الهوية - ازمة الحداثة والوعي التقليدي/ تأليف حليم بركات

الهوية - ازمة الحداثة والوعي التقليدي/ تأليف حليم بركات

مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور حليم بركات الروائي وعالم الاجتماع والذي عمل أستاذا في الجامعة الأميركية ببيروت وجامعة تكساس الأميركية، وقد أصدر من قبل مجموعة قصصية وست روايات فضلا عن عدة كتب في التحليل الاجتماعي والثقافي كان آخرها المجتمع العربي في القرن العشرين، الى جانب إصداره عدة مؤلفات باللغة الانجليزية.


ويأتي هذا الكتاب على غير النهج الذي عودنا عليه المؤلف حيث أنه عبارة عن مجموعة من المقالات المختارة في النقد الاجتماعي التي كان قد نشرها بين أواخر الخمسينيات ونهاية القرن العشرين.


أما عن سبب جمعه لهذه المقالات ونشرها في الوقت الحاضر فإنه يعود حسبما يذكر الدكتور حليم الى اهتمامه بحصول تحول جذري في الواقع العربي مما جعله يعيد النظر بكتاباته السابقة


ويدخل نوعا من محاسبة الذات في تطلعه المستقبلي، هذا إضافة الى ما يذهب اليه من استنتاجه أن العودة الى هذه الكتابات السابقة إنما يسجل بصدق وعفوية مراحل تطوره الفكري من خلال المساهمة في النقاش الدائر حول القضايا التي شغلتنا في النصف الثاني من القرن العشرين.


من مجمل استعراضه لقضايا واقعنا العربي على مدى العقود الخمسة الماضية فإن الدكتور حليم ينتهي الى أن الأزمة التي نعاني منها قبل غيرها هي أزمة منهج في التفكير معتبرا انه اذا كان لمقالاته التحليلية النقدية ثقافية كانت أم اجتماعية من أهمية فإنها واحدة من المساهمات الفكرية باتجاه العمل على التغلب على الأزمات التي يعاني منها المجتمع، وأنه من هذا المنظور يمكن أن يعتبر الصراع في كافة جوانبه لن يتوقف


ولابد أن يتخذ أشكالا جديدة كي نخرج من حالة العجز التي نعيشها ونعايشها كما لو كانت جزءا من حياتنا اليومية، وبذلك فقط يكون معنى لنهاية قرن وبدء قرن جديد.. مؤكدا أن قرنا جديدا قد بدأ بالفعل فيما لم نبدأ نحن!صنف الكاتب مؤلفه الى أربعة أقسام تناول في الأول منها موضوعات تتعلق بالمجتمع اللبناني والمستقبل مركزا على جوانب التفسخ الطائفي والإندماج الاجتماعي وكون لبنان مجتمعا فسيفسائيا أم تعدديا،


وضمن القسم الثاني مقالات تعالج مسائل الإغتراب والثورة والمجتمع المدني فيما يركز القسم الثالث على تحليل واقع التحولات الاجتماعية بما فيها مسائل التنمية والتغيير التجاوزي ودور المثقف المبدع في هذا المجال، الى جانب إشكالية علاقة العرب مع الحداثة.


أما القسم الرابع والأخير فيتضمن مقالات تتعلق بمعالجة قضايا اجتماعية كمشكلة تحرير المرأة العربية وعلاقة الدين بالسلطة والطبقات الاجتماعية ومسألة هجرة الأدمغة العربية كظاهرة اجتماعية ودور النزاعات العرقية في إلغاء الوطن والإنسان معا وأزمة التفكك الداخلي في ظل النظام العالمي الواحد.


في تناوله للمجتمع اللبناني من خلال دراسة نشرت في العدد الاول من مجلة «مواقف» عام 1968 فإنه يذهب الى أنه إزاء التنوع الكبير الذي يسم هذا المجتمع فإن الإنصهار ليس هو الضروري معتبرا أن ما يجعل المجتمع اللبناني أقرب الى الفسيفسائية ليس عدم الإنصهار بل عدم التنوع الحر المبني على التفاهم حول مرتكزات جوهرية والحوار الحقيقي الصريح والولاء للكل، وهو هنا يرى أن الحل إنما يكمن في دولة قوية مفصولة عن الدين لا تسيطر عليها المؤسسات الاجتماعية الأخرى.


بعبارة أخرى يذهب الكاتب الى أن مستقبل لبنان لا يجوز أن يكون مرهونا بالطائفية والنظام الطائفي السياسي، فالهدف هو تجاوز الماهية الطائفية الى الماهية القومية فيكون التجمع على أسس جديدة.


