"عصفور الشمس": المرأة، الواقع، الأسطورة، النكبة / رشاد أبو شاور

"عصفور الشمس": المرأة، الواقع، الأسطورة، النكبة / رشاد أبو شاور

ينتمي فاروق وادي لجيل الستينات في الأدب الفلسطيني، فهو بدأ بنشر قصصه القصيرة في صحيفة ( الجهاد ) المقدسيّة في منتصف الستينات، وبعد هزيمة حزيران 67، نشط في نشر قصصه القصيرة على صفحات مجلّة ( الآداب) البيروتيّة، ومجلاّت وصحف عربيّة، وصحافة المقاومة الفلسطينيّة التي ازدهرت بعد انطلاقة ( المقاومة) إثر هزيمة حزيران67. رغم بدايته المبكّرة، فإن فاروق وادي مقّل، فهو نشر مجموعة قصصية واحدة ( المنفى يا حبيبتي )، وروايتين هما: ( طريق إلى البحر ) و(رائحة الصيف )، وكتاباً نثرياً بعنوان ( منازل القلب ) بعد أن أتيحت له زيارة ( رام الله) مدينة ذكرياته، وطفولته، ليقدّم في صفحاته سيرة علاقة الروح بالمكان الأوّل الذي لا ينسى، ولا يعوّض...

كتاب فاروق وادي النقدي ( ثلاث علامات في الرواية الفلسطينيّة ) اعتبر مرجعاً لقراءة نتاج: غسّان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، إميل حبيبي...

لفاروق وادي حضور صحفي بارز، فهو عندي، أحد أهّم كتّاب الزاوية الصحفيّة، أو العمود الصحفي، الذي يمزج بين وجهة النظر في السياسة، والقضايا الوطنية والقومية والإنسانيّة، بلغة رفيعة، وبمعالجة تنحاز لكّل ما هو عادل، وفي المقدمة: فلسطين، وحريّة الإنسان العربي، وهما يتداخلان...

بعد سنوات على نشره لروايته ( رائحة الصيف)، يطّل فاروق وادي على قرّائه بروايته الجديدة ( عصفور الشمس)، وهي رواية قصيرة تقع في 139 صفحة من الحجم المتوسّط، بفصول بلغت خمسة عشر فصلاً.
عصفور الشمس بحسب توضيح وادي في المدخل: عصفور الشمس الفلسطيني صغير الحجم، يتميّز بريشه الملوّن بألوان الطّيف الزاهية، وهو أكثر الطيور تعبيراً عن خصوصيّة الطبيعة الفلسطينيّة، وقد اكتشف هذا العصفور في فلسطين.

ما يضيفه وادي بعدئذ عن عصفور الشمس الفلسطيني هو من قبيل تزويد القارئ بمعلومات تفصيليّة عن ذلك العصفور الفلسطيني، وملامحه، وأسلوب عيشه.

في رواية عصفور الشمس، نلتقي بشخصيات: رهيفة، ثريا، بنورة، سلمان، محفوظ، شوقي، جمعة، مسعود...
المكان فلسطين، ومكان الحدث بالضبط هي قرية ( ما)، وفي هذا مكر من الروائي، فهو يمّد الحدث، ولا يقصره على مكان ضيّق، لأنه يريد أن يوحي بأن علاقات هذه الشخصيات، ومصائرها المأساوية، تتداخل مع مصير وطنها بكامله: فلسطين..

يكتب فاروق وادي نصّه الروائي بلغة شاعريّة، تراجيديّة، وبها ينجو من ثقل وبطء السرد الواقعي الذي يمكن أن يتسبّب بملل القارئ، وانفضاضه عن متابعة القراءة.

وهو كقّاص، وروائي، وكاتب زاوية في كلمات محدودة، وكرسّام هاو يشتغل بالألوان، ويعرف ما هو ( التكوين ) و( الإيقاع)، والتدرّج اللوني، وكونه من المولعين ( بالسينما)، فإنه يقدّم نصّه ( دفعة واحدة ) في فصول قصيرة، وكي لا يقع في الرتابة، فإنه يلوّن وينوّع أسلوبه، فهو ينتقل من السرد الشاعري إلى السرد الواقعي برشاقة، بجمل سريعة، بالإيماء، وبالوصف الذي يشبه ضربات الريشة التي توحي ولا تثقل، كتابة مقاطع لا جمل فيها، مقاطع تتداخل فيها الكلمات، وتتواصل في سيولة يتقاطع فيها الشخصي الخّاص بالعّام، بلغة متوتّرة مشحونة صادمة في بعض مفاصلها، تعبّر عن قلق، وتوتّر، وخصوصية مشاعر الشخصيات كما في فصل زيارة القدس، حيث نرى تلك المدينة الخالدة من خلال انعكاس تأثير مهابتها على نفوس: سلمان ( الأب )، ورهيفة ( البنت ) وبنوّرة زوجة الأب...

