المركز العربي يطلق مؤتمر العلوم الإنسانية والاجتماعية السابع

المركز العربي يطلق مؤتمر العلوم الإنسانية والاجتماعية السابع
من المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر

انطلقت اليوم، السبت، أعمال مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية، الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في دورته السابعة في الدوحة لمدة ثلاثة أيام، وتوزّع فيه الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية.

وتجري أعمال المؤتمر وفق 4 مساراتٍ متوازية، يجري خلالها تقديم 72 ورقة بحثية تتسم بتنوع في المشاركين والمواضيع، وتتناول جوانب شتّى من مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية ومجالاتها؛ من فلسفة، وإبستيمولوجيا، وعلم اجتماع، وأنثروبولوجيا، ودراسات تاريخية، وجغرافيا، واقتصاد، وسياسات عامة، وعلم نفس، وغيرها من المجالات.

عبد الله حمّودي محاضرًا: سؤال المنهج في راهنيتنا

واستهلّ المؤتمر أعماله بمحاضرة عامّة قدّمها عالم الأنثروبولوجيا والأستاذ في جامعة برينستون الأميركية، الدكتور عبد الله حمّودي، تمحورت كان عنوانها "سؤال المنهج في راهنيتنا: اجتهادات في تصور علوم اجتماعية وإنسانية عربية"، وقدّم فيها إشكالية منهج العلوم الاجتماعية والإنسانية بالتركيز أولًا وقبل كلّ شيء على "الموضوع" بوصفه موضوعًا، محاولًا تحديد طبيعته من حيث هو موضوع.

وفي مقاربة حمّودي، يبدو المنهج لصيقًا بالموضوع، إذ يشتغل في قلبه النابض وكُنهه. ذلك أنه، وفي أول وهلة، لا يعني موضوع المنهج أكثر من الكلام والكتابة في مسائل أسس المعرفة وقواعدها، وتكون هذه الكتابات بهدف تعريف تلك المسائل وبسطها؛ بمعنى متعارف عليه هو موضوع البحث والكتابة في المنهج. وقد يكون المنهج في الكتابات والتدوين، ولكنه، أيضًا، يكون خارجها. وقد يُكيّف أي بحث جدي منهجه مع طبيعة الظواهر التي يخوض في تشخصيها.

وأكّد المحاضر على أنّ المنهج مفارقٌ في العلوم الاجتماعية التي اقتُبس منها على الاجتماع العربي بصفة عامة؛ وهي العلوم الأورو-أميركية. فالعلوم الاجتماعية العربية مقتبسة، لكن يسكنها على الدوام هاجس الخروج من تلك التبعية، وهو ما تمثَّل في النداءات من أجل نزع الاستعمار في ميدان المعرفة، ومشاريع نقدية معروفة في المغرب الكبير والمشرق، أتى بعدها مشروعٌ أكثر راديكالية، على إثر التيار الذي نشأ بفعل كتابات إدوارد سعيد في الاستشراق، وفي غيره من المعارف.

وقد تمثّلت النقطة المحورية في مقاربة حمّودي لسؤال المنهج في ما سمّاه "النقد المزدوج"، الذي لا يتمثّل في نقد المعرفة الأورو-أميركية فحسب، وإنما بالرجوع النقدي، أيضًا، وبنفسٍ طويل، إلى مقارنة ونقد الموروثَيْن معًا، أي الموروث العربي - الإسلامي والموروث الأورو-أميركي الذي انتشر عندنا بفعل الاستعمار وبفعل عوامل شتى، ومنها اليوم العولمة.

وتعد إحدى الخلاصات الأساسية التي خرج بها المحاضر هي أنّ سؤال المنهج يوجد في دينامية البحث، وليس في الكتابات المنهجية فحسب. "ففي تلك المساحة ما بين تجربة البحث وما هو كلام عن البحث ومناهج البحث في التدوينات المكتوبة، يوجد الفضاء الذي يتمظهر فيه المنهج أيضًا، ويُطرح فيه سؤال المنهج باستمرار؛ سواء كانت تلك المناهج مقتبسةً"، كما لاحظ، "أو في محاولاتٍ لإيجاد البديل في ما بعد، في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات في الكتابات العربية. على كلّ حال، هنا يظهر الشيء الذي يلحّ عليه، وهو ’الهوّة’ التي تمكّن المحاولات جميعها، وذلك من جرّاء الاقتباس، وحتمية الاقتباس، سواء كان هناك شعور بها من حيث إنها مشكل، أم لم يكن كما في التجربة المصرية الأولى".

