المحثوم وشالون / أحمد أبو حسين

المحثوم   وشالون / أحمد أبو حسين

الحاجز شظايا رواية , هو جديد عزمي بشارة الصادر عن دار الريّس , والذي اعاد ت دار نشر "ميتافورا " طباعته محليا بحلة جديدة خاصة به مع غلاف جديد من تصميم شريف واكد. وبالرغم عن أن قراءة الكتب في هذه الايام باتت في نظر البعض استثمارا غير "مجد" في زمن "الاستهلاكية" , لكننا رغم ما ذكر وما نشهده من حالة "ثقافية" متردية نراهن على كتاب لعزمي بشارة يصل إلى بيوت الناس ولا يكون شهادة عن عذابات فحسب او مجرد رواية للتسلية انما نهدف إلى توضيح رؤية لفكر وطروحات من خلال تصوير أدبي رائع لمشاهد واقعية ولحكايات عن الناس .

شظايا رواية عزمي بشارة الجديدة نزلت علينا نحن القاطنين هنا تحت "ظل الحاجز" في زمن غابت فيه الكلمات والمعاني والرواية والثقافة جراء احتجاز التطور الثقافي المتعمد و"قلة الخواص" بلغة اهل البلد بعدما اقتصرت الاعمال "الابداعية" في العقد الاخير على قصيدة هنا وديوان هناك يوزع حصرا على أصدقاء الشاعر وغالبا ما يبقى مفهوم القصيدة محجوزا في أحشائه بعيدة عن الهم العام لنكتشف انها ثورة في الاحشاء ونذالة ووجهنة في العلن مع فقدان الناس جرأتهم في زمن استهلاك الحاجيات كما ذكرت واستهلاك الكلمات اذا استهلكوها أصلا .

البلاد مليئة بالحكايات, ولكل واحد عالمه وحكايته, والحكايات عند الحاجز لا تنتهي, وربما لا تنتهي الا بازالة الحاجز وقد لا تنتهي, لان الحكاية ستتحول الى نوستالجيا ليست مثلما كانت , والناس في بلادنا يحبون "صف الحكي" من باب "الفضفضة" عن حالهم , وقد يروي الواحد حكايته اكثر من مرَه لأكثر من شخص وجباية الحكايات وتحويلها إلى رواية ليست بالامر السهل وغالبا ما قرأنا روايات عربية تحاول ان تعكس الواقع وتصوره لكن المبالغة المصحوبه ببلاغة زائدة تجعلك تترك الراوي بين كلماته , لكن حكايات عزمي بشارة عن الناس رحلة ممتعة ومؤلمة، مضحكة وحزينة .

أمر ما يشدّك في رواية الحاجز , إنها رواية وليست خواطر اختارها استلهاما محض صدفة , وهي "مفككة" بأسلوب تمنح القارئ فرصة البداية من أي باب يختاره وفي كل باب من الرواية يلتقي بطلها , والبطل ليس فقط مكان او زمان , انه معشش ايضا في النفوس ويترك أثره عليها .

"الحاجز" الذي يشظّي المكان والناس اضافة الى "مقتهم" , والحاجز عند عزمي بشارة لا يقتصر على ذلك الحاجز بين الطرقات فحسب , انه موجود في كل مكان , في الجسر والمطار وحضور الجنازة والزفاف وفي الطرق الالتفافية وعند شاطئ البحر . انه الواقع المر الذي يهين الناس والزمن . فماذا يعني ان تمنع من ممارسة طقوس الحياة وأن تختار شريكتك دون حواجز , حتى الوداع الاخير يحجزه الحاجز .

يكتب عزمي بشارة بلغة أخرى لا يعرفها الذي تعوّد على مقاله السياسي او الفلسفي وإن كنا لمسنا هذا الاسلوب في مقطوعات من مقالاته , إنه يروي همومه بدءا من الحاجز "المحسوم" بالعبرية الدارجة بلغة اهلنا سكان بلاد الحواجز أو "المحثوم" كما تسميه ابنته "وجد" ليغوص بالهم العام الذي يخلفه الحاجز ولينهي روايته بحديث طفولي بين ابنيه وجد وعمر عن "شارون" او "شالون" بلغة ابنه عمر . وسننتظر روايته القادمة "ظل الحاجز"، ربما سيفتح الرواية بالحديث عن عمر مثلما كانت "وجد" فاتحة روايته هذه .

برغم متابعتي وانحيازي الشديد لكتابات عزمي بشارة , ولأنني اعتبر نفسي قارئا ولست ناقدا متخصصا في نقد الرواية ومبناها , يحق لي لفت انتباه القارئ أو الناقد إلى أن "الحاجز" شظّى الرواية وفككها , ولو راجعنا فصولها او مشاهدها وفق قراءة سيستماتية نكتشف أننا أمام رواية سياسية مباشرة وبدون رموز تروي حقبة وحالة يعيشها شخوصها .

بعد "النهضة المعاقة" يثبت عزمي بشارة في روايته الجديدة أن المثقف هو منتج الثقافة , وأنه صاحب قدرة فائقة على الابداع والتجديد .