مسألة الحجاب تضع فرنسا على طريق اللبننة/علي حرب

مسألة الحجاب تضع فرنسا على طريق اللبننة/علي حرب

ربما تكون مسألة الحجاب قد حُسمت أو على وشك أن تحسم على صعيدها التشريعي والقانوني. ولكنها لن تحسم أو تقفل على صعيدها النظري والمفهومي، بل سوف تبقى مثاراً للجدل والمناقشة، بما يسلط الأضواء على هذه القضية التي تشغل الرأي العام الفرنسي منذ سنوات، والتي شغلت مؤخرا الرأي العام في البلدان العربية بشكل خاص.
ولعل هذا هو الفرق بين النظريات والعمليات كما لاحظ ذلك القدامى كابن رشد. فالمشكلات العملية لا تحتمل التأجيل بل تتطلب الحسم بقدر ما تتعلق باليومي والمعاش أو بقدر ما تمسي مصدر خلاف ونزاع أو توتر واضطراب بين عناصر المجتمع وفئاته. أما القضايا النظرية فإنها تبقى مفتوحة، أو مرجأة، بقدر ما هي منفتحة على عالم المعنى الذي يتعذر إغلاقه أو القبض عليه أو التماهي معه، حتى وإن بدا أنها استهلكت أو انطفأت. وها هي قضية الحجاب عادت بقوة بعدما ظن أنها أصبحت قضية ميتة.
وسيط الجمهورية
من اللافت للنظر في المسألة الآلية التي ابتكرت أو استخدمت لحلها في بلد كفرنسا هو بلد علماني ومجتمع ديموقراطي، على الأقل منذ بداية القرن الفائت، إذا لم نشأ العودة الى الثورة وشرعتها حول حقوق الإنسان بثالوثها الشهير: الحرية، المساواة، الإخاء. فقد كُلفت لجنة لدرس القضية ضمت عددا من أهل الرأي، علماء وفلاسفة ومفكرين وحقوقيين وسياسيين، بينهم عرب ومسلمون أبرزهم الدكتور محمد أركون. وقد تشكلت اللجنة، كما بات معلوما، برئاسة برنار ستازي الذي أطلق عليه لقب <<وسيط الجمهورية>>. وبعد المناقشة العامة بالاستناد الى شهادات حية لأناس من مختلف الفئات وفي مختلف القطاعات، خاصة في المؤسسات التعليمية والطبية حيث منشأ القضية ومناط المسألة، وضعت اللجنة تقريرها وقدمته الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وفيه تقترح حظر الحجاب في المدارس الرسمية والمؤسسات العامة.
وما استوقفني بالدرجة الأولى في المسألة هو مصطلح وسيط الجمهورية الغني بدلالاته، من حيث علاقته بالممارسة المدنية والحريات الديموقراطية. ذلك أن كلمة وسيط تحيلنا الى التوسط والوسط والوسطية. والمجتمع المدني هو في أساسه مؤسسات وهيئات وسطى تتشكل وتنشط، بين ثالوث الدولة، والمصلحة، والعائلة أو الطائفة، لكي تسهم في تكوين الفضاء العمومي والحيز المشترك. والناس إنما يتوسطون بعضهم البعض في أعمالهم ومساعيهم، بقدر ما يتوسلون بالمناقشة العلنية والمحاججة العقلانية، في ما يشتركون به أو يتفقون عليه من المجالات والمنافع والمصالح.
ونحن أحوج ما نكون إلى التفكير بشكل وسطي، بحيث نواجه منطق الصدام والإرهاب، بلغة التوسط وعقلية الشراكة والمفاوضة. ولكن ما أبعدنا عن القيم الوسطية، في البلدان العربية الإسلامية، مع أننا نتباهى بأننا <<أمة وسط>> كما جاء في الآية. ربما نحن ننحاز الى الآية الأخرى التي تعتبرنا <<خير أمة أخرجت الى الناس>>، الأمر الذي يفسر ما نمارسه من نرجسية وعصبية أو من مكابرة ومعاندة أو من عدم اعتراف بالغير وحقوقه، وهكذا نحن نستعدي الآخر ولا نحسن التعامل معه بلغة المفاوضة والتسوية.