والخلاصة أنّ تموقع المنهج في كتب المنهج وغيرها هي الظاهرة الأساسية لسؤال المنهج في الآن نفسه، وربما يكون هذا السؤال أكثر إبداعًا في الهوّة التي تتموقع كثيرًا بالصدفة خارج الكتابات المنهجية.

وعقب المحاضرة العامّة التي قدّمها الدكتور عبد الله حمّودي، بدأت أعمال اليوم الأول للمؤتمر.

المسار الأول: مقاربات فلسفية وإبستيمولوجية لإشكالية المناهج

في المسار الأول للمؤتمر، قدم الدكتور فتحي إنقزّو مداخلة بعنوان "الفهم والتفسير: مسائل المنهج وأصولها التأويلية في فلسفة ديلتاي"، رام من خلالها مراجعةً لمسألة جوهرية متعلقة بمنهج علوم الإنسان في سياقاتها التأسيسية الأولى في فلسفة فلهلم ديلتاي (1833-1911)، من خلال النظر في ثنائية الفهم والتفسير وتحليلها، بالنظر إلى ترددها بين سجلين اثنين: السجل السيكولوجي الذي يتصل بالبنية الباطنية للتجربة النفسية بوصفها مجموعًا مستقلًا بنفسه متضمنًا للتجارب والعناصر الأساسية للوعي، وما يُقام عليها من بنى عليا للوجود الاجتماعي والتاريخي، والسجل التأويلي الذي يقوم على قراءة العلامات والآثار والمعالم التي تتجلى من خلال العلاقة بالغير، وتتشكل في هيئات ونصوص ومدونات مشبعة بالدلالة والمعنى، ومعبرة عن تجارب الحياة وأشكالها الفردية والجماعية، وانخراطها في سياق تاريخي متصل. ثمّ أعقبها نابي بوعلي بمداخلة عنوانها "أزمة المنهج والعودة إلى السرد"، غرضها فحص التحول الحاصل في الموقف الفلسفي بخصوص المنهج العلمي في التاريخ؛ "انطلاقًا من الوضع الجديد للحالة التي هي عليها العلم اليوم في دائرة تصنيف المعارف، وحقيقة الصراع بين الذاتية والموضوعية في فهم وتأويل التاريخية التي فجرت الصراع المنهجي الذي شهد تحولًا حاسمًا مع الفلسفة التأويلية التي أكدت أن أفق الأسئلة المرتبطة بالتاريخ تتجاوز المنهجية العلمية، بل هي ذات تعالقات وتقاطعات مع مجالات أخرى بعيدة عن الهم الإبستيمولوجي والمنهجي"؛ ومن ثم الوقوف على هذا الفهم الجديد للعلوم الإنسانية "الذي لا يرمي إلى إدانتها، وإنما يحاول تجاوز العقبات بالانفتاح على معطيات وآليات جديدة تتيح إمكانية الفهم والتفسير من أجل توسيع الثقة بالعلوم الإنسانية التي تكشف عن خبرة أصيلة للإنسان".

