رحيل سهيل إدريس مؤسس «الآداب» ومازج العروبة بالحداثة..

رحيل سهيل إدريس مؤسس «الآداب» ومازج العروبة بالحداثة..

يشيَّع اليوم في بيروت الروائي والمعجمي والمترجم والناشر سهيل إدريس (1925 - 2008) مؤسس مجلة «الآداب» الشهرية ذات التأثير الأدبي والفكري في العالم العربي، خصوصاً بين منتصف خمسينات ومنتصف سبعينات القرن العشرين.

التزم سهيل إدريس شعاري العروبة والحداثة في كتاباته ونشاطه الثقافي، ولم يرَ تناقضاً بينهما، بل اعتبرهما ضرورتين للتقدم العربي. فهاجم العروبة التقليدية بقدر ما هاجم الحداثة المتفلتة من الانتماء العربي نحو انتماءات أخرى جغرافية أو أيديولوجية. ويمكن التوقف عند معركتين خاضتهما «الآداب» بتوجيه سهيل إدريس، الأولى في مجال الشعر ضد مجلة «شعر» (أصدرها يوسف الخال في بيروت العام 1957 ولم تعمّر طويلاً على رغم تأثيرها المستمر، وكان في أسرة تحريرها أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا)، وحجة المعركة أن «شعر» تتطرف في تبني قصيدة النثر الى حد الإساءة الى اللغة العربية. أما المعركة الثانية فخيضت من خلال المثقفين العراقيين، فنصرت «الآداب» الفريق القومي العربي على الفريق الماركسي، واعتبرت في تلك الفترة الصوت الإبداعي والفكري لكثير من العراقيين، ومنهم شخصيات في موقع القرار السياسي.

أنشأ سهيل إدريس «الآداب» العام 1953 (مشاركاً لمدة ثلاث سنوات فقط صاحبي «دار العلم للملايين» بهيج عثمان ومنير البعلبكي)، واستمرت لمدة ربع قرن على الأقل المجلة المركزية للأدب العربي الحديث، (نافستها وتعايشت معها بهدوء مجلة «الأديب» التي أنشأها ألبير أديب في بيروت العام 1942). وأسس «دار الآداب» للنشر العام 1956 (مشاركاً في السنوات الخمس الأولى الشاعر نزار قباني).

تميزت «الآداب» بإدارة ذكية للتحرير، في الأساسيات وفي التفاصيل، وكان بابها الشهري «قرأت العدد الماضي من الآداب» مدرسة في النقد تتلمذ عليها قرّاء كثيرون ما لبثوا أن امتهنوا الكتابة. ولم يكن شعار العروبة والحداثة الذي تبناه إدريس ضيقاً إنما ظهر بآفاق رحبة في مجلته وعبر مؤلفاته وترجماته والكتب التي أصدرتها «دار الآداب». ولم ينسب إدريس الى نفسه يوماً التعبير عن مدرسة فنية محددة في الإبداع الأدبي، فاختلفت «الآداب» عن مجلات أخرى روجت لمدارس واتجاهات، مثل «ابوللو» و «غاليري 68» في القاهرة و «الثقافة الجديدة» و «شعر» و «حوار» و «مواقف» في بيروت.

وعرف عن سهيل إدريس ترويجه الأدب الوجودي الفرنسي، خصوصاً أعمال جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار التي ترجم بعضها وأصدرها عن دار الآداب، ونظر مفكرون قوميون في تلك الفترة الى الوجودية كفكر يساندهم في مواجهة الماركسية.

من كتّاب «الآداب» في عصرها الذهبي مطاع صفدي وعبدالله عبدالدايم وغسان كنفاني وإدوار الخرّاط ومجاهد عبدالمنعم مجاهد وسامي خشبة، وأبرز الشعراء الذين نشرت لهم في ذلك العصر: سليمان العيسى، فدوى طوقان، خليل حاوي، بدر شاكر السياب، نزار قباني، سلمى الخضراء الجيوسي، نازك الملائكة، أحمد عبدالمعطي حجازي، صلاح عبدالصبور، حسن فتح الباب، عثمان سعدي.

عمل سهيل إدريس في مقتبل حياته في الصحافة («بيروت» و «بيروت المساء» و «الصياد») وكتب في مجلات «المكشوف» و «الرسالة» و «الأديب»، وتابع دراسته فحصل على الدكتوراه من السوربون في باريس عن أطروحته «التأثيرات الأجنبية في القصة العربية الحديثة 1900 - 1950». كتب ثلاث روايات وست مجموعات قصصية، وفي روايته «الحي اللاتيني» (1953) تناول صدمة الشرق بالغرب، وفي «الخندق الغميق» (1958) متغيرات المدينة في عيني شيخ مسلم لم يتم العشرين من عمره، وفي «أصابعنا التي تحترق» (1962) ضلال مثقفين عرب قبل تفكك الوحدة المصرية - السورية وبعدها. ونشر قبل سنوات قليلة جزءاً أول من مذكراته تميز بجرأة غير معهودة في الأدب العربي لدى تناول الأهل الأقربين. وتجلى نشاطه المعجمي في إصداره معجم «المنهل الفرنسي – العربي» مع جبور عبدالنور، و «المنهل العربي – الفرنسي» و «المنهل العربي – العربي» مع الشيخ صبحي الصالح وسماح إدريس.
"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018