السياق الفرنسي
المجتمعات ليست ملكوتا للحرية أو ممالك للفضيلة، ولذا فالخيارات والمواقف والقرارات إنما لها بيئاتها الثقافية وخلفياتها النفسية، كما لها سياقاتها الراهنة.
وقضية الحجاب تُطرح منذ زمن في فرنسا، وسط المخاوف من تكاثر المسلمين وصعود الإسلام على مسرح الأمم خاصة بعد اندلاع الثورة الإيرانية بشعارات دينية. ومما يغذي هذه المخاوف ويحيلها الى هواجس التنظيمات الإسلامية الأصولية الناشطة على الساحة العالمية، لتحقيق أهدافها المعلنة أو السرية، بأي ثمن كان، أي بذرائعية مضاعفة وواقعية سياسية فظة، على ما يجري تبرير الأعمال الإرهابية التي تضرب بعنفها الأعمى والفاحش، لتحدث خسائر بشرية ومادية، بصورة لا سابق لها من قبل نوعا وحجما. فكيف إذا كان ثمة قناعة، في الأصل، لدى من يحاولون احتكار النطق باسم الشريعة الإسلامية، بأن الإسلام لا ينتصر إلا <<بالدماء والأشلاء>>، على ما ينذر ويحذر أمير الجماعة السلفية الجزائري نبيل الصحراوي؟!
بيانات الهوية
أقوى ما يحتج به الدعاة والإسلاميون في مواجهة القرار الفرنسي، هو أن الحجاب ليس رمزا دينيا كالصليب أو القلنسوة، وإنما هو فرض ديني شرعي على المسلمات الالتزام به. والواقع أن الحجاب ليس كذلك دوما وفي كل الحالات من حيث مفهومه وإرادة استخدامه. لا شك أن هذه هي الحال لدى الراهبة أو لدى المسلمة التي نشأت على ارتداء الحجاب في بيئتها التقليدية. ولكن الكثيرات من المسلمات، سواء في فرنسا أو في البلدان الإسلامية، خاصة منهن الداعيات والمناضلات أو المجاهدات، لا يرتدين غطاء الرأس الآن عن قناعة دينية، بل بوصفه توكيدا على الخصوصية الإسلامية أو رمزا للمقاومة الثقافية، في مواجهة ما يسمونه الغزو الثقافي الغربي. ومن التبسيط تجريد المسألة من سياقها الراهن: فالحجاب يجري ارتداؤه وسط صعود الهوية الإسلامية. بهذا المعنى، ومن هذا المنظار يشكل الحجاب فعلاً إشهاراً للهوية الدينية في معمعمة الصراع بين الهويات، كما عبر عن ذلك الرئيس الفرنسي.
قد يكون المسلمون الفرنسيون عرضة للضغوط وموجات الكره والعداء، من منطلق عنصري، من جانب متطرفين فرنسيين. ولكن لا أعتقد أنهم يخشون من خطر الاقتلاع أو الذوبان، على الأقل ان المخاوف متبادلة مع شركاء لهم في المواطنية التي لا يحسنون هم ممارستها. وقد يكون الفرنسي غير المسلم أكثر خوفا من المسلم الوافد نفسه.
بالإضافة الى الهواجس والمخاوف، هناك الأزمة العالمية التي تضرب فرنسا من جراء التحولات العميقة والمتسارعة التي طرأت على المجتمعات المعاصرة في مختلف الحقول والميادين، كما يعبّر عن ذلك العلماء والكتاب والساسة ورجالات الإعلام. في هذه الأجواء تطرح مسألة الحجاب، أي وسط المخاوف والأزمات والتحديات. وعلى هذا النحو يتعاطى مع المسألة الفرنسيون، أي لا يعتبرون الحجاب مجرد فريضة دينية بريئة كما يدعي الإسلاميون بسذاجة أو بخبث، وإنما يرون إليه كخرق فاضح للحيز العمومي والفضاء المشترك من قبل خصوصية ثقافة تمارس بتغليب منطق الهوية على ثقافة المواطنية، بقدر ما يعتبر أهلها أنهم لا يخضعون لسلطة القانون أو لما هو ثمرة الاتفاق أو الانتخاب العام، وإنما يخضعون للأوامر الإلهية والأحكام الشرعية الفقهية. وإذا كان الحجاب ليس رمزا دينيا كما يقولون، بل فريضة دينية، فمن باب أولى أن يرفض، لأن الفرائض والطقوس تمارس في البيوت أو في دور العبادة لا في المؤسسات العامة. وإذا كانت فرنسا قد نجحت في فك وصاية الكنيسة الكاثوليكية عن الشأن العام، فمن باب أولى أيضا أن تعامل المؤسسة الفقهية الإسلامية بالمعاملة نفسها. ولكن المدافعين عن ارتداء الحجاب، من إسلاميين وعلمانيين، لا يرون وسط الرؤية من جراء التبسيط والانغلاق والتعصب والاستبداد بالتعامل مع القضايا على نحو لاهوتي. إنهم يريدون فرض خصوصية دينية معينة يمكن أن تتنازع مع الخصوصيات الأخرى، على نحو يستثير النعرات ويؤجج العصبيات، بقدر ما يفضي إلى ابتلاع المجتمع المدني المفتوح على تعدد الآراء.
