اعمال ادبية مشتركة بين غسان كنفاني وناجي العلي

اعمال ادبية مشتركة بين غسان كنفاني وناجي العلي

هل هناك عمل أو مجموعة أعمال أدبية وفنية, جمعت بين المبدعين الفلسطينيين غسان كنفاني وناجي العلي, وهل اشتركا معاً, كل في مجاله, في تنفيذها ونشرها وايصالها الى القراء في مرحلة زمنية معينة؟

هناك اجماع لدى المتابعين والمهتمين على ان الكاتب الراحل غسان كنفاني, الذي كان من أبرز الكتاب الروائيين والقصصيين الفلسطينيين في نهاية خمسينات القرن الماضي وحتى أوائل سبعيناته, كان من أوائل الذين أظهر موهبة ناجي العلي الفنية, أحد أبرز رسامي الكاريكاتير العرب منذ الستينات, ونشر له في مجلة "الحرية" اللبنانية أربع لوحات في 25/9/1961 كانت هي اللوحات الأولى التي تنشر لناجي, وأشهرها اللوحة التي تبرز فيها شعلة التمرد والثورة ممسوكة بيد قوية مصممة بعدما مزقت سقف خيمة التشريد والنكبة.


ناجي العلي.
لقد كشف ناجي العلي في مقابلات صحافية واقعة زيارة غسان كنفاني لمخيم عين الحلوة ولقاءه به, واختيار الأخير أربع لوحات له نشرها بعد ذلك في مجلة "الحرية" وأرفقها بمقالة له عن ناجي, واللوحات تحت عنوان "ينتظر ان نأتي" جاء فيها: "ان الحدة التي تتسم بها خطوطه, وان قساوة اللون الراعبة, وان الانصباب في موضوع معين يدلل على ما يجيش في صدره بشكل أكثر من كاف".

هل هذا هو الأثر الفني الوحيد الذي جمع بين الشهيدين؟ (مضت 32 سنة على استشهاد كنفاني, و17 سنة على استشهاد العلي)

أثناء البحث في المجلات والصحف الكويتية الصادرة في خمسـيـنات وستينات القرن الماضي عن بعض الأعمال التي نشـرها غســان كنفاني في مطبوعات تلك المرحلة ولم تنشر ضمن أعماله الكاملة (سافر من دمشق الى الكويت في 12/9/1955, واستمر فيـها مدرساً في مدارسها وعاملاً في صحافتها حتى 29/9/1960), وجدت خمس قصص قصيرة ورواية طويلة, من بينها قصة مترجمة عن الفرنسية بعنوان "السارق" نشرت في مجلة "الرائد" الكويتية في شهر حزيران (يونيو) عام 1953.

حينها لم يكن كنفاني قد سافر الى الكويت بعد, وكان عمره نحو 16 سنة, وما زال في دمشق يتابع دراسته فيها. فكان من المستـغرب حينها ان يترجم غسان قصة عن الفرنسية و"بتصرف" حسب ما ذُكر مع القصة المنشورة, لأن لغته الأجنبية الأساسية كانت الانكليزية لا الفرنسية. ولكن هذ الاستغراب يجد جواباً في كتاب "صفحات كانت مطوية" لعدنان كنفاني شقيق غسان, الصادر في دمشق عام 2000, وهو يسجل جوانب من سيرة حياة غسان وعائلته, خصوصاً في مرحلتي الطفولة والصبا. وجاء فيه: "وما ان أتم غسان عامه الثاني, حتى أدخل الى روضة الأستاذ وديع سري في يافا حيث بدأ يتعلم اللغتين الانكليزية والفرنسية الى جانب اللغة العربية, واستمر فيها حتى عام 1948" (ص 22).

عموماً, أعدتُ الكتابة عن القصص الخمس والرواية, وأعيد نشر القصص مع تلخيص
غسان كنفاني.
للرواية كتبه غسان نفسه, في كتاب "ما لم يعرف من أدب غسان كنفاني" الذي نشر في الكويت عام 1986, وأعيدت طباعته في عام 2001 في الأردن.