ثمّ قدّم الحبيب الحباشي مداخلة "العلوم الإنسانية: إشكالية مناهج ودراسات إستراتيجية لتحقيق مقاصد إنسانية"، أعاد من خلالها طرح إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية على نحو جديد، أخرجها من الخصومات الفلسفية الكلاسيكية المذهبية الموزّعة بين رأيين متقاطبين ومتعارضين (طبيعاني وروحاني) إلى مقاربات إبستيمولوجية نقدية مفتوحة؛ "وهي مقاربات لم تعد تشتغل بسؤال ما إذا كان من الممكن، أم من غير الممكن، نسخ منهج العلوم الطبيعية وتطبيقه على حالات السلوك البشري وظواهره، بل صارت تشتغل بالتناسبات المفهومية والمنهجية والمقاصدية الممكنة بين العلوم الفيزيائية الكمومية والعلوم الاجتماعية والإنسانية؛ ومن ثم التخلص إلى معالجة إشكالية العلوم الاجتماعية والإنسانية، لا من حيث هي إشكالية اتّباع منهج أنموذجي واحد على نحو حصري، بل من حيث هي إشكالية مناهج متعددة ومتفاعلة، وعابرة للمجالات المعرفية، يتداخل فيها التفسير بالتأويل، ويدور فيها التحدي العلمي الأساسي على سد الثغرات وتحقيق الوصلات بين السلوك الظاهر وعمقه الخفي".

وفي الجلسة الثالثة والأخيرة لليوم الأول في المحور الأول، عاد منير الطيباوي في مداخلته "الاستتباعات الإبستيمولوجية لنقد مثنوية الواقعة/ القيمة على منهجية العلوم الاجتماعية"، إلى نقد هيلاري بوتنام لمثنوية الواقعة/ القيمة، كما أرساها هيوم وركّزها الخبريون المنطقيون، راصدًا الاستتباعات الإبستيمولوجية لهذا النقد على منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولا سيما علم الاقتصاد، كما مارسه أمارتيا سِنْ، وعلم الاجتماع كما صاغه ماكس فيبر. وبيّن الطيباوي أنّ هذا النقد يفرض تصوّرًا جديدًا للعلاقة بين الطبيعانية والمعيارية، وهي علاقة يتضمنها موقف إبستيمولوجي طريف بلوره بوتنام في السنوات الأخيرة من مسيرته الفلسفية، يسميه "الطبيعانية الليبرالية". ويقر هذا الموقف الذي يدحض، من الناحية السجالية، كل أشكال الطبيعانية الردية، بالأهمية القصوى للقيم في مجال العلوم الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بقيم إبستيمية أو بقيم إثيقية، لكن من دون ترك مجال، في العلوم، لما هو فوق طبيعي.

واختتم عبد الإله جفال هذا المحور في يومه الأول من خلال طرحه موضوع "إمكان تطبيق الفينومينولوجيا في فلسفة الأديان بوصفه حلًّا لمشكلة الحياد القيمي في هذا النوع من الدراسات"، وقد أشار من خلاله إلى القيمة التي يكتسيها موضوع الدين على المستوى الفلسفي أولًا، وعلى مستوى العلوم الإنسانية والاجتماعية كلها، إضافة إلى أن موضوع الدين يسجل في الآونة الأخيرة عودة على مستوى الطرح الأكاديمي لما تمتلكه الظاهرة الدينية من تأثير في عدة جوانب من حياتنا، وقد يكون كل ذلك بداية لحل مشكلتنا مع الدين؛ لأننا نعتقد جازمين أن الدين سيتحول إلى مشكلة في الواقع إن لم يُطرح من حيث هو مشكلة للتفكير.

المسار الثاني: مناهج علم الكلام الجديد

في المسار الثاني، ركّزت أعمال المؤتمر على مناهج علم الكلام الجديد. واستهلّها عبد الجبار الرفاعي بتقديم مداخلة موضوعها "علم الكلام الجديد والمفهوم الجديد للوحي عند مفكري الإسلام في الهند"، مقترحًا معيارًا يمكن على أساسه أن تصنّف مفكرًا بأنه "متكلم جديد"، وهو تعريف الوحي خارج مفهومه في علم الكلام القديم، بوصف تعريف الوحي هو المفهوم المحوري الذي تتفرع منه مختلف المسائل الكلامية؛ ومن أبرزها مسألة "الكلام الإلهي" التي كانت موضوعًا محوريًا لعلم الكلام القديم. وبناءً على ذلك، فإن كلّ من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي يمكن أن يصنّف تفسيره على أنه "علم كلام جديد".