في القسم الثاني حول الإغتراب والثورة والمجتمع المدني يقدم الكاتب دراسة حول معنى الإغتراب مشيرا الى أنه إنما يعني حالة عجز الإنسان في علاقاته مع الآخرين أو الجماعات أو المؤسسات أو المجتمع والنظام العام، ويستخدم المفهوم للإشارة الى حالة اللاانتماء وتهدم القيم والمعايير وغياب المعاني والغايات الكبرى.


وتطبيقا لهذا الفهم فإنه يقدم دراسة تطبيقية على مفهوم الإغتراب على المستوى اللبناني تصف جانباً من جوانب العلاقة بين المواطن والدولة في لبنان منتهيا الى أن اللبناني يعد مغتربا سياسيا في بلاده مشبها إياه بالواقف في الماء ولا يرتوي وكمن فوقه شجرة ولا يطال ثمارها، مع ضرورة ملاحظة أن الدراسة التي يقدمها الكاتب في هذا الخصوص إنما أعدها سنة 1968 قد لا تكون حدثت تغيرات في جوهر العلاقة بما يجعل من مقولة الكاتب تظل صحيحة غير أن هذه النقطة تظل جديرة بالأخذ في الاعتبار.


ومن المستوى اللبناني ينتقل الكاتب الى المستوى العربي متناولاً قضية الاغتراب والثورة في الحياة العربية وهو عنوان دراسة نشرت في مجلة «مواقف» صيف 1969 وفيها يسعى المؤلف الى وصف وجه مهم من وجوه العلاقات بين المواطن والدولة في البلدان العربية وربط ذلك باحتمالات التغير الثوري من خلال البحث عن مدى اتصاف العلاقات بين المواطنين والدولة والمؤسسات الاجتماعية الاخرى بالإنسجام والقبول والتعاون أو بالنفور والرفض والمقاطعة والثورة.


ومن خلال الدراسة ينتهي الى أن العربي المعاصر مغترب على الصعيد المجتمعي ولكن عوامل عدة تمنعه من تفهم وضعه وتخفف من حدة اغترابه على الصعيد النفسي الشعوري مما يجعله يختار الإنسحاب والرضوخ بدلا من الثورة،


فالعربي حسب بركات ليس ثائرا لأنه ليس مغتربا حقا فهو لم يرفض بعد القيم والإتجاهات والأنماط السائدة في المجتمع العربي إنه عاجز وقد لا يشعر بذلك تجاه الخارج والداخل، فالمؤسسات الاجتماعية كالدولة والدين والعائلة والمدرسة وغيرها مستقلة عنه ومتعالية عليه ومسيطرة على مصيره ومضادة لحريته فلا تفسح له مجال الإشتراك في القرارات والأحداث الكبرى التي تقرر مصيره،


وعلى هذا فهو مكبوت ومضغوط ومصهور في قوالب هذه المؤسسات. وفي القسم الثالث حول التحولات الإجتماعية يحاول رسم إطار عام لعملية التغيير في المجتمع العربي من خلال طرح ثلاثة أنواع من الأسئلة والإجابة عنها وهي لماذا نريد التغيير وباتجاه أي أهداف؟


كيف تتم عملية التغيير وأين تبدأ كي تتحقق الأهداف المرجوة؟ ما هي العوالم الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تعوق عملية التغيير في المجتمع العربي؟ في مجمل اجابته يذهب الى أنه لا بد من تغيير تحولي في المجتمع العربي يبدأ بنسف البنى الاجتماعية الاقتصادية السياسية السائدة يرافق ذلك وينتج منه تحول في الثقافة العامة والاتجاهات القيمية وأنماط التفكير ويقتضي ذلك حسبه قيام حركة ثورية اجتماعية سياسية تستولي على الحكم


وتعمل بالدرجة الاولى على زحزحة الروابط والولاءات التقليدية بوضع حد لسيطرة المؤسسات التقليدية وخصوصا العائلية والدينية منها واستبدالها بولاءات وطنية وطبقية. وموليا أهمية خاصة للمثقف العربي فإنه يركز في إحدى دراساته في هذا القسم على دور المبدع والمثقف العربي في التحديث الاجتماعي وتشكيل الوعي الثقافي من منظور علم الاجتماع وفي سياقه التاريخي الحديث أو في ضوء التجارب التي مر بها المجتمع العربي خلال القرن الماضي وما يواجه من تحديات القرن الواحد والعشرين.


من هذا التناول ينتقل الكاتب وفي السياق ذاته الى استعراض إشكالية العرب بالحداثة مشيرا الى أن علاقة العرب بالحداثة منذ بداياتها الأولى تحولت في مطلع القرن التاسع عشر الى إشكالية في المنهج والرؤية لاسباب جوهرية تتعلق في أساسها بالعلاقة التصادمية مع الغرب الصناعي.


وهو يري أن الإشكالية ستظل قائمة طالما بقي تصرفنا أقرب ما يكون الى ردات الفعل الآلية من خلال علاقات التبعية مع الغرب، مؤكدا على أننا سنظل نعاني من الإهتزار في الرؤية طالما نحصر البدائل المتوفرة لدينا في بديلين لا غير: بديل تقليد الغرب واتخاذه نموذجا لحياتنا ومستقبلنا وبديل التمسك بالتقاليد الموروثة والقول بالقطيعة والعزلة،


وعلى هذا فإن التغلب على هذه الإشكالية إنما يكون بالتفاعل الحضاري الحر المتكافئ في إطار المواجهة والدخول في صراع مع الغرب مؤكدا على أنه لا يجد حلولا لمشاكلنا ـ بما فيها التبعية ـ بالقطيعة كما لا يجدها بتقليد الغرب..


فحسب رأيه أن الحل العربي الممكن يكون بالإنطلاق من منهج الفكر النقدي الذي يسلك طريق المواجهة والصراع مع الذات والآخر. في القسم الرابع وتحت عنوان قضايا اجتماعية


ويركز بشكل رئيسي على قضية المرأة مشيرا الى أن قهر المرأة في المجتمع العربي إنما يعد أمرا مرتبطا بمسألة النظام العام بما في ذلك مسألة القهر القومي ومسألة القهر الطبقي، مشيرا الى أنه كما تستلزم هاتان المسألتان قيام وعي تحرري والانتظام في حركة سياسية شعبية تعمل في سبيل إقامة نظام جديد كذلك تستلزم مسألة تحرير المرأة حسبما يرى قيام وعي جديد والإنخراط في حركة ثورية شاملة.


وهنا فإنه يرى ضرورة وضع سياسة استراتيجية شاملة لعملية التغيير الاجتماعي والثقافي ومنها مسألة تحرير المرأة من قبل الحركات الاجتماعية والمنظمات والأحزاب السياسية وبإشراك الرجل والمرأة معا في عملية التغيير.


وفي إطار القسم الأخير يقدم الدكتور بركات دراسة حول الدين والطبقات الإجتماعية: أدوات التسويغ والتجاوز ويعرض خلالها الى ما يشبه الإجماع من أن الدين يشكل العامل الأهم في تقرير السلوك الإنساني في المجتمع العربي وسائر مجتمعات الشرق الأوسط، ويخلص من ذلك الى الميل الى استخدام الدين كأدوات سيطرة وتحريض ومصالحة تؤدي في الحل الأخير الى ترسيخ الواقع رغم نزعة التحريض القوية.


وعلى هذا يتساءل عما اذا كان يمكن للحركات الدينية أن تنجح حيث فشلت الحركات الأخرى حتى الآن في إحداث النهضة التي يصارع العربي في سبيل تحقيقها من ما يزيد على قرن ونصف، بكلام آخر: هل يمكن أن تشكل الحركات الدينية بأوضاعها وممارساتها الحالية في المجتمع العربي حركة تغيير جذري شامل فتهد الأنظمة القائمة وتقيم مكانها نظاما جديدا يحل محل المشاكل الأساسية التي تستدعي مثل هذا التغيير؟


بعد تحليل ينتهي الى أن هذه الحركات لا يمكن أن تشكل حركة ثورية نتجاوز بها هذا الواقع الذي نكافح في سبيل تجاوزه وخصوصا فيما يتعلق بتجاوز الفروقات الطبقية.


وفي ختام الكتاب يقدم لنا الدكتور حليم بركات دراسة حول زمن التفكك الداخلي في ظل النظام العالمي الواحد مؤكدا أننا نعيش زمناً موحشاً حقا حيث ينشأ في العالم نظام واحد تسيطر عليه قوة لا تضاهى تفرض إرادتها وتخطط لمستقبل لا تنازعها فيه أية قوة أخرى وفي فرضها لإرادتها وتخطيطها للمستقبل تنطلق هذه القوة من قاعدة مصلحتها القومية ونظرتها للأمور والحياة من زاوية السوق التجارية الحرة فحسب.


مضيفا أنه من المفارقات أنه في ظل الزمن الذي تحول فيه العالم الى قرية صغيرة يشهد الإنسان الحديث نزوعا نحو التفكك الاجتماعي داخل مختلف بلدان العالم، يحدث هذا في بلدان العالم الثالث كما في أوروبا وأميركا وفي ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق. وفي تفسيره لهذه الحالة يقدم مجموعة من الإجابات يرى أنه طالما ظلت أجواؤها فإنه من المتوقع أن يزداد التفكك الداخلي وأن تحدث تفجيرات اجتماعية تتخذ أشكالا يستحيل التنبؤ بها.


مصطفى عبد الرازق


الكتاب: الهوية


أزمة الحداثة والوعي التقليدي


الناشر: رياض الريس للنشر والكتب ـ بيروت 2004


الصفحات: 367 صفحة من القطع الكبير

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018