن بين المجتمع الذي عرفته في القاهرة حيث اختلطت الإثنيات والجنسيات والأديان من غير أن يفرّق ذلك بين الناس, والمجتمع الأميركي الذي عاشت فيه بعد زواجها وكان مجتمعاً منعزلاً يلاحظ كل ما كان مختلفاً عنه, وكثيراً ما تضمن موقفاً عدائياً منه. وفي خاتمة الكتاب تقول في محاولة أن تستجلي معنى "الحداثة" و"التقليدي" إن علينا نحن العربيات أن نبتكر حداثتنا متجذرات في تراثنا. أما نسويتها فتظهر, مثلاً, حين تصف الجدل بين أمها وجدتها من جهة وعمتها من جهة ثانية حول الكنيسة التي ستتزوج فيها أمها لأنهن كن ينتمين إلى طائفتين بروتستانتيتين مختلفتين. فتقول الكاتبة إن الجدل لم يكن بسبب الإيمان بإحدى الكنيستين وإنما لدفاعهن عن البطركية إذ أرادت كل منهن أن يكون الزواج في كنيسة الأب أو الزوج. وبصراحة مؤثرة وصدق نادر تحلل الكاتبة الصراع في داخلها بين خضوعها لمتطلبات حياتها كأم وزوجة وتظاهرها بالسعادة والطاعة, فيما شعرت بالإرهاق وبنقمة وغضب على انهيار طموحاتها. ففيما رأت زوجها يرتقي ويترقى في علومه ومكانته ووظائفه, وقد أسعدها ذلك, أحست أنها لا تزال تراوح مكانها, واعترتها مرارة عميقة وشعور بأنها دفعت ثمن نجاحه (ص133). أما الآن, وقد كبر الأولاد, فتقول إنها وجدت فيهم سعادة لا مثيل لها. ومن أجمل صفحات الكتاب تلك التي تصف فيها تحول ما اعتبرته سيئات طفولة أولادها ومراهقتهم إلى حسنات في رجولتهم, حيث تحوّل العناد, مثلاً, إلى ثبات, والتردد إلى ثقة بالنفس, إلخ (ص394). وأظن أن نجاحها ككاتبة الآن أسهم إلى حد بعيد في هذه المصالحة بين طموحاتها ودورها كأم وزوجة.

وبعد, ففي غير موضع من الكتاب فكاهة لذيذة, كما في المشهد الذي تصف فيه اختيار الأم القماش لثوب عرس ابنتها, أو تعليقها على الإهداء الذي كانت الأم تكتبه على ما تهدي إليها من كتب: "إلى ملاكي الصغير" فتعلق: "لا أعتقد أنـــها كانت لي أية صفات ملائكية, ولكنها كانت محاولات أمي اللبقة لتوجهني في هذا الاتجاه" (ص46). كما تلفتنا عناية الكاتبة بأن تنقل بدقة تفاصيل كل ما تعرض له: مثل روائح الصابون والأزهار والعطور والحلوى, شكل الجدة والعمة نبيهة, أثاث المنازل, وتصف وصفاً حياً مضحكاً الممثلين والجمهور أثناء مسرحيات نجيب الريحاني. ولكن, بما أن الكتاب موجه إلى قراء أجانب تصف من المأكل والأثاث والأدوات المنزلية ما يعرفه كل قارئ عربي. ورغبة في استيفاء الموضوع نجد الكاتبة تستطرد أحياناً إلى تفاصيل تبعدنا عنه, كسردها, مثلاً, سيرة إحدى المبشرات, أو استطرادها إلى الحركة النسائية في تناولها سيرة أمها, مع أن والدتها لم تكن على صلة بهذه الحركة ولا اشتركت فيها, أو استطرادها إلى طرق توليد النساء في الماضي , على ما في هذا الاستطراد من طرافة.

ويبقى أن لأسلوب الكاتبة دوره في جعل قراءة هذا الكتاب ممتعة. طبعاً لا تستطيع الترجمة أن تعطي غير صورة باهتة عن هذا الأسلوب, ولكني سأكتفي بإعطاء مثل واحد عليه, حين تكتب أمام أمها المحتضرة إذ خاطبت ابنتها بـ"ماما": "إننا جميعاً بنات بعضنا البعض وأمهات بعضنا البعض. فبكثير من المحبة غسلت واحدتنا جسد الأخرى البائس... وقد تسطح تدريجاً كل الشخصيات التي كانت (الأم), لتتحول إلى شخص واحد... يموت" (ص381).

(نازك سابا يارد - "الحياة ")

بودكاست عرب 48