بيت الموسيقى في شفا عمرو يحتفل بسنويته العاشرة

بيت الموسيقى في شفا عمرو يحتفل بسنويته العاشرة

في زحمه الهموم وضجيج إيقاعات العصر الصاخبة وتردي مستوى الإنتاج الثقافي والفني، لابد للفن الأصيل وان يقول كلمته، ولـ "بيت الموسيقى" كلمة ليست عابرة، ولدوره إلى جانب المؤسسات العربية الرائدة على قلتها، ربما رسالة، ونقطة إشعاع مضيئة في دهاليز قاتمة، وقد يكون فيها انبعاث لروح الميادين الإبداعية مقابل حالة الاجترار و الاستهلاكية القاتلة.

المعهد الذي تاسس عام 1999 على يد الأستاذ عامر نخلة وزملائه، وخرّج المئات من الطلاب، من بينهم العازفين المبدعين، لك أن تدخله باعتزاز عن طريق المصعد للدور الرابع في بناية عمر المختار بمدينة شفاعمرو، وقبله في الدور الثالث حيث تعمل إحدى العيادات الطبية، وكأن الأمر تم بتوصية أخصائيين، ممن يمنحون الثقل للعلاقة العضوية بين الروح والجسد، وبين العضوي والنفسي، فعالما الجسد والنفس يتقاطعان هناك، بل يتعانقان كتوأمين بمحض صدفة، وما أن تضع قدماك خارج المصعد لدخول المعهد ينتابك رعشة من الخشوع، بعيدة عن الشعوذة، وكأنك تدخل أحد المعابد البوذية النائية، رغم الصخب المهيمن خارج المكان، لكن"اليوغا " هناك من نوع آخر ،ولها طعم ومعنا آخر.
.. صالات كقطع من حدائق البهائيين تحتضن باقات من أطفال بعمر الورود، كالأقحوان والنرجس، و كل يحتضن آلته او يعانقها كدمية طفل ثمينة، او يسندها بين عنقه وكتفه الغض، وكأنه يجدل ضفيرة عشيقة غالبها النعاس، ويداعبها بأنامل رقيقة مسالمة لا تقوى على عنف وقسوة الحياة، فيثلجك المشهد، ويأسرك النغم، واللحن المنبعث من نبضات الطفولة، وكأنها أرواح الملائكة، و ترفرف بجناحيها الصغيرة على عوالم أكثر نقاء ووداعة، ويخيل لك انهم بإدراك او بغير، انما يحملون المستقبل ، ويحملون الرسائل مفعمة بأحلام العصافير، رسل صغيرة تستعين بأرواحها وبأناملها الرقيقة لتخاطب العالم بلغة مختلفة وبأبجديات أخرى، بما يناسب وداعتهم ، وليست بالقساوسة كما كتبوها لهم .. ولمؤسس ومدير المعهد الوحيد ربما في البلاد عامر نخلة كان لنا معه هذا اللقاء الحصري معه..
مجازفة وحلم يتحقق ..
عامر نخلة يعايش احلامه وواقعه في غمارعالم الأنغام والألحان منذ أن تخرج عام 1995 من الاكاديميا للموسيقى في مدينة القدس، ومنذ ذلك الحين لازمه تحدي تأسيس معهد للموسيقى الشرقية والذي تحقق عام1999، ليكون احد الجبهات الرافدة للحياة الثقافية والفنية، لكنه في سبيل ذلك كان عليه أن يخوض تحديات استثنائية، لاسيما وان موضوع الموسيقى ليس الأكثر شعبية ،وليس الأفضل من وجهة نظر ربحية على غرار ما يتمتع به الغناء وميادين اخرى.

