"الآخرون"- أشد جرأة من "بنات الرياض"

"الآخرون"- أشد جرأة من "بنات الرياض"

قد تكون رواية «الآخرون» للكاتبة السعودية الشابة «صبا الحرز» من أجرأ الروايات الصادرة خلال الآونة الأخيرة، ليس في السعودية فحسب وإنما في العالم العربي. وعرفت صاحبتها كيف تستفيد من تجربة رجاء صانع في روايتها «بنات الرياض» لتمضي في لعبة السرد الفضائحي وتلج عالماً سرّياً وشبه مجهول. وصبا الحرز اسم مستعار وقناع لروائية في العشرين من عمرها، كما أفادت دار الساقي، ناشرة الرواية.
لكن قراءة الرواية موضوعياً وأدبياً تؤكد أن صاحبتها «المجهولة» والموهوبة جداً روائياً، لم تهدف الى إحداث فضيحة مجانية وضجة إعلامية، مقدار ما حاولت تصوير واقع خفي. فالبطلة التي «تتنكب» فعل السرد أو القصّ والتي يمكن وصفها بـ «الراوية» أو «الساردة» التي تتحكم بالأحداث والوقائع والشخصيات، تنطلق من تجربتها الذاتية، هي المصابة بمرض «الصرع» أو «النقطة»، والتي تعرضت لـ «إغتصاب» مثلي على يد صديقتها ضيّ. لكن «الفريسة» أو الضحية تعجز عن التكيّف مع واقعها الجديد على رغم مضيها في اللعبة واستسلامها لها. فهي تظل في حال من الاضطراب والخوف والقلق، تبكي وتندم وتصف نفسها بالمسخ: «كنت بنتاً فصرت مسخاً». وتشعر أحياناً بقذارتها التي لا يغسلها الماء والصابون، كما تعبّر.
تنطلق وقائع الرواية لئلا أقول أحداثها، من احدى بيئات القطيف في السعودية وتتوزّع بين كلية البنات و«الحسينية» والمنازل والمزرعة. الشخصيات الرئيسة فتيات بل طالبات في مقتبل العشرين وأكثر قليلاً، حياتهن في غرفهن المنزلية تختلف عن حياتهن المعلنة أو العائلية والجامعية.
تنتمي رواية «الآخرون» الى ما يُسمى بـ «الأدب الملعون» الذي تسوده أحوال الاضطراب النفسي والعلاقات السادو- مازوكية والملامح المأسوية الكامنة خلف المظاهر الخادعة التي تدرك الفتيات حقيقتها المشوّهة. لكن الكاتبة لا تتخلى لحظة عن الفن الروائي ومعطياته وأبعاده، ما يؤكد أن المؤلفة المجهولة صاحبة موهبة كبيرة وثقافة عميقة. فهي، كراوية، تدخل الى أعماق الشخصيات وتحفر في لاوعيها الذاتي والجماعي، وترسم العلاقات بذكاء. وتلم الكاتبة بثقافة «الانترنت» والثقافة الحديثة، السينمائية والموسيقية والأدبية، لكنها تظل شخصية سلبية، أقرب الى النموذج «الوجودي»، تشعر بالغثيان والقرف- مثل شخصيات سارتر- وتحلم بتغيير العالم وتدرك عجزها عن تغييره. وعندما تجد نفسها وحيدة، تحاول تأنيب نفسها، ليس لانجرارها في حياة مريضة وفاسدة فقط، بل تعذيباً للنفس وانتقاماً للبراءة التي ولّت من غير رجعة.
إنها رواية مأسوية، لا تعرف السخرية إلا قليلاً، وترسم معالم حياة سوداء تقوم على هامش الحياة نفسها. وإن بدا حضور الرجل طفيفاً فيها ومقتصراً على اسمين فإن حسن، شقيق الراوية، يحضر بشدة عبر غيابه، فطيفه لا يغادر مخيلة الشقيقة المريضة ولا ذاكرتها، على رغم مضيّ سنوات على موته.
رواية «الآخرون» ستكون مثار جدل وسجال في الصحافة والمنتديات واللقاءات، وستُسيل حبراً أكثر مما أسالت رواية «بنات الرياض»، تبعاً لجرأتها أولاً ثم لمقاربتها العميقة لمشكلة هي من أشد المشكلات العربية التباساً وتعقداً.

[عبده وازن]

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018