رهيفة عصفور الشمس الفلسطيني:

رهيفة الفتاة الفلسطينيّة الفائقة الجمال ماتت أمّها وتركتها بعد ولادتها مع ثلاثة أخوة أكبر منها، فاحتضنتها جدّتها ثريا التي نتعرّف بها من خلال سيرة مدهشة، فهي جاءت من قرية تركيّة قريبة من إسطنبول، أصولها من المغرب،عشقت حسّاناً الفتى الفلسطيني وتزوّجت منه. جاء بها إلى فلسطين، وهي كائن ممتلئ شفّاف نوراني _ الأسماء لم تأت تلقائيا_ فرهيفة شديدة الرهافة نفساً وحضوراً، وثريا الجدّة هي من عالم أثيري، رائية، متنبئة، عارفة _ كأنها متصوّفة، صلبة كالألماس. تورث حفيدتها ( مرآة) نادرة، بها ترى جمالها وتصونه، توصيها بأن لا تخاف الموت، هذه الوصيّة التي تمنح رهيفة قدرة خارقة في ختام مصيرها المأساوي...

مسعود نقيض رهيفة:

نقيض رهيفة هو مسعود، الشخص القردي التكوين، ابن سمسار بيع الأراضي لليهود، الذي لفرط قبحه نفرت منه أمّه، وأبت أن ترضعه. وهزأت بها وبأمّه نسوة القرية، فنشأ عدوانيّا، واعتبره أهالي القرية نقمة على والده السمسّار، وعاراً مقيما وعقاباً على بيعه الأرض، والإثراء من ( الخيانة) والتعامل مع اليهود الغزاة...

شخصيتان ترتطمان ببعضهما، تتميّز إحداهما بالشهوانية والأنانيّة واعتبار المال وسيلة لشراء وامتلاك كل شئ، والشخصية الثانية شفافة، محبّة، جميلة جسداً وروحاً، شخصية ترغب في العيش براحة بال وهناءة. وشخصية كارهة، حقودة، ملطخّة بسيرة حياة مقزِّزة. وحول الشخصيتين شخصيّات تابعة، تسهّل عملية الارتطام بين الشخصيتين، وتجعل الارتطام الدموي المأساوي حتميّاً...

تبدأ الرواية بداية مثيرة: "وحدها عين الشمس، ومعها عيون الكلاب البّر، كانت ترى المشهد الغريب"...
رجل عار تماماً،مقيّد الرسغين، بحبل من مسد، يجري في الحقول هارباً من عريه...
المدخل المثير يأخذنا إلى جو الرواية، ومع اندماجنا لن يغيب عن بالنا (مكر) الروائي، فهو يستفيد من أسلوب القّص العربي في ( ألف ليلة وليلة ) فيلقي بالخيوط للتشويق، وجذب انتباه القارئ، فالفصول تتابع، والشخصيات تظهر في مجريات النّص الروائي، فنتعرّف بها، والروائي ( الحكّاء) يستدرجنا بجميل كلامه، وبراعة وصفه، ليحلّق بنا، وينسج خيوط مصائر الشخصيّات، وبين حدث وحدث يذكّرنا بلطف أن هذه الحكاية تجري وقائعها في فلسطين، وهكذا يتداخل الشخصي بالعّام...

في هذه الرواية يتداخل الواقع بالأسطورة، والشخصيات نفسها كما ثريا ورهيفة، تتكون من ما هو إنساني واقعي وما هو أسطوري، فوق واقعي.
( المرآة ) التي أورثتها الجدّة لحفيدتها باعتها زوجة الأب نكاية، وكان أن فقدت نظرها كأنما هي عقوبة إلهية على فعلتها الشنعاء الكيديّة، ولمن باعت ( المرآة) لشخص غامض، ملامحه توحي بأنه من ( الغزاة) القادمين من وراء البحر، وهو ينتبذ لنفسه مكاناً على التّل، تماماً كما هي ( الكبّانية ) أو ( المستعمرة )...

مشهد العري المتكرر، لرجال يركضون عراة وكلاب تنبح عليهم فاضحة عريهم، وهم في حالة هذيان وخزي، تكررت مع: شوقي، وجمعه وصابر، الشركاء في جريمة الزواج غير المتكافئ، القائم على الخديعة، الزواج النقيض للحّب...