وحول المجازفة يقول: كنت اعلم بأنني أخوض مجالا غير واضح ، وذلك لغياب الوعي المجتمعي لأهمية الموضوع كأحد أعمدة فنون المسرح، والتعامل معه كموضوع جانبي وهامشي، كما انه ليس الأفضل من حيث الجانب المعيشي أيضا ، لكنه القناعة والحلم، وربما في طياته الرسالة وطريق للمبتغى الروحي والإنساني معا ، ويأتي في ظل حياة قاتلة من الاستهلاك وتآكل للمعايير والقيم، وبهذا المعنى اعتقد بأنه يتجاوز الرغبة المجردة ، بقدر ما بات ضرورة تفرضها الحاجة الموضوعية في محاولة لاستعادة شيء من أنسنة علاقاتنا وسلوكنا، إن جاز التعبير. كما ان الفراغ الثقافي وقصور دور الأطر والمؤسسات المحلية ونقص الكوادر المهنية في المجال حسم الأمر لصالح هذا التحدي، ليتسنى للمواهب الشابة تعلم الموسيقى والمعرفة الموسيقية بشكل منظم ومهني ، وأنت تعلم كم من المواهب دفنت لغياب الوعي وغياب الأطر والكوادر المهنية، ونحن اليوم فخورون بتخريج المئات من الطلاب ومنهم أسماء شابة لمعت في عالم الموسيقى منهم عازف الكمان أكرم عبد الفتاح وغيره من العازفين الشباب الذين انطلقوا ويتحولون الى سفراء حضارة لشعبهم في العالم.
بلا مضامين وتبرير غير مبرر للوظائف..
ربما فيما يتمتع نخلة بآدابه وأخلاقيته كموسيقي مرهف، ينأى عن التطرق مباشرة لحال أداء مؤسساتنا المحلية ومضامين برامجها والغياب شبه التام لكوادرها المهنية لا سيما الموسيقية والفنية منها، بحيث أصبحت بغالبيتها مرافق تشغيل أكثر منها رسالة للانتاج ويقول:
الموضوع هو موضوع تراكمات، واعتقد أننا في المعهد نسير بالاتجاه ،علما أن ميدان الموسيقى لازال يتم التعامل معه في المدارس كموضوع هامشي، وفي حدوده الدنيا بالمراكز الثقافية والجماهيرية لكن هذ افي إطار سلة الخدمات التي يجب ان يقدمها الموظف للناس، بصفته موظف، مع غياب للأطر الملائمة والكوادر المهنية ومعلمين متخصصين، وبغالبيتها تنحى للترويح عن النفس والترفيه أكثر منها مهمة ثقافية تصنع وعيا موسيقيا وموسيقيين او حتى عازفين بدرجة اقل، وتبقى هذه إسهامات محدودة ان لم نقل في بعضها ضرر ولا تحدث التراكم المرجو، وفي هذا السياق نحن نعتز ان اعداد كبيرة من الطلاب تأهلت في بيت الموسيقى قبل الالتحاق بالجامعات .
ديكورللمنصات السياسية ..
بطبيعة الحال يفترض الفنان او الموسيقي انه عندما يتم تراجع للثقافة المجتمعية تكون عملية النهوض وإنعاش المناخ الثقافي منوطا بالمؤسسات ودور النخب الثقافية والسياسية كوكلاء تغيير، لاسيما وان الثقافة هي مجمل ميادينها، الا اذا تم تحييد ميادين الفن عنوة عن وعائها، فكم بالحري عندما تتعامل النخب وبعض المؤسسات مع الفرق الفنية بمنطق الاستخدام او كديكور لتسويق البرامج، وفي ذلك يستعرض لنا:
انا لم يحدث معي، لكني اعرف ان العديد من المؤسسات وبعض الأحزاب تتعامل مع الموسيقى والفرق الفنية كديكور في نشاطها للترويج لبرامجها، وكوسيلة استقطاب او كدعاية انتخابية احيانا ،وليس كمركب أساسي وأصيل في البنية الثقافية، واعتقد أن منطق الاستخدام هذا فيه إساءة واهاة ،اذ لايجوز التعامل مع قيم فنية رفيعة مجرد ديكور لتسويق فئة او مؤسسة او فرد ما ، وربما هذا ما يفسر غالبا انعدام ثقافة الإصغاء في غالبية تلك الاماكن، وبما ان الموسيقى تربي عملية الإصغاء والإصغاء للآخر وتقبله ،وتجمع على مبدأ الاحترام والاعتبار للآخر عن طريق الذبذبات والتناغم والإشارات ، وبما يسهم في تربية الأذواق وتنمية الحس الإنساني والجمالي،باعتقادي يصبح من الضروري ايلاء الموضوع ما يستحق كمركب أصيل لتحقيق الغاية المرجوة.
انكشاف على الاخر وحوارات حضارية..