وانطلق محمد بوهلال في مداخلته التي جاءت بعنوان "الكلام الجديد ومخاضاتُ التأسيس"، من قراءة نقدية في نصوص الموسومين بالمتكلّمين الجدد. واستئناسًا بأعمال ثلاثة أعلام بارزين منهم؛ هم محمد إقبال، وعبد الكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، توصّل الباحث إلى أنّ الطريق التي تُكّن الكلام الجديد من تحقيق مطلبَي العلمية والجدّة، وتحصيل الاعترافَين الأكاديمي والاجتماعي به، تتمثّل في النهوض بثلاثة أدوار متضافرة؛ هي الاضطلاع الروحي بالدين المحض، والدراسة النقدية للدين الممتدّ، والبناء الفلسفي للدين الملهِم.

الموضوع ذاته هو الذي خصّه إقبال بن خلف الله، في مداخلته "مقاربة مفهوم ’الإيمان‘ في علم الكلام الجديد: بين ’تجريبية‘ عبد الكريم سروش و’ائتمانية‘ طه عبد الرحمن" بالدرس والتحليل، عارضًا للتحوّلات التي طرأت على مفهوم الإيمان في الفكر الكلامي المعاصر، من خلال تقديم قراءة نقدية للمناهج الكلامية القديمة في تصوّرها لمقولة الإيمان القائم على الجدل الفلسفي والديني، والساعي، أيضًا، لامتلاك حقيقية الإيمان ودفع الخصوم للاعتراف بها، وإقامة الحجة عليهم. وهذا التصوّر للحقيقة المطلقة كان مبثوثًا في المدوّنات والمصنّفات الكلامية القديمة التي تتوسل بمناهج وآليات تقوم على المنطق الأرسطي التجريدي، مثل الاستدلال والمحاججة والمجادلة والإثبات وغير ذلك، وهي آليات ركّزت على البعد المعرفي النظري للإيمان وتناست، وأغفلت، أيضًا، البعد المثالي والروحي الذي يقوم على التجارب الدينية الفردية. ولعّل استمرار المناهج الكلامية التقليدية في الاعتماد على جملة الآليات المذكورة مثّل أرضية ملائمة للفلسفات المعادية للدين لتبرير رفضها المقولات الدينية.

كما ناقش حسين دباغ في مداخلته "هرمنيوطيقا تطور المعرفة الدينية في إيران ما بعد الثورة: من الإبستيمولوجيا إلى الفينومينولوجيا الدينية؛ عبد الكريم سروش نموذجًا"، نظرية عبد الكريم سروش في القبض والبسط، في مقارباته الثلاث، أي المقاربات الإبستيمولوجية والتأويلية والفينومينولوجية للدين، من خلال تقديم تأويلات إيمانويل كانط وويلارد كوين للقبض والبسط في المعرفة الدينية، مع تناول إبستيمولوجيا نظرية القبض والبسط وفينومينولوجيا ظاهرة الوحي، والإشارة إلى بعض القضايا بشأن الاعتراف بالخطأ ضمن القبض والبسط في المعرفة الدينية. تُحاجج الدراسة بأنّ دور الإقرار بالخطأ أمر أساسي في فهم مشروع سروش الإصلاحي؛ لأنه يربط بين إبستيمولوجية وتأويلية المعرفة الدينية عنده بالطريقة التي ينظّر بها بشأن الوحي فينومينولوجيًا. وهذا يعني أنه يجب فهم إبستيمولوجية وتأويلية وفينومينولوجية الدين مع مفهوم الخطأ.

وواصلت إيمان المخينيني، في مداخلتها "في تأويلية علم الكلام الجديد: من رهان المنهج إلى رهان الميتا-منهج"، السبر في مناهج علم الكلام الجديد، مبرزةً أنّ الفكر الكلامي، المرتكز على المقاربة الهرمنيوطيقية، أسّس لنقلة لافتة من الرّهان المنهجي إلى رهان ما وراء – منهجي، وقد بلغت هذه النتيجة بعد الوقوف أولًا على نقد بعض خواصّ مسألة المنهج في العلوم الإنسانية. وبهذا المعنى، تتخذ الباحثة مسافةً تمكّنها من مساءلة مفهوم المنهج ومن التفكّر في الدوافع العميقة لاعتماده سبيلًا