دور جمال عبد الناصر في السياسة المصرية

دور جمال عبد الناصر في السياسة المصرية

تعالج هذه الدراسة وهي من تأليف الدكتور سعيد عبدالرازق الدور الذي أداه جمال عبدالناصر في السياسة المصرية من 15 يناير 1918 وحتى نهاية عام 1956 وتأتي أهمية الدراسة في الكشف عن دور جمال عبدالناصر عبر الاشتراك في احداث كبرى مرت بها مصر.


وكان دوره السياسي صفحات ناصعة في تاريخ مصر وفي تاريخ العالم أجمع، وان حياته كانت حلقات متصلة من معارك التحدي والتصدي حتى اصبحت مصر من اكبر قلاع التحرر في هذه المنطقة من العالم، كما كان عبدالناصر معبرا لثورة 23 يوليو 1952 وقائدا لمسيرتها كما كان رائدا لحركات التحرر من الاستعمار على الأرض العربية في شتى انحاء العالم.


بالاضافة، فقد حقق عبدالناصر العدل الاجتماعي وتكافؤ الفرص وتأمين الكادحين من بطش الاستغلال، وقضى على الاقطاع وطبق قوانين الاصلاح الزراعي التي حولت الفلاح المصري من مزارع الى مالك للأرض وحقق مجانية التعليم، واصدر القوانين التي تحمي حقوق العاملين، وسعى الى اقامة جيش قوي يحمي سيادة الوطن، كما يعتبر قرار تأميم قناة السويس من أشجع القرارات التي اصدرها عبدالناصر في تاريخ مصر الحديث


وقد قام الباحث بتقسيم دراسته لستة فصول وخاتمة:في الفصل الأول درس نشأة جمال عبدالناصر وتكوينه العلمي والسياسي، حيث يرجع أصل أسرة جمال عبدالناصر الى قرية بني مر التابعة لمركز أبنوب بمديرية أسيوط، وتذكر المصادر عن هذه الاسرة بأنها تنتمي الى قبيلة بني مر العربية التي وفدت أصلا من شبه الجزيرة العربية في بداية القرن السابع الميلادي، وقد أطلق على هذه القبيلة اسم سلطان «الجد الأكبر»


وقد تزوج سلطان وانجب ابنا اسماه خليل، وبعد فترة تزوج خليل ورزق من زوجته بابن هو حسين - جد جمال عبدالناصر وكان رجلا مشهورا في القرية وظل في القرية حتى رحيله عن الحياة عن عمر يناهز المئة وسبع سنوات.


وقد رزق حسين بخمسة أولادهم: عبدالناصر والد ـ جمال ـ وسلطان وعطية وخليل وطه، وقد بقى بالقرية سلطان وعطية وطه يشتغلون بالزراعة بينما رحل خليل وعبدالناصر من القرية الى الاسكندرية حيث تعلما ومارسا وظائف حكومية.


وتؤكد الوثائق المصرية بأن هذه الأسرة تنتسب الى الطبقة الوسطى من ملاك الأرض، فكان جد والد جمال «خليل حسين» يمتلك 12 فداناً من الأرض. وعندما توفى ورث ابنه حسين خليل «جد جمال» فدانين واحدى وعشرين قيراطا.


أما عن والد جمال عبدالناصر فهو عبدالناصر حسين، فقد ولد في10/7/1888 بقرية «بني مر» مركز ابنوب الحمام مديرية اسيوط، وقد ارسل حسين خليل ابنه عبدالناصر الى كتاب القرية وكان وقتذاك في الثالثة عشرة من عمره ووجد فيه والده استعدادا طيبا لمواصلة التعليم فأرسله الى اصهاره في الاسكندرية


والتحق في أواخر شهر مارس عام 1904 بمدرسة خويصة الابتدائية بالباب الحديد، واثناء تعليمه بالمرحلة الابتدائية التحق بالخدمة بتاريخ 12 مارس عام 1910 لغاية يوم 31 مارس عام 1913 بوظيفة ساعي يومية بالبوستة المصرية بمرتب شهري قدره اربعة جنيهات مصرية،


واستمر عبدالناصر في مدرسته يدرس ويعمل في نفس الوقت ونال شهادة الدراسة الابتدائية في يوليو 1912. وبعدها تم تعيينه مستخدما دائما في أوائل ابريل عام 1913م على الدرجة الرابعة براتب شهري قدره 5 جنيهات وحمل لقب أفندي.


