أي سياسةٍ دنيئة وراء "تقديس السبت"؟

أي سياسةٍ دنيئة وراء "تقديس السبت"؟

أنطوان شلحت

في ساعة كتابة هذه الزاوية، كانت إسرائيل لا تزال تعيش تحت وطأة ضجّة دراماتيكية بشأن تشريع قانون جديد في الكنيست، ينص على وجوب إغلاق المحلات التجارية أيام السبت، احترامًا لقدسية هذا اليوم في الديانة اليهودية، وتأكيدًا على أن إسرائيل دولة يهودية قلبًا وقالبًا. ومع أن أوساطًا كثيرة تشير، من باب العارف، إلى أنه ليس من شأن هذا التشريع الجديد أن يغيّر واقع الحال القائم إلى حال آخر، مغاير ومناقض، فإن ما يرافق الصراع، بصدده، من تصريحاتٍ تُطلق على هامشه هنا وهناك، تكشف النقاب عن التجاذبات الرئيسة التي تشهدها الحلبة السياسية والحزبية في دولة الاحتلال خلال الأعوام القليلة الفائتة.

بدايةً، لا بُدّ من التنويه بأنه لا وجود بتاتًا لذلك الانشطار الثنائيّ الحادّ بين المؤيدين والمعارضين لهذا التشريع بإزاء قدسية يوم السبت، والدلالات التي تنطوي عليها هذه القدسية، فيما يرتبط بطابع إسرائيل الإثنيّ، بل على العكس ثمّة امتداد بين جميع القوى السياسية بهذا الخصوص. وهذا ما يدلّل عليه، مثلًا، تعليق الرئيس السابق لحزب العمل المُعارض عضو الكنيست، يتسحاق هيرتسوغ، إن يوم السبت أحد أهم أرصدة الثقافة اليهودية، وأول إنجاز اجتماعي حققه الإنسان العامل في التاريخ البشريّ.

إذًا علام تُثار كل هذه الضجة؟ إنها ضجة على ما ينبغي أن تعنيه شعائر الديانة اليهودية وقداساتها بالنسبة إلى طابع إسرائيل الآن وفي المستقبل، وإلى ماهية تعاملها مع الآخر في الداخل والخارج. وتندّ عن صراع رافق الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، واستعر بين تيارين: الأول رأى أن الهدف الأسمى لهذه الحركة أن تقيم "وطنًا قوميًا" لليهود، يتأدّى عنه تحولهم إلى شعب طبيعي، مثل كل شعوب المعمورة من طريق تجييش الدين. الثاني نظر إلى الصهيونية باعتبارها حركةً تسعى إلى إعادة بعث اليهودية، من طريق إقامة مجتمع مثالي، يكون "نورًا للأغيار". وهو التيار الذي بات يمسك بمقاليد الأمور في دولة الاحتلال الآن، مثلما نوه صاحب هذه السطور في أكثر من مناسبة. وفي الوقت الحالي، يتّهم دعاته أنصار التيار الأول بأنهم، بعدم تمسّكهم بكل تقاليد الديانة اليهودية، وفي مقدمها قدسية يوم السبت، يفتحون المجال أمام إمكان نزع الطابع اليهودي عن إسرائيل، بما يؤدي إلى الانصهار في الإقليم، أو مع سائر شعوب العالم.

ومثلما تؤكد وقائع كثيرة من الماضي والحاضر، في إسرائيل لا شعائر دينية من دون عنف، ولا قداسة من دون سياسة دنيئة، تلازمها مثل الظل. ولا يدور الجدل في هذا المحور، في الغالب، بشأن جوهر النصوص الدينية، بل حول تفاسير وفهم لليهودية والتوراة، بصفتهما "نظرية عرقية" و"عقيدة تمييز وعنف"، مثلما أشار، في الماضي، السياسي الإسرائيلي السابق، أبراهام بورغ، الذي يوصف اليوم بأنه "معاد للصهيونية ومؤيد للاحتلال العربيّ- الإسلاميّ وللقائمة العربية المشتركة في كراهية إسرائيل".

ولبورغ فصل مثير في كتابه السيري "لننتصر على هتلر" (2007) عنوانه "النظرية العرقية اليهودية أو النيو- يهود"، يلفت فيه إلى أن الحاخام يتسحاق غينزبورغ هو أحد محدّثي النظرية العرقية اليهودية المعاصرة وباعثيها، وأنه، وتلامذته، يؤمنون أنه ليس كافيًا درس التوراة نظريًا من دون تنفيذ الأفعال الشريرة الملازمة لها. غير أن غينزبورغ هو، في الوقت نفسه، حلقة راهنة ضمن سلسلة طويلة من فكر ديني وإبداع روحاني، يعتبران أن تفوّق اليهودي هو جوهر وجود "الروح اليهودية" ولبّه، وأن "أرض إسرائيل" موعودة حقًا لبني إسرائيل، أولئك الذين اختاروا أن يكونوا شعب الله، وأن يحققوا توراته فيها، لكنهم أصبحوا يخجلون الآن من القول إن شعب إسرائيل هو "نور للأغيار"، ويهابون القول إن بروفسورًا عربيًا هو أقل ذكاء من اليهودي، لكون هذا يُفهم كأنه عنصرية، وجزم أنهم "بذلك يريدون طمس ما كان واضحًا وبيّنًا حتى لدى جميع الأغيار بأن اليهود هم أولئك الذين منحوا الشعوب كلها الأخلاق والعقل".

(العربي الجديد)

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة