"بوح " للشاعر السعودي محمد الجلواح

"بوح " للشاعر السعودي محمد الجلواح

ديوان شعري للأديب الشاعر السعودي محمد الجلواح الظريف الظل تجول ومازال في أفياء الصحف والمجلات والمنتديات، وقد خلف بصمات نتاجاته الأدبية الموشحة بخفة الدم، والحضور الممتع، والشفافية الواضحة في مختلف مقالاته وقصائده.

أما ديوانه (بوح) الذي بين يدينا فقد رفل عباءة الفراهيدي وشال السياب، ونثر بعض الأبيات الخاصة في عالم الطفل والطفولة، وإن كان الديوان للكبار، فقد آثر الشاعرأن يضيف للقارئ نكهة المطالعة، وتعدّد المسارات في فضاء الإبداع ليفرد لنفسه خصوصية تسم رؤيته بحالة تميز وتفرد يجعلانه يضع لمفردات قاموسه بما يعرف بقاموس (الجلواح) ومما لا شك فيه ان هذه الميزة لاتأتي إلا من خلال أرضية ثقافية راسخة فالشاعر في قصيدته (الوطن) يضفي على محبة الوطن تعلقه وهيامه وكلفه به مهما تعددت الفصول واختلفت أجواء الطبيعة، فالوطن هو الصدر الحنون والمسكن الدافئ والأرض الطاهرة المكرمة: ‏

أحب شتاءك المجنون ‏

طاب الطقس والزمن ‏

وصيفك في حرارته ‏

وإن لم يؤوني سكن ‏

وبحر فوق زرقته ‏

يرف الموج والسفن ‏

فيا ارضا مكرمة ‏

لها كم يرخص الثمن ‏

منحت العين بهجتها ‏

فشكرا أيها الوطن ‏


وتنساب المفردات سلسة عذبة رقيقة رشيقة في قصيدته " أغنيات للأطفال " حيث المعاني ملتصقة بعالم الطفولة البريء التي تسبغ. على النص ذكريات تحمل خصوصية هذه الفترة وهذا العمر الغض: ‏

تفاحة لذيذة ‏

ووردة جميلة ‏

ودمية ياحسنها ‏

سميتها (دليلة) ‏

ووجه حب باسم ‏

كأنه خميلة ‏

اشياء ما أجملها ‏

في روضة الطفولة ‏


ويتألق الشاعر محمد الجلواح في قصيدته «الى ارملة» حيث يرسم شريطاً مأساوياً وهو يتناول تفاصيل دقيقة في شخصية البطلة ويجسد المعاني النبيلة السامية في سلوكها وتفانيها في عملها، ولكنه بدلاً من ان «يكحلها عماها» بقوله: من قال ان الحب يبقى في وفاء الأرملة. ‏

كان بودي ان يطلع الجلواح على كثير من النساء فقدن أزواجهن ومع ذلك كان الوفاء مقترناً بحياتهن عكس الرجل الأرمل الذي سرعان مايتلون ويخضع للنزوات وما أكثرها، ومن يقرأ سيرة الأرملة زوجة «السياب» سوف يكن لها ولأمثالها المزيد المزيد من التقدير والاحترام، ولا نريد ايضاً ان نغمط الشاعر حقه في تصوير صادق لبعض المراحل التي تمر بها الأرملة، حيث أحسن وأجاد بقوله: ‏

في الوجه جيش من هموم الليل حطت نازله ‏

وكنت في تربية النشء رؤوماً كامله ‏

ومزن خير هاطل كقمح السنبلة ‏

إن دراسة «الى أرملة» تحتاج الى دراسة مستقلة أوقعت الشاعر في تباين وتناقض وغلبت نزعة الجسد على صفاء الروح وتعتبر مثل هذه المسألة شهادة ليست لصالحه إنما ضده، ولا حاجة لتذكير الأخ (الجلواح) بما يحتوي التراث العربي من درر مشعة في فضاء الإنسانية. ‏

ويحلق الشاعر في قصيدته «الطفولة الباقية» حيث تنهمر الدموع على سطور قصيدته معلناً فضل أمه عليه، ولعمري إن الشاعر تجيش عواطفه النبيلة السامية في تناوله للركن الأساسي في حياة الأسرة والمجتمعات، وإضفاء لمسة الوفاء لها والإعلان المباشر عن حبه لها، وتصوير طهرها ونقائها واسترخاصها كل الجهود من اجل بنيها لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الجنة تحت اقدام الأمهات». ‏

فشاعرنا يعدد مناقب الراحلة وسجاياها التليدة، وخصالها الحميدة يقول: ‏

أنا إن بكيت فالبكاء مطيتي ‏

نحو السلو، وكيف يسلو الثاكل ‏

‏وإذا بكيتك فالدموع تحثني ‏

نحو المزيد وقلما هي.. تهمل ‏

أمي حبيبة ناظري ومأمني ‏

من كل خطب، والخطوب ثواقل ‏

نامت عيونك بعد طيب تلاوة ‏

للذكر تصدح في الديار وتشعل ‏

ورحلت مؤمنة مصدقة بمن ‏

ترجى شفاعته ويعطى السائل ‏


وعلى ما يبدو ان التاريخ يعيد نفسه على طريقة الشعراء العرب الذين تأسرهم عيون النساء وتصرعهم، وذلك ليس بغريب فالمتعمق في تراث الشعر العربي يرى مثل هذه الظاهرة التي ما زالت تتكرر في قصائد الشعراء حين يرد وصف ( العين في ابداعاتهم) ولا يمكن لنا ان نصادر مثل هذه العاطفة التي تسيطر على شغاف قلوب الرجال، فالشاعر محمد الجلواح في قصيدته (كيف النجاة) يقرمن عنوان القصيدة بأنه لا محال قد أغرق في عيون من قصدها بقوله: ‏

سألتني برقة وفتون ‏

واستمالات رقصةٍ كالغصونِ ‏

وعلى خدها تبسم وردٌ ‏

افتديه بكل شيء ثمين ‏

سألتني عن السيوف وقالت ‏

هل يؤدي صليلها للمنون ‏

قلت يا حلوتي ويا شمس عمري ‏

كيف ينجو من كان رهن العيون ‏

هكذا كنا نستنشق عبير (بوح) محمد الجلواح الذي تجاوز الآفاق بصدى شعره معربا عما تكن به نفسه من مشاعر وأحاسيس بمن حوله، وبذلك يكون الشعر ترجمانا للنفس، أمينا على نقل العواطف وتجسيدها في حالة يتماوج فيها منطق العقل وخيال العاطفة. ‏ ( المصدر : تشرين )

الديوان: بوح ‏

الشاعر: محمد الجلواح ‏

إصدارات:نادي المنطقة الشرقية الأدبي­ السعودية عام 1424هـ 2003م‏