وبعد أن أصبح عبدالناصر حسين موظفاً بمصلحة البريد بالاسكندرية انتقل في انحاء مديريات مصر بناء على أوامر مصلحة البريد من أسيوط الى الخطاطبة الى السويس الى شبلنجة بمركز بنها الى القاهرة ثم الى دمنهور الى القاهرة مرة أخرى وأخيرا استقر في الاسكندرية.


وقد تزوج عبدالناصر حسين مرتين، وكانت زوجته الأولى مصرية وتدعى: فهيمة محمد حماد وقد تزوجها في اوائل عام 1917، واستقر بالمنزل رقم 18 بشارع قنواتي بحي باكوس بالقرب من الرمل بالاسكندرية.


وهي ابنة المقاول محمد حماد بالاسكندرية الذي شغل وظيفة مقاول أشغال بجوار كوبري راغب بالاسكندرية، وانجب منها أربعة أولاد هم جمال والليثي وعزالعرب وشوقي وقد وافتها المنية عام 1926 شهر ابريل.


أما بالنسبة للزوجة الثانية فهي عنايات مصطفى رشدي الصحني وقد تزوج منها عام 1928 وهناك من يرجعه الى عام 1933، وقد رزق عبدالناصر حسين من السيدة عنايات بخمسة أولاد هم مصطفى وحسين ورفيق وعادل وطارق وعايدة.


مولد جمال عبدالناصر: ولد جمال عبدالناصر في مساء يوم الثلاثاء الموافق 15 يناير سنة 1918 بحي باكوس، قسم الرمل بمحافظة الاسكندرية وعندما أتم الثالثة من عمره في عام 1921 ارسله والده الى مدرسة روضة الاطفال بحي محرم بك بالاسكندرية،


وحسب تنقل والده في مواقع العمل - حيث انتقل الى الخطاطبة في عام 1923 حيث انضم الى مدرسة الخطاطبة في العامين 1923 - 1924 والتي انشئت لابناء موظفي السكة الحديد، ولكن كان يشترط فيها حفظ القرآن كله، وقد نجح عبدالناصر في اجتيازه لهذا الشرط وانتظم في الدراسة.


بعد ذلك تم نقله الى القاهرة بمدرسة النحاسين الابتدائية. وفي هذه المدرسة عرف عبدالناصر مجموعة من مساجد ومنابر سلاطين المماليك فضلا عن تقربه من حي الازهر معقل الوطنية. بعد ذلك تم نقله وبعد وفاة والدته الى مدرسة العطارين بالاسكندرية في حضانة جده وبعدها عاد الى مدرسة النحاسين مرة اخرى ونال منها شهادة الابتدائية عام 1931،


ثم التحق بالقسم الداخلي بمدرسة حلوان الثانوية وقضى فيها عاما واحدا ولقد فسرت بعض المراجع بانه اصيب في السنة الأولى بمرض الملاريا مماكان سببا في رسوبه هذا العام فأعاد السنة الدراسية ونجح في موادها وعندما نقل والده الى الاسكندرية تم نقله الى مدرسة رأس التين الثانوية حيث فتح عينيه على السياسة وانفعل بالاحداث التي تجري في وطنه


وكان من نتيجة تلك الاعمال السياسية رسوبه مرة اخرى فنقله والده الى مدرسة الفريدية الثانوية وظل في هذه المدرسة حتى نجح في الفرقة الأولى الثانوية وفي سنة 1933 نقل عبدالناصر والد جمال الى القاهرة، فنقل ابنه جمال ليشرف عليه ويتابعه، وألحقه بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر حتى نال شهادة الثقافة سنة 1934


واستمر متواصلا في النشاط السياسي في العامين الدراسيين 1935 و1936 حتى تم فصله من مدرسة النهضة الى انه عاد بفضل اعتصام زملائه حتى عودته فعاد ودخل الامتحان أمام لجنة مدرسة شبرا الابتدائية ونال شهادة الثانوية القسم الأدبي في يونيو 1936 وبعدها قرر استكمال تعليمه في الكلية العسكرية الحربية الا أنه سقط في كشف الهيئة حيث يرجع السبب الى اشتراكه في المظاهرات وكذلك بساطة وظيفة والده.