ذلك هو معنى الموقف المغلق لدى تلك الطالبة الفرنسية المسلمة التي تقول لوالدها عند مطالبته لها بنزع الحجاب من أجل الذهاب الى المدرسة: أنا لا أتلقى الأوامر منك أو من المدرسة بل من الله، وذلك هو مآل الاحتجاج على منع الأحكام الفقهية على الساحة الفرنسية: لبننة فرنسا بوضعها بين براثن الكثلكة والأسلمة. أليس هذا ما يجري في العراق الآن، وكما تحاول ذلك الأصوليات الدينية والمذهبية: لبننة السياسة بأسلمة القوانين وإخضاعها لعقلية الفرقة الناجية ومنطق الفتوى وشعار الحاكمية الإلهية أو الولاية الفقهية، من أجل تفشيل صيغة العيش المشترك التي يحاول العراقيون الاتفاق على مبادئها وآلياتها.
V الليبرالية والجمهورية
من المفارقات في المسألة أن الولايات المتحدة، شأنها شأن بريطانيا، قد وقفت ضد منع الحجاب، الأمر الذي حمل الكثيرين على الاحتجاج على الموقف الفرنسي بالنموذج الأميركي الذي يتصف بالتعددية الثقافية والدينية.
وبصرف النظر عما إذا كان في الموقف الأميركي مزايدة أم لا، فالمجتمع الأميركي هو في أساسه مجتمع تعددي ذو بعد ليبرالي، إذ هو يتكون من تعدد الأصول والأعراق والديانات والمذاهب، وربما اللغات، في ظل غلبة للعنصر الأنغلوساكسوني والمذهب البروتستاني. ولذا كانت الولايات المتحدة السباقة الى صياغة مفهوم التعددية الثقافية والطوائفية. أما في فرنسا فالوضع مختلف، إذ الديموقراطية الفرنسية هي ذات بعد جمهوري، وذلك حيث جميع الأفراد متساوون أمام القانون، في الحقوق والواجبات، وفقا لشرعية حقوق الإنسان، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية وأصولهم العرقية ومنابتهم الثقافية. فالحق في هذا النموذج، كما تمت صياغته وجرت تطبيقاته، هو للفرد وليس لجماعة أو طائفة أو أقلية.
ولكن الوضع تغيّر بعد تكاثر الأقلية الإسلامية وإثارة مسألة الحجاب، وفي ضوء التحولات التي طرأت على الفكر السياسي والخلقي وبروز مفاهيم التعددية الثقافية، خاصة في الولايات المتحدة التي حققت سبقا في هذا المجال. وهذا ما اعترف به الفيلسوف الفرنسي آلان رينو الذي أعاد النظر في مسألة الحقوق، آخذا بعين الاعتبار المعطيات الجديدة التي طرأت على المسألة الثقافية المتعلقة بحقوق الجماعات والأقليات الثقافية والطائفية أو العرقية... من هنا صاغ رينو مفهوم <<الحقوق الثقافية>> كتوسيع وإغناء لمفهوم <<حقوق الإنسان>> كما ورد في كتابه: <<الأنا الأخرى>>.
