الآلهة عنات تتزين بمفتاح العودة في جدارية للفنان عبد الرحمن المزين

الآلهة عنات تتزين بمفتاح العودة في جدارية للفنان عبد الرحمن المزين


الآلهة عنات، آلهة الحب والخصب/ المرأة الفلسطينية/ الدلعونة/، كانت الموضوع الرئيس لاثنين وأربعين لوحة نفذها الفنان الدكتور عبد الرحمن المزين بالحبر الشيني على ورق الكانسول، لتشكل جدارية "عنات والانتفاضة"، التي قدمها في معرض اختتمه الثلاثاء الماضي، نظمته بلدية غزة في قرية الحرف والفنون.



جولة مطولة بين الأقواس الخماسية المُشكّلة لأروقة المعرض في القرية، اصطحبنا فيها المزين مستعرضاً، من خلال أحزمة الخطوط البيضاء والسوداء، الرموز الأثرية ذات المدلولات الأسطورية التي اعتمد على (التحوير) ليسقطها على بلاطاته.

القرط الذي تزينت به عنات حمل تكثيفاً تاريخياً وميثولوجياً عالياً لمفتاح الدار، رمز العودة، والإصرار على التمسك بالحق الذي لا يندثر بمرور الزمن، والذي تحتفظ به جداتنا إلى يومنا هذا منذ أكثر من نصف قرن.
يمتد التكثيف ويتشابك بين المشهد على الجدار والواقع والذاكرة، عندما ينتقل المزين إلى الماضي من خلال اللحظة الآنية ويروي: "قبل أن أغادر بيروت في أواخر السبعينات، ألمّ مرض قاس بأمي، في تلك الأيام أوصتني بأغلى ما تملك، بالكنز الذي احتفظت به طوال حياتها، مفتاح الدار، دارنا في قرية القبيبة قرب مدينة الرملة،..." قال المزين بنبرة لم تخلُ من مسحة أمل في العودة إلى "القبيبة".



الجدارية ولوحاتها أظهرت، بشكلٍ فني وإسقاطات مضمونية، التمسك الفلسطيني بحق العودة، فالانتقال المكاني للقرط/ المفتاح من أذن عنات إلى يدها، والتغير الوظيفي له من أداة للزينة إلى شيءٍ ممسك ومحتوً في اليد، يظهر العمل الرمزي على حق العودة، الذي يمتد في لوحة للشهيدة إيمان حجو، رُصّعت بأوسمة من تل العجول (حي أثري في غزة)، قال المزين أنه عرضها على المسؤولين لتكون طابعاً بريدياً غير أنه لم يلق آذاناً مصغية، وأخرى للشهيد فارس عودة، يطل برأسه من الشمس، مسقطاً شعاعاً حارقاً يذيب دبابة "الميركافا".



ميثولوجيا

على صعيد التصوير، لم يغفل المزين أن يعمل على الارتباطات التاريخية والميثولوجية بين الحضارة الكنعانية والزمن الفلسطيني المعاصر، من خلال طرق تزيينية كانت تستخدمها الآلهة عنات، أهمها الجدايل/ الضفائر، التي تقدسها المرأة الفلسطينية مقسمةً بها الأيمان المغلظة: "وحياة هالضفيرة/ وحياة هالعُقصة لأعمل كذا وكذا".



أما الآلهة أرسي/ الثعبان، إحدى عناصر الزخرفة الرئيسة لثوب الملكة، حافظ المزين عليه بعد أن أفرغ الثوب من الزخارف الأخرى، منوهاً أن ثوب "الملكة الكنعانية" لا زالت ترتديه المرأة الفلسطينية في منطقة القدس المحتلة، موضحاً أن صفة "الكنعانية" أُسقطت، ليبقى متداولاً تحت مسمى "ثوب الملكة".



أرسي/ الثعبان كموروثٍ كنعاني لم يُستخدم في زينة الثياب فقط، بل تجلى بشكلٍ واضح في مصاغ المرأة الفلسطينية أيضاً، ليمتد الى تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية المعاصرة ودلل المزين على ذلك بالاشارة الى أن ظاهرة "جوز الحية"، (إحدى أهم قطع المصاغ الذهبية التي تحرص المرأة الفلسطينية على اقتنائها، وأحياناً يكون شرطاً رئيساً من قبل العروس في طقوس الزواج)، هو امتداد حضاري كنعاني.