والسؤال المطروح هو: هل في القصص والرواية ما يجمع بين كنفاني والعلي؟

لقد توافر ما يجمع بينهما فعلاً خصوصاً في رواية "العبيد", وهو العنوان الذي نشر مع نص الرواية في مجلة "الطليعة" الكويتية, أو "اللوتس الأحمر الميت" وهو العنوان الذي وجد للرواية نفسها في بيروت. والمعروف ان هذه الرواية هي من أوائل الروايات التي كتبها كنفاني, والمرجح انها كتبت في عام 1961, وهي لم تنشر ضمن أعماله الكاملة حتى الآن.

فما طبيعة هذا الجمع, خصوصاً أن النصوص هي نصوص كنفاني حقاً وحقيقة؟

يبدو ان الفنان ناجي العلي وجد فرصة العمر المناسبة له, كي يرد بعض دين كنفاني عليه (التعريف المبكر به وبموهبته ونشر أعماله الأولى), ففي بدايات أيام عمله في مجلة "الطليعة" في الكويت عام 1963, عرض عليه نص رواية "العبيد" كي يرسم مع فصولها وأجزائها التي تود ادارة المجلة نشرها مسلسلة, الرسوم المناسبة والمعبرة, ورسم مع كل عدد صدر وتضمن نصاً من الرواية الرسوم المناسبة اعتباراً من العدد 32 المؤرخ في 22/5/1963 واستمر النشر حتى العدد رقم 48 المؤرخ في 11/9/1963. وكان إلتحق كنفاني بعد مغادرته الكويت بمجلة "الحرية" التي صدرت في بيروت كي تكون ناطقة باسم "حركة القومـيين العرب" التي كان ينتمي اليها غسان وناجي معاً. وتميزت اللوحات التي رسمها العلي لفصول رواية "العبيد" بالطابع التجريدي الرمزي, وراعى فيها بعض الأصول الفنية من ناحـية ضـبط الكـتل وتـوزيع الظلال وتوازن الأبيض والأسود فيها. ويمكن اعادة هذا الأمر الى حداثة الفترة الفنية التي كان العلي قد مرّ فيها, كدراسته الفن في الأكاديمية اللبنانية للرسم عام 1960, ومن تجربة تدريس مادة الرسم نفسها في الكلية الجعـفرية في مدينة صـور الجنوبية اللبنانية منذ عام 1961 وحتى عام 1963.

وتكـمن الاشـارة في هذا المجال الى ان العلي الذي نشرت لوحاته الأولى من دون توقيع, او تعليق أو عناوين, باشر تثبيت تـوقيعه "نـاجي" مـع لوحـاته التي رسمها لرواية غسان, وما تلاها من أعمـال في مطبـوعات عدة, أضاف اليه الصليب مؤطراً فـي مسـتطيل غـير متـساوي الأضـلاع, ثـم اكتفى بحنظلة منذ عام 1969.

والجدير ذكره ان القصص الأخرى التي نشرت لكنفاني في صحف ومجلات أخرى غير "الطليعة" في الكويت والتي لم تنشر ضمن أعماله الكاملة حتى الآن, نشرت في صحيفة "الفجر" الأسبوعية. وكان غسان مشرفاً على تحرير موادها الثقافية, لأن بعض رسومه ومقدماته كانت تترافق مع بعض النصوص الثقافية. ومنها رسوماته لقصصه:

1- "رسالة من حسن" نشرت في 7/10/1958.

2- "واحد من الخالدين" نشرت في 28/10/1958.

3- "الشيخ الصغير" نشرت في 18/11/1958.

4- "صمت ونعال وقبر صغير" نشرت في 17/9/1963 في مجلة "الطليعة" بعد ان غادر غسان الكويت.

هذه هي الأعمال التي جمعت بين كنفاني والعلي واشتركا في نشرها. غسان كتب النص الابداعي, وناجي نقل بريشته ما وصل اليه من أجواء وأفكار النص الابداعي.

(سليمان الشيخ - "الحياة")