ولا مراء أن الأوضاع الحقوقية والاجتماعية للأقلية الإسلامية في فرنسا لم تعد كما كانت عليه، بل هي آخذة في التحسن، سواء من حيث حريات التعبير والانخراط في الشأن العام، أو من حيث إنشاء مساجدهم ومراكزهم الثقافية ومؤسساتهم الصحافية، أو من حيث تبوؤ مراكز سياسية بارزة في مؤسسات الدولة، فضلا عن أن منع الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة لا يعني منعه في الحياة العامة.
وفي أي حال، لا تعني المقارنة بين الموقفين، الأميركي والفرنسي، أن ما يصح في الولايات المتحدة يصح في فرنسا التي لها تشكيلتها الثقافية وبنيتها المجتمعية ونظامها السياسي. يبدو أن أميركا تتحمل هامشا من الخرق الإسلامي اللاهوتي لنظامها الديموقراطي الليبرالي، في حين لا تتحمل فرنسا ذلك. هناك حد أدنى لا يمكن العودة عنه الى الوراء دون تهديد المكتسبات التاريخية لولادة الجمهورية الفرنسية ذات الطابع العلماني. وباسم هذا الحد أو الثابت الجمهوري، تظاهر الفرنسيون إبان الانتخابات الرئاسية، منذ عامين، برفعهم شعار: كلنا مهاجرون، تأييدا للأقلية الإسلامية في مواجهة لوبان صاحب الشعار العنصري القائل: فرنسا للفرنسيين. هذا ما يتناساه الإسلاميون الذين يتشبثون بثوابتهم الدينية والعقائدية: لقد دافع شركاؤهم عن بقائهم في فرنسا، أي عن مواطنيتهم وحقوقهم كفرنسيين، وذلك من منطلق الحفاظ على الجمهورية وثوابتها العلمانية.
طبعا ليست الثوابت مطلقة أو متحجرة، وإنما تخضع من حيث العلاقة معها للحركة والتغير وإعادة الصياغة، في ضوء المتغيرات والتحديات. وهذا ما يفعله آلان رينو الآن بتأسيسه لمجلة أطلق عليها اسم <<العقل العمومي>>، حيث ينصب الاهتمام على دراسة الصعوبات التي تواجه المبادئ والصيغ في ميادين الممارسة، بقدر ما يجري الرهان على استخدام العلماء وأهل الاختصاص لعقولهم بصورة عمومية تداولية.
من هنا، نجد أن بعض الفرنسيين لم يناقشوا مسألة الحجاب من باب المماهاة مع الذات أو المحافظة على الهوية الفرنسية، في مورد السجال الثقافي أو الديني، بل من أجل أن يعرفوا أثر القرار القاضي بمنع الحجاب على الطالبة المسلمة: هل هو إيجابي أم سلبي، من حيث علاقته بنموها وتطوير قدراتها الذاتية وتكوين شخصيتها المستقلة القادرة على التعبير عن حريتها وصوغ مطالبها، بعيدا عن وصاية الرجل الذكورية، أو على الأقل بعقلية المساكنة والمشاركة والمودة.
أما عندنا فالمسألة تناقش بعقل أحادي قدسي، سواء من جهة الإسلاميين أو من جهة بعض العلمانيين الذين يتعاملون مع العلمانية كمبدأ مطلق كما لو أنها ديانة منزلة كما تعاملوا مع سائر العناوين والقضايا لكي ينتهكوها على أرض الواقع ويشهدوا على جهلهم بها. ولذا نراهم يحتجون على القرار الفرنسي بكونه يناقض مبادئ العلمانية والديموقراطية حول حرية الاعتقاد والتعبير. والذين يفعلون ذلك يطالبون بحرية مطلقة لكي يستبدوا بها. وهذا شأن كل شعار يطرح كمبدأ مطلق أو مقدس، مآله أن يلغي مساحة الحرية وأن يتحول الى مؤسسة استبدادية يمارس أصحابها الحجب والتضليل. ذلك أن العلمانية والحرية والديموقراطية ليست طوطمات، وإنما هي أعمال بشرية، ولأنها كذلك، ليست مطلقة أو ثابتة، وإنما هي أنظمة للوصل والفصل تخضع للمراجعة وإعادة البناء، وهي مفاهيم متحركة ومتغيرة، بقدر ما هي ثمرة المداولة والاتفاق.
هذا ما لا يراه أكثر الإسلاميين والكثيرون من العلمانيين المطالبين بحرية التعبير عن الخصوصية بصورة مطلقة: تصادم الخصوصيات وتقويض الفضاء العام كمساحة لممارسة حرية التفكير والتعبير. فالذي يحرص على الحريات هو الذي يمارس حريته بصورة نسبية، بحيث يتنازل عن حق لكي يضمن حقوقا أخرى. ولا مجال سوى ذلك، أي أن أفضل سبيل لضمان الحريات هو الحفاظ على الفضاء العام والعمل على تنميته وتوسيعه عبر صوغ القواعد المشتركة والقيم العامة القابلة للمداولة بلغة التسوية.
النرجسية الثقافية
لا يسع المرء إلا أن يحيي شيخ الأزهر على موقفه الذي يتسم بالانفتاح والجرأة ويشكل مثالا نادرا في العالم الإسلامي. لقد أحسن الدكتور محمد سيد طنطاوي صنعا بإقراره بأن لفرنسا الحق في تطبيق قوانينها على أرضها، ولو كان ذلك يخالف رأيه ومعتقده. وهو بذلك لم يسئ إلى الإسلام، بل قدم الى الخارج صورة حسنة عن المسلمين، وبعكس ما اتهمه بعض الذين عدلوا موقفهم، في ضوء موقفه بالذات، بإبداء بعض الليونة والمرونة في التعاطي مع المسألة، أقله في الظاهر وعلى مستوى الخطاب.
ولكن ما نتقنه في الأكثر والأعم هو المماهاة العنصرية والخاوية مع الذات، ولذا لا نرى كيف أن الفضاء الفرنسي العلماني الذي نريد خرقه هو الذي يتيح للمسلمين ما لا تتيحه لهم البلدان الإسلامية من حريات التفكير والتعبير. بكلام آخر: إذا كان الفضاء العلماني يمنع ارتداء الحجاب على المسلمة، فهو الذي يتيح لها ممارسة حقوق وحريات أساسية أهم بكثير من عادة ارتداء غطاء الرأس. إنه ينتزع منها الأقل من الحقوق لكي يتيح ممارسة الكثير من الحقوق، أقلها حق الجدل والموافقة عما لا يقبل الجدل والمناقشة. غير أننا لا نرى من فرط نرجسيتنا، أننا نهاجم مقررات مدنية هي ثمرة الجدل والمداولة لكي ندافع عن أحكام إلهية نعتبرها فوق الجدال؛ ونحتج على قرار يمنع ما يقوم أساسا على الحجب والحظر ومصادرة العقل.
العادة والفريضة
إذا كنت أحيي شيخ الأزهر على موقفه، فأنا لست معه في رأيه حول الحجاب، إذ لا أعده فريضة دينية، بل عادة من عادات اللباس تعود الى المجتمع الأبوي والعبودي. وعلى فرض أنه فريضة، فالفرائض والأحكام تخضع للتبديل. لا يسعنا الآن العيش باتباع نفس القواعد والأحكام والعادات التي خضع لها من سبقونا منذ أربعة عشر قرنا. فنحن نعيش في الزمن الإلكتروني، فيما هم عاشوا في واد غير ذي زرع، أي ما قبل عصر الحقل والزراعة. ولا أعتقد أن مسلما يندرج في هذا العصر بمستطاعه، من دون إعاقة أو انتهاك، تطبيق أحكام الشريعة وفروضها، على ما يريد له الدعاة، من ارتداء البرقع الى رجم الزانية، ومن أحكام الغنيمة والإماء الى تحليل الزيجات الأربع. ولو أراد الرجال اليوم أن يتزوجوا بنات بعضهم البعض كما فعل المسلمون الأوائل لعُدّ ذلك من فضائح العصر.
ثم ان عادة الحجاب لا تقدم ولا تؤخر في الأمور الأساسية والحيوية بالنسبة الى المسلمين، أي في ما يتعلق بقيم التعارف والتواصل والتضامن التي نصت عليها الآيات والأحاديث، بدليل أن الإسلام لم يتشكل على أرض الواقع بحسب لغة التعارف، بل تبعا لمنطق النبذ والاستبعاد، أو وفقا لحديث الفرقة الناجية وحدها من بين سائر الفرق.