زهر الحنون "شقائق النعمان"، (نسبة إلى الإله الكنعاني النعمان، وليس إلى الملك النعمان/ كما قال المزين)، والإله داجون، "أبو رجل مسلوخة"، ورموز وإكسسوارات كنعانية أخرى كثيرة، وظفها المزين لتشترك مع الكوفية الفلسطينية، في تزيين ثوب الدلعونة/ عنات، في لوحاته. أما الأسماء الثلاثين لمدينة القدس فاختار منها أربعة وظف من خلالها الحرف، ليشكل تطريزاً جميلاً في ثوب العروس الذي صممه في رفض لاختفاء ظاهرة الأفراح خلال الانتفاضة.



مذبحة النخيل/ صراع حضارة

شعاع الأمل الذي أسقطته الشمس، تخلل سعف شجرة النخيل التي لازمت الآلهة عنات في جل بلاطات الجدارية. شجرة النخيل، عكس المزين من خلالها أحد اوجه الحضارة الكنعانية، وهمجية آلة الطحن الإسرائيلية التي لا توفر البشر ولا الشجر ولا الحجر. فلم يعرض "مذبحة النخيل" في دير البلح (مدينة وسط قطاع غزة) كخسارة اقتصادية فحسب، بل أيضاً كهجوم إسرائيلي على أحد أوجه الحضارة لكنعانية.

توحد لازم عنات وشجرة النخيل في لوحات مختلفة، فالآلهة عنات التي وقفت شامخة في عدد من اللوحات بجانب شجرة النخيل، بدت في لوحة أخرى، وقد انتابها الأسى، تجر إحدى الشجرات بعد أن تعرضت للقمع الإسرائيلي.



إن الحركة الصهيونية تعي تماماً خطور علاقة "عنات" بشجرة النخيل، ولإدراكهم هذا، تعمد الصهاينة دمغ شجرة النخيل على نقودهم من فئة العشرة شواقل. وهذا أحد الأسباب أيضا التي جعلت قوات الاحتلال الصهيوني لا تعدم أشجار النخيل وتتركها، بل كانوا ينقلونها في شاحنات، على مرأى ومسمع من أصحابها، إلى داخل المستعمرات الصهيونية داخل القطاع أو إلى أماكن أخرى.
حول علاقة الكنعاني بشجرة النخيل، قال المزين إن الفلاح الفلسطيني ورث عن جده الكنعاني توحده مع هذه الشجرة، ففي القول الشائع "تكريم اللحية" وهو ما يُقصد به التحفيف والتقليم والتعطير، هو محاكاة لما يعرف "تكريم النخلة" وهو ما يقصد به قطع الجريد والسعف الزائد خلال عملية التلقيح.





الفينيق/ نهوض جديد



الدمار الذي لحق بآلاف المنازل والمباني خلال انتفاضة الأقصى، مخيم رفح، جنين، نابلس، مقر الرئيس عرفات في رام الله، مقر قيادة الشرطة في غزة، وغيرها من الأماكن التي طالتها يد الإرهاب الإسرائيلي، وقف عليها طائر الفينيق مبشراًً بنهوض جديد، فيما رقدت حمامة بيضاء في جرة فخارية اتخذت من ثوب عنات حضناً دافئاً بانتظار ميلاد جديد ليرجع المفتاح إلى مكانه الطبيعي.



* * *



أعين المستمعين لم تتزحزح عن المزين خلال الجولة التي رافقه فيها جمهور من المثقفين والأكاديميين والمهتمين، كانوا يلتقطون كلماته بتلهف في محاولة لري عطشهم لمعرفة هذه الآلهة التي تغلغلت في حياة جداتهم حتى النخاع.