قيل اذا اردت ان تتعرف على شعب، تعرف على موسيقاه ،فهي لغة عالمية وآداة الحوار الاكثر حضارية بين الشعوب وهل لبيت الموسيقى رغم مسيرته القصيرة نسبيا لغته وحواراته الحضارية، وفي ذلك يقول:
الى جانب موضوع العزف نشحن الطالب بثقافة موسيقية عامة لصقل هويته الموسيقية وتحفيزه على الاستمرار من خلال تنظيم عروض وكشفه على أنماط موسيقية متنوعة الشرقية منها والغربية وهذا الانكشاف لم يكن سابقا ،هذا الى جانب تثبيت مهرجان بيت الموسيقى بتقديم خمسة الى ثمانية عروض سنويا ، واستضافة عدد من الموسيقيين المحليين والعالميين منهم سيمون شاهين "وسليمان ارغونير" وفرقة الجاز العالمية والعديد من الفرق المماثلة، ويأتي هذا كترجمة للغة الموسيقى بصفتها لغة عالمية ونحن نعمل على الدوام لتوسيع هذا الانفتاح وتطوير هذه اللغة بما يليق فينا.
بين الابداع الفردي والأداء الجماعي
عامر نخلة لم ينهي حديثه قبل ان يوازن موضوعية ملاحظاته النقدية ببعض الإطلالات المشرقة في ميدان الفنون وغيره في أوساط عرب الداخل، وبالالتفات للوجه الآخر ويشير للفجوة بين الإبداعات الفردية والأداء الجماعي بالقول:
في وقت نطرح فيه ملاحظاتنا النقدية يكون من الإجحاف ان لا نرى الزوايا المضيئة في الميادين الإبداعية المختلفة لدينا، فهناك أعداد وأسماء لامعة من الموسيقيين والمثقفين والسياسيين والباحثين المبدعين، وفي مختلف المجالات ممن اثبتوا حضورهم بجدارة، وهذا يكتسب أهمية اكبر عندما نلتفت للخصوصية وانعدام الرعاية وشح الموارد التي نعانيها في هذه البلاد، الأمر الذي يجب ان يفرض باعتقادي روح خاصة من التعاون والتبادل وتطوير الابداعات الفردية الى أداء جماعي موازي والسير باتجاه التكامل لتحويل الفن بعلاقاته مع الميادين الاخرى الى اداة ناجعة ومؤثرة اكثر في صياغة ثقافة مجتمعية تعكس صورة حضارية متقدمة بما يليق بنا وبوضعيتنا ،وربما كاكثر الاقليات مسالمة.
معهد بيت الموسيقى:
مساحة بيت الموسيقى 500م
يحتوي على 14 غرفة معدة للتعليم الفردي والجماعي
ويحتوي على فرع للموسيقى الشرقية واخر للغربية .
الى جانب 7 فرق وقاعة للطلاب لاكسابهم مهارة العزف الجماعي
وقاعة للكونسرتات ومكتبة موسيقية قيد التجهيز. ويعمل في المعهد 30استاذ للموسيقى من خيرة الموسيقيين
.......