وعاد وقدم أوراقه الى الحقوق «جامعة فؤاد وقتذاك» وظل يراقب الكلية الحربية الى ان حانت الفرصة وأعلنت الكلية عن حاجتها الى دفعة جديدة من الطلبة وتقدم جمال في 17 مارس ونجح وانضم الى صفوف الطلبة وأثبت جدارة وتفوقاً حتى استلم سلطان قائد الجماعة، وهي رتبة عسكرية لا تمنح إلا للطلبة المتفوقين في الدفعة وأمضى في الكلية الحربية ستة عشر شهرا بين 17 مارس 1937 حتى أوائل شهر يوليو 1938.


ينتقل بعد ذلك الباحث للتعرف على دور عبدالناصر في كلية أركان الحرب ويكشف لنا خريطة قراءات استراتيجية تبني عن ثقافة سياسية مستندة على محوري تفاعل الجغرافيا والتاريخ وكذلك أدوار قيادات تركت بصمات واضحة على صفحات تاريخ بلدانها.


وكذلك يتابع معركته في الفالوجا والحصار الذي تعرض له أن قام بالثورة وتنظيم الضباط الاحرار ثم نجاح الثورة ودوره كوزير داخلية في حكومة الثورة بقيادة محمد نجيب كما يرصد تفاعله مع كافة القوى السياسية القائمة في الواقع المصري وعلاقته عبر مراحل ثلاث بحركة الاخوان المسلمين الى أن وقع حادث المنشية الشهير ويقوم الباحث بتناول روايات ومصادر الاخوان ويعمل على تفنيدها ويكشف تضاربها وتفككها.


بعد ذلك ينتقل الى معركة العدوان الثلاثي وموقف عبدالناصر وشجاعته قبلها يتناول قرار التأميم لقناة السويس ويكشف لنا عن ابعاده المتعددة والمختلفة والتحضير له من قبل جمال عبدالناصر


ويعرج بنا الى دور عبدالناصر في الحياة الداخلية المصرية من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحلمه الدائم والمتوهج لنهضة مصر وتطويرها لكي تلحق بالأمم الناهضة وتعوض مافاتها بسبب ثالوث الاستعمار والملك والاقطاع الحربي الذي تسبب في ثالوث آخر اصاب المجتمع المصري: ثالوث الفقر. الجهل. المرض.


ويمكن القول بأن هذه الدراسة المهمة هي الأولى التي كشفت بعمق عن جمال عبدالناصر وسياساته حتى عام 1956. فقد بينت الدراسة ـ كما يوجز الباحث ـ ان مرور السنوات لا يمكن ان تمحو صورة الزعيم عبدالناصر من قلوب وأذهان الجماهير المصرية لأنه كان أول مواطن مصري حقيقي يقف في وجه الاستعمار واستمرت هذه القضية محور نشاطه السياسي.


كما أوضحت تلك الدراسة ان دور عبدالناصر السياسي لم يقتصر على مصر فحسب، بل تخطى حدودها الى الخارج وقدم كل مساعدة ممكنة لحركات التحرر في العالم وكذلك ساهم في طرح وبناء الوحدة العربية وكذلك الافريقية. كما ابرزت الدراسة استخدام عبدالناصر لكافة الوسائل لمقاومة سياسة الاحلاف الأجنبية ومناطق النفوذ وأساليب الضغط والتهديد والمناورات والمؤتمرات.


كما قدمت تلك الدراسة الدور الايجابي والهام لعبدالناصر في بناء سياسة الحياد الايجابي وعدم الانحياز والتعايش السلمي.


كما ابرزت تلك الدراسة علاقة عبدالناصر بالاحزاب السياسية والقوى السياسية التي كانت موجودة قبل وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 حتى تاريخ حل الاحزاب السياسية في 18 يناير 1953، كما ربطت هذه الدراسة التنظيمات السياسية البديلة التي انشأها عبدالناصر ورفاقه لملء النظام السياسي الجديد. كما كشفت في فصل كامل منها دور عبدالناصر ازاء القضايا الاجتماعية وماأحدثه من اصلاحات داخلية لرفع شأن المجتمع المصري، ونتج عن ذلك تغيير خريطة المجتمع المصري مما أعطى من حقوق للملايين المحرومين من ثورة مصر قبل ذلك. وأخيرا فهذا جهد يستحق التحية ويكشف لنا عن أن مايتبقى هو الفعل المثمر والخير.


الكتاب: دور جمال عبد الناصر في السياسة المصرية


الناشر: العربي للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2004


الصفحات: 449 صفحة من القطع المتوسط