العولمة وصناعة الأحداث الزائلة --جديد بلال خبيز

العولمة وصناعة الأحداث الزائلة --جديد بلال خبيز

<<العولمة وصناعة الأحداث الزائلة>> جديد الشاعر والكاتب والصحافي بلال خبيز، الصادر عن <<أشغال داخلية 2>> يتناول فيه العلاقة الشائكة والمعقدة التي تفرضها مفاعيل العولمة على الداخلين في كنفها الوثير. كما ينبّه الى التفاوتات الكبيرة بين الشعوب والأقوام والهويات، لجهة حظها وقدرتها على الاتصال الناجح بالعولمة سواء كانت منتجة في نطاقها أو مستهلكة.
تحضرني قبل مباشرتي تناول أي ملمح، او تأويل او حقيقة او تماه مع الكتاب، تحضرني لغة بلال خبيز التي تقوّض أساسات فكرة عولمة الثقافة او اللغة، المدرج تناولهما في الكتاب. لغة ذات خصوصية بالغة حد الخيلاء، مستعصية على الانضواء في قطيع الكتابات المتشابهة. ذكية وموفورة برفعة اطلاعها وثقافتها واستيعابها وهضمها. كتابة ذات منهجية شاعرية تُملي الحقائق، ويحكمها مزاج خاص يعمد الى رصف الحقائق وفق هواه، ووفق ما تُمليه الكتابات المخفوقة بالروح، مؤلفة عالمها الخاص، ومُسطرة برصانة وجدية في آن.
ما يقف خلف لغة بلال خبيز الخاصة ويحضنها، بالإضافة الى ثقافته وقراءاته الوفيرة، ذكاء الملاحظة وحسن الربط بين المظاهر ودلالاتها، وتوظيف الاقتباس الغربي لصالح فكرة التناول وإغنائها. ما يقدمه خبيز من أمثال في الفصل المعنون ب<<الأحداث التي لا تحدث>> دلالة على التحديد المعقَّد والمركّب لحدوث الأحداث الذي انبنت عليه بعض شروط تحقق العولمة وانتشارها، إنما هو فهمه في أكثر دلالات هذا الفهم رهافة وذكاءً، ما ساعد القارئ على تخطّي الطرح الشائك للفكرة برمتها، وما قرّب الأمثلة من وجدان المتلقي الساعي الى فهم بعض ما جادت به العولمة هذه!! وبعض ما اتخذته قانونا لحضورها المستفحل.
مدن محايدة
أمثلة أستلَّتها عين الكاتب من حقائق عالية، يقصّر عنها الرائي العادي، وتُجافي الكاتب ذا الثقافة الأكاديمية الناشفة، والبُعد المعرفي الواحد. انها عين الشاعر بلال خبيز، تلك التي تذهب في الاستيهام والحقيقة، فتستنطق مارلين مونرو وجنيفر لوبيز، في المسافة الرحبة التي للشعر، في المناورة الجوانية التي للشاعر، وفي التبني الخاص، ثم في وجهة النظر التي تبقى على مسافتها وحياديتها.
كتابة خبيز في <<العولمة وصناعة الأحداث الزائلة>> حاذقة وفطنة، وتلتزم اشاعة قدر وافر من الحياة في السطور، مخففة من وطأة العنوان والموضوع، الى نوع من الترفيه الأثيري الذي يكتنزه التناول.
بوعي فائق وانتباه ومحاذرة الشطط، يكتب بلال خبيز عن العولمة، مراوغا أحيانا الى الوقوف في مواقع كتابية تُسهّل لمدارك القارئ إدراكها ولمسها بالعقل والقلب. فلا نتعرف بسهولة الى الحيز العام في <<المدن المحايدة>> ولا الى اختراع <<الصدف المميت>> ولا الى <<سجن الأجسام>> ولا الى <<الجلد الأصمّ والألم المُنطق ولا <<فصل الجلد عن الأحشاء>> وسواها من النصوص في الكتاب، من دون لمسة خبيز الكتابية الفاترة والرخوة، والتي تُرخي أنسنة ما على المواضيع المتناولة، على الرغم من مغادرة المواضيع هذه، لإنسانيتها بفعل العولمة المستشرية. إذ تلهث مداركنا المسكينة الى الرؤية في واقعها الراهن، من دون ان تستنطق بعض ماضيها، وتحتجز شيئا من الحاضر ورغبة متفائلة الى ما هو آت.
تأطير الحياة كلها بالنبرة الواحدة والثقافة الواحدة والأقوام الواحدة، هو جزء من الدحض العاطفي والعقلاني، الذي سعى إليه خبيز في كتابه <<العولمة وصناعة الأحداث الزائلة>> وأشركنا في الشرك نفسه، رغم عجزنا البائن عن درء ما يزحف إلينا ويعولمنا، بالرغم من عواطفنا السخية.
في أمثلة بلال خبيز المدرجة في الكتاب، والمتجذرة عميقا في فكرته الواضحة عن أفول الروح عن المدن، وثمة مثال عنها وعن عصيان الاتصالات الحميمة فيها بين البشر: <<لا تتسع مدن اليوم للغموض والسحر إذا كان للسحر والغموض ان يتركا آثارا على الجسم في صورة مباشرة. بل يكاد كل اتصال جسدي حتى ولو كان ملامسة عابرة، يحتاج تحضيرا وتدريبا وحسن اختيار للحظة المناسبة التي يتوافق فيها الطرفان، على نقيض ما يسرد أمبرتو أيكو في <<اسم الوردة>> عن العلاقات الجسدية بين المؤمنين والهراطقة على حد سواء، إذ يكفي الشعور بالبرد ليجعل العناق أمرا غير قابل للرد بين شخصين، بغض النظر عن جنسيهما او سنيهما او شكليهما ورائحتيهما. في ذلك الزمن كانت الثياب هي حصن الجسم ودرعه الأول والأخير، ولم تكن صعوبة التعرّي تشكل مانعا أمام الاتصالات الحميمة>>.
تفتيت الصخرة
في اسقاطات خبيز على رواية الياباني كوبو آبي <<امرأة من رمال>> التي تحكي حياة سيزيفية بين امرأة ورجل، شاءت الصدفة لقاءهما في مساحة صحراوية لها شكل متاهة ويحرسها حرس حدود يمنعون اقتحامها، ثمة تلك التماثلات السياسية التي أسقطها خبيز على حيّز المرأة والرجل وحضورهما، وعلاقتهما في ما بعد، التي تتطور الى اتحاد عام عشقا وجنسا، والى عملية تبادلية في مفهوم سياسي واقتصادي وإيديولوجي تام المماثلة والتوفيق. وفي إشارته الى تحررهما وانعتاقهما من ذلك المكان بالموت دون سواه ما تقوله الرواية وما يقوله بلال خبيز ويُثني عليه، تقع قتامة اللعبة، وتفسيرها الأشد قتامة موقعا حسنا في آذان المتعبين واليائسين أمثالنا، الذين يبذلون جهودا جبارة ولا مجدية في معظم الأحيان، في محاولة تفتيت الصخرة الهائلة.
أحببت كثيرا ما تلطّى خلف العرض والتناول في <<العولمة وصناعة الأحداث الزائلة>> اللذين يبدوان أحيانا، حياديين الى حد عند بلال خبيز. يوهمك الكاتب انه يكتب في أمر آت لا ريب فيه، بل هو انطلق في سرعة الصاروخ وأضحى بيننا، وان العولمة قدر لا شأن لنا في ردّه او حتى التململ منه. خبيز عمِلَ لا شك على تبيان ملامح عصرنا المرهق، يحمل هيئته الواحدة وثقافته الواحدة، وتماثل الأجساد والرغبات والأوقات والعيش المقلق الباهظ الذي نزع عنا صفة المواطنين والبشر، وحتى الحيوانات الأليفة. كتب تماما، كالمترفعين عن البكاء عصيّي الدمع. مع ذلك، فسعدنا لدمعه إذ لم تقدر العولمة عليه، ولم تحوّله الى <<ذكي>> بعد، وثمة فرصة ما زالت الى ان لا يغدو خبيز ذكيا بالمعنى الذي تُمليه العولمة، بل إنسانا بامتياز يهمه مآل العالم وبشره.