الدكتور الناقد عدنان قاسم كان ملاصقاً للمزين معلقاً على شرحه تارة ببيت من الشعر وتارة بحكمة، أما الدكتور حسين أبو شنب، بقامته الطويلة فعلق من وراء الحشد أن هذه الحضارة الكنعانية يجب أن تُقحم في المناهج الدراسية، لتوعية الأجيال القادمة بجذورهم وأحقيتهم في هذه الأرض، أما النسوة من الحضور فكانت آذانهن تتسع عند تطرق المزين لمظاهر الزينة التي تجملت بها الدلعونة. فعندما نوه المزين إلى الإله ارسي "الثعبان" والضفاير، قالت سيدة بشعر قصير وهي تداعب رفيقتها مبتسمة: "انت عندك جوز حية، فردت عليها الأخرى لأ, عندي جوز ضفاير يا اللي قصيتي شعرك"، وضحكتا.
بعيد الجولة الطويلة التقينا الدكتور عبد الرحمن المزين في قاعة مجاورة لقاعة العرض، بمعطفه الأزرق وقف (لازدحام الكراسي) يحتسي قدحاً من القهوة تحت السقف الخشبي. قال إنه اختار المرأة كموضوع رئيس للجدارية، "لأننا نحن الكنعانيين أول إله عرفناه منذ 6800 ق.م هي آلهة أنثى/ عنات، آلهة الحب والحرب والخصب، المتمثلة حالياً في المرأة الفلسطينية المليئة بالحب والعطاء والتي لا تكف عن مقارعة الاحتلال الصهيوني".
كما نوه المزين إلى أن المعرض يضم في جنباته نصف جدارية مكونة من 80 لوحة، بيع منها سبعة لوحات لأعضاء من الكونغرس الأمريكي، لتُعرض في متحف تكساس بالولايات المتحدة، وأضاف انه حاول من خلال جداريته أن يربط الماضي بالحاضر ويخلق استمراراً عبر استحضار الأرشيف الكنعاني ودمجه مع رموز معاصرة كجزء من الواجب الملقى على عاتق المبدعين.

عروبة حجازي، التي عملت مديرة لفرع الفلوكلور الفلسطيني في مؤسسة "صامــد" في لبنان، أشادت بعمل الدكتور عبد الرحمن المزين الذي "يصور من خلال إبداعه الجذور الفلسطينية الأصيلة ويُبرز أدلة وبراهين عتيقة تثبت أحقية الشعب الفلسطيني في فلسطين وتدحض الأكاذيب والتلفيقات الصهيونية.

وأضافت حجازي أن "الجدارية هي دليل على الدور الهام الذي من الممكن أن يلعبه المبدع في الصراع الحضاري والثقافي."

نظمي العرقان، أحد الحضور، قال: إن الفنان المزين استطاع بأسلوبه الفني المميز والرفيع أن يثبت وبجدارة أنه صاحب مدرسة فنية تشكيلية فلسطينية خاصة به، وتمنى العرقان أن يصل المزين بمدرسته إلى العالمية ، "... مبدع وفنان حقيقي يعبر بطريقة فنية إنسانية في غاية الروعة عن آهات وأوجاع شعبنا الفلسطيني".

أما الآنسة محاسن حسين، فعبرت عن اندهاشها من "المعاني القوية" التي تحتضنها لوحات الفنان المزين، وقالت إنها اكتسبت معرفة عن الامتداد الكنعاني في حياتنا اليومية لم تكن تعرفها من قبل، وأشارت أنها قررت أن تتعلم التطريز وترتدي الثوب الفلاحي ليس بهدف الزينة بل لغاية وطنية كنعانية بحتة.



* * *



لا ننكر أن محاولات إسرائيل الدؤوبة في تجريد الإنسان الفلسطيني من إنسانيته في وسائل الإعلام العالمية قد آتت أوكلها في أحيان كثيرة. أساليب ومناهج كانت إحداها محاولة تقديم الفلسطيني على أنه المخلوق الذي لا يمت إلى المشاعر الإنسانية بصلة، المخلوق الذي ليس لديه أي أحاسيس إنسانية ولا إبداعية ولا فنية، غير أن أنشطة وفعاليات قدمها مبدعون فلسطينيون في أماكن ومناسبات عدة كانت رداً مناسباً على تلك المحاولات الدؤوبة. غير أن تنظيم معرض للفن التشكيلي وعلى يد العميد عبد الرحمن المزين "المفوض السياسي العام للشرطة" كقائد عسكري شارك بالريشة والبندقية في المعارك التي فرضت على الثورة الفلسطينية، ابتداءً بحرب الكرامة، وملصق الكرامة الأول (عام 68)، هي برهاناً على أن الإنسان الفلسطيني، وإن أُجبر على حمل السلاح، فلن يتخلى عن إنسانيته ولا عن قدراته الإبداعية التي لا تنبع إلا من مشاعر إنسانية راقية.