يبدأ الفصل الرابع بنشيد استهلالي، هو أهجية لمسعود، وحكم عليه، وتنبيه للقارئ بأن يستعّد لرؤية الجهل، والقبح، والانحطاط، والخديعة:
"رجل قادم من أرض الظلمات
من أرض الشهوات الوحشيّة المشتعلة
أرض الرغبات المستعرة
رجل قادم من أي أرض، سوى أرض البشر"
من هو هذا الرجل، الذي هذه أوصافه ؟
نعرف شيئاً عنه بعد فروغنا من قراءة الفصل الرابع، إنه ( مسعود) القبيح، الذي تتقوّل النساء أن أمّه كانت تنام مع جنّي، وأنها حبلت منه، وهذا ليس ابناً لبشر، ليس ابناً لأبيه سمسار الأراضي، إنه العقاب والخزي والعار المقيم...

مسعود هذا الذي أورثه والده ثروته من السمسرة: "هو يريد، هذه المرّة، امرأةً بالغة الجمال تكون له وحده، لا يشاركه في جسدها أحد، فكّل اللواتي عرفهن حتى الآن، سواء نساء البيوت الخلفيّة في يافا، والذي يفضّل من بينهنّ الشقراوات القادمات عبر البحر في سفن الغرباء، أو نساء البيوت الخلفيّة في بيروت، كنّ جميعاً يشركن معه رجالاً عابرين في أجسادهنّ غير المهيّأة إلاّ للعبور".( ص38)

مسعود هذا رغم الثروة التي تركها له أبوه، رفضت بنات القرية الاقتران به، ولسان حالهن يقول: يا ميخذ القرد على ماله بكره بيروح المال وبيظّل القرد. رفضنه حتى لو كان يمتلك مال قارون، كما رددن جميعاً، لأن قبحه خارج أي احتمال...

ولمّا يئس خطر بباله أن يعمل بائعاً جوّالاً، وأوعز لابن عمّه شوقي أن يعمل مثله، وكذا لصديقيه التوأم صابر وجمعه..
في تجواله رأى ( رهيفة) فجّن بها، ونصب فخّه لامتلاكها، فهذه الفتاة ستكون له...

مسعود يعرف أن البنت لن تقبل به، ولذا يدبِّر خطّة لامتلاكها، فهو يدفع بابن عمّه ( شوقي) الوسيم للتقدّم لخطبة البنت، على إنه مسعود، يتّم إغراء الأب بالمال، الأب الفقير، الذي تزوّج بعد عشرة أعوام من موت زوجته الأولى، والذي فقدت زوجته الثانية الشّابة بنوّرة ضياء عينيها بعد أن باعت ( المرآة) للقادم الغريب...

هنا عقدة الرواية: الفتاة تقع في حب شوقي، وتوافق بلهفة على الزواج منه، وشوقي يقوم بدور المغوي، في حين يبيع سلمان الأب ابنته، وهي لا تدري عن هذه الخطّة الوضيعة التي يسهّل مرورها موت الجدّة ثريا...
ليلة الدخلة تكتشف رهيفة السّر عندما يقتحم عليها خلوتها ( مسعود): "عند منتصف الليل، كانت تجلس في غرفتها، وحيدة مع وساوسها وهمس الشجر،والقمر الأعمى،وهسهسة النسمات الخريفيّة،عندما انشقت الظلمة ودخل عليها مسعود فجأة،دون سابق إنذار أو توقّع، فأفزعها دخوله.
شهقت.

كان بياض أسنانه يلمع في الظلمة ليسبقه في الوصول. تقدّم منها. اقترب من سريرها رويداً رويداً، مسربلاً بالعتمة الداكنة، ورغم الظلام الدامس، أدركت رهيفة أن الرجل الذي يتقدّم منها ليس هو".
...
"فزعت رهيفة لمرأى رجل له بعض ملامح القرد، فأطلقت شهقة ً عارمة:
_ من أنت ؟ أين زوجي ؟
قال بلهجة تنّم عن انتصار:
_ أنا زوجك !
_ أين زوجي مسعود ؟
ضحك حتى بانت آخر أسنانه
أنا زوجك مسعود" ! ( ص 103-104)

لعبة البيع أتقنت، والتي شارك فيها مسعود وابن عمّه شوقي، والشاهدان جمعة وصابر، والأب، والمأذون، و..الأشقاء الذين أطلعهم الأب على الصفقة، فرضوا بها، وباعوا أختهم لقاء تقاسم الأب معهم الليرات الذهبيّة!

لم ترضخ رهيفة، بيتت خطّة الانتقام من كّل من أسهم في بيعها للقرد !
وكان أن بدأت بشوقي، ذلك الذي علقت به نفسها، وخفق له قلبها، وأدى دور ( الدوبلير) ليستدرجها بوسامته لتمكين مسعود القبيح شكلاً وخلقاً، مسعود الحقير، القبيح الروح والتكوين الجسدي، مسعود الغريزة والثراء..منها!...

لقد مارس شوقي خيانة مزدوجة: خيانة حبّها له،وخيانة شرع الله في الزواج الحلال...
ولأن الأمر لم يكن لعبة، ولأنه مصير امرأة جميلة، تمّت خيانتها، وبيعها كما لو أنها سلعة، ولأن ( رهيفة) ورثت من جدّتها ثريّا قوّة الروح وصلابتها، فقد انتقلت من تصفية الحساب مع ( الخونة) الخارجيين، غير الأقرباء: شوقي، جمعه، صابر و..مسعود الذي كان عقابه رهيباً، فهي لم تجرّده من ملابسه، و( تغتصب ) رجولته ممتطية إيّاه، ممتهنة رجولته البائسة، بل بترت إحليله وجعلت دمه يتدفّق مع صراخه الوحشي، تماماً كما فعل بها، والبادىء أظلم...

انتقلت رهيفة إلى الأب، والأشقاء، فأرسلت لهم تخبرهم بأنها فعلت كل ذلك الذي حيّر الناس في تلك الناحية، وأنها باتت تمنح جسدها لكل عابر طريق، وان ( شرفهم) ثلم، وما عليهم إلاّ القدوم إليها !...
وإذ حضروا، رأتهم وهم يمرّون قرب ( الكبّانية) _ التي لم تعد عدّة بيوت على التلّة، بل تضخّمت، وتمددت، ولكنهم لم يروا التهام الكبّانية للأرض الفلسطينيّة، فهم الذين باعوا الابنة والأخت، ينتفخون شرفاً، ويتقدّمون بخناجرهم...

أما رهيفة، فقد "كانت تراهم يهيئون دمها ليسقي التراب، ويغرق الأرض التي عليها تقف. كفكفت دموعها حتّى لا يحسبه القادمون خوفاً أو ندماً، ثمّ واصلت انهماكها في جمع الحطب، لتلقيه في الساحة أمام البيت، تجمعه انتظاراً لهم، لمجيئهم الذي بات يقترب، وأصبح اقرب إليها من حبل وريد مهيّأ للأنصال القادمة".

يتداخل مشهد الختام في الرواية، مشهد حرق رهيفة لنفسها وانبعاث عصفور النار من اللهب المتأجج، بمشهد بطولي لا تنساه الذاكرة الجمعية الفلسطينيّة: إعدام ثلاثة ابطال فلسطينيين: عطا الزير، فؤاد حجازي، محمد جمجوم، الذين أعدمتهم قوّات الاحتلال البريطاني عام 1929، والذين خلّد ساعاتهم الأخيرة شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان في قصيدته الملحميّة ( الثلاثاء الحمراء)، وما زالت تتردّد تلك الأهزوجة الشعبيّة الفاجعة في الأفواه...

في النهاية ينبثق عصفور الشمس من كومة الحطب المشتعل متوجهاً نحو الشمس...
لقد ضاعت فلسطين بالجهل، والخيانة والسمسرة، والخذلان، ولكن عصافيرها، على المشانق، أو على قمم الجبال، أو احتراقاً في النار _ الموت ولا المذّلة _ رفضاً ومقاومة للخنوع والقبول، وكما طائر الفينيق الكنعاني، تنبعث من النار والرماد لتملأ الفضاء سقسقة، وألوانا تكوّنت من خيوط شمس وطن لن تغيب شمسه، هي التي لا تشبه إلاّ نفسها، في مرآة هي لها، لإطلالتها الجميلة الجديرة بفضاء فلسطين وبهائها...

رواية صغيرة، مفعمة بالشاعرية، شخصيّاتها واقعيّة، والبطولة والحّب يتمازجان ويتداخلان، ومنهما تنبعث عصافير الأمل والفرح الآتي..أليس هذا المشهد، مشهد عصافير الشمس هو الذي نصحو وننام وهو في عيوننا، هناك في مدن القطاع الفلسطيني، ومدن وقرى ومخيمات فلسطين؟!


______________________________________________
* رواية "عصفور الشمس"، للروائي والقاص فاروق وادي، صدرت في العام 2006 عن منشورات المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر ـ بيروت.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018