ولذا فإن الحجاب لم يمنع ما اعترى المجتمعات الإسلامية من جمود وتراجع وانحطاط، كما لم يمنع ما ساد من فساد وفسق وفجور. بالعكس إن الجسد المحتجب تمام الحجب داخل القميص أو من وراء البرقع، لا يفكر صاحبه إلا بتمزيق الحجب وممارسة الانتهاكات الفاضحة.
ولا عجب، فالإمكان المتاح مع الحجب التام هو الكشف. وبالعكس، فالمتاح مع الكشف التام هو التقى. ولهذا قد يكون أهل السفور والعري أتقى بكثير من أهل الستر والحجب. وها نحن نبيح لأنفسنا أن نتحدث على الملأ ومن على الشاشة بمفردات الشرج والفرج لكي نؤكد أن على الرجل أن يبقى راقدا على امرأته حتى تبلغ شهوتها، في حين نحرم تلحين آية قرآنية على نحو فني جمالي، مما يدل على أن المطلوب ليس الحشمة ومراعاة الآداب، بل القبض على السلطة والتمسك بمنطق الفتوى أو الاعتصام بالنصوص بشكل أعمى.
المواطن والمؤمن
ارتداء الحجاب من جانب تلميذات مسلمات، في المراحل الابتدائية أو المتوسطة، قبل الدخول الى الجامعة، ليس لمصلحتهن على الإطلاق، لأن ذلك يسير ضد عملية اندماجهن في المجتمع الفرنسي، إلا إذا كن أو كان أهلهن لا يعتبرونهن مواطنات فرنسيات بل مسلمات مؤمنات، مغلبين بذلك الولاء العقائدي والهوية الدينية على الولاء الوطني والهوية الفرنسية. بذلك نعزز قول الرئيس الفرنسي بأن ارتداء الحجاب هو إشهار للهوية يتهدد الجمهورية ونظامها. هذا هو المأزق الذي تحشر فيه نفسها الفرنسية المسلمة، إذ باستخدامها الحجاب تعلن عن نفسها بوصفها الآخر، وتقدم الذريعة لكي تعامل كغريبة أو دخيلة أو مهاجرة. وإذا كان الفرنسيون ذوو الأصل المسيحي أو الخيار العلماني، يمارسون العنصرية ضد مواطنيهم المسلمين، فليس ذلك ذريعة لإشهار الهوية والتمسك بالحجاب من جانب هؤلاء، بل هو على العكس مدعاة لأن يتعقلوا لكي يتدبروا، بحيث يتدربون على ممارسة خصوصيتهم الثقافية بصورة تداولية، حتى لا تزداد المشكلة تعقيدا أو تأزما. فهذا هو المرمى في النهاية: أن لا تتحول هواجس الهوية الى فخ يلغم العيش المشترك ويزيد المسلمين عزلة. وذلك يتطلب أن نضع أنفسنا موضع الآخر، لكي نرى ما لم نكن نراه، بحيث لا نطلب المُحال العقائدي في بلد ناضل طويلاً ضد سلطة الكنيسة ووصاية المؤسسات الدينية على الشأن العام.
خداع الذات
لعل الأهم من ذلك كله أننا، في البلدان الإسلامية، لا نملك المصداقية والمشروعية، في ما يتعلق بحقوق الإنسان التي نرفع شعاراتها فقط عندما يتعلق الأمر بقضايانا ومطالبنا، دون أن يعني ذلك أن الإنسانية في الغرب هي في أحسن أحوالها وأفضل مثالاتها. ففي هذا العام بالذات تعرضت المرأة للعنف في فرنسا، بصورة غير مسبوقة، على ما ذكرت الصحف. ولكن ذلك لا يعني أن بوسعنا أن نعلم كيفية ضربها، على ما فعل أحد أئمة المساجد في إسبانيا. فتلك لغة تمتّ الى زمن مضى، على المستوى الحقوقي والتشريعي.
وهكذا، فنحن لسنا مؤهلين لإلقاء دروس على الفرنسيين والغربيين في هذا الخصوص، لأن إنسانيتنا هي في الحضيض الأسفل، من حيث العلاقة بالقيم والحقوق والحريات، كما تشهد صلات الطوائف بعضها لبعض، أو علاقة الحاكم بالمحكوم، أو حتى علاقة أهل الثقافة بعضهم ببعض، ناهيك بالعلاقة بين المرأة والرجل، من حيث أحكام ووصايا التزاوج والاستمتاع والمعاملة، كالجمع بين الأربع، أو زواج المتعة، أو النصح بضرب الزوجة، فضلاً عن الاستمتاع بالأنثى ولو رضيعة عن طريق الملامسة، كما يشرّع بعض فقهاء العصر. ولو شاء الواحد اليوم التمشي على مثل هذه القواعد والوصايا التي تمشى عليها المسلمون في صدر الإسلام أو كما جرى صوغها في مؤسسات التشريع الفقهي في ما بعد، لكان مصيره السجن بحسب القوانين المدنية. وهكذا نحن نطالب الفرنسيين باحترام حقوق الإنسان، على ما يطالب المتظاهرون في الساحات العامة، في هذا البلد أو ذاك، فيما لا نحسن سوى انتهاكها، كما تشهد على ذلك البلدان التي تسيطر عليها حكومات إسلامية، حيث الحجاب يفرض على غير الراغبات من مسلمات وغير مسلمات، وبصورة تعيدنا الى الوراء، أي الى ما قبل قاسم أمين وعصره الليبرالي التنويري.
مما يعني أن آخر ما نفكر فيه هو حرية الاعتقاد والتعبير، لأن ما نريده هو استغلال مناخات الحرية لاتخاذها ذريعة أو مطية لمشاريع وبرامج مضادة في أساسها للحريات والحقوق.
خلاصة ما يمكن قوله في المسألة، بأن معالجتها لا تجدي بمفردات العقل المطلق والقدسي أو الغيبي والمتعالي. فنحن نعيش على أرض الواقع الذي غدا اليوم واقعا افتراضيا متلفزا يمكن فيه للنساء أن يرين الرجال، وبالعكس، في مشاهد هي أبعد ما تكون عن الحشمة وأقرب ما تكون للفحس. ومن السذاجة أن نتمسك بغطاء الرأس، من باب الحشمة والأدب والابتعاد عن الإغواء، بينما بوسع امرأة تعتمر الغطاء أن تبدو أكثر إثارة بعينيها الجميلتين أو بشفتيها المكتنزتين اللتين تخضعان اليوم للتصنيع والتجميل، دون أن ننسى الصوت الذي قد يكون مبعث إثارة قبل سواه كما قال الشاعر.
ولا نخدعن أنفسنا لكي نمارس الزيف الوجودي. فكل ما نفكر فيه ونفعله له طابعه النسبي والمحدود أو المتغيّر والعابر، أياً كانت الأصول والنصوص، أي سواء كانت ذات مرجعية لاهوتية أم ناسوتية. ذلك أن قراءة النصوص وتأويلات الأصول وترجماتها على أرض الواقع الحي، هي في النهاية أعمال بشرية دنيوية، لها سياقاتها الزمنية والمكانية بقدر ما لها أدواتها ووسائطها المحدودة أو القاصرة أو الزائلة. الأولى أن نعمل على تغيير التشريعات التي تتعامل مع المرأة بفقه الأَمة والجارية والعاهرة، كما هي حال تشريعات متعلقة بزواج المتعة المدفوعة الأجر. وأياً يكن فالحياة هي أولى من العقائد والشرائع أو الأحكام والفرائض. فلا نبحث إذن عن الحلول القصوى والنهائية أو نزعمن الوفاء للمبادئ المطلقة، فيما نحن لا نحسن سوى انتهاكها على أرض الواقع اليومي والمعاش، حيث الأهواء والأوهام والعصبيات، وحيث استراتيجيات القوة وأنظمة المافيا، وحيث محدودية الآراء ونسبية المواقف وقصور الأدوات، أي كل ما يخفيه خطاب القداسة والألوهية من سلطة البشر بعضهم على بعض. أليس هذا ما يحجبه تمسك المحتجبة بغطاء الرأس بوصفه أمراً إلهياً: الخضوع لسلطة الذكر الأب أو الزوج أو الشقيق أو الشيخ أو الكاهن أو النبي، أي من يشتري من الناس أنفسهم أو يختم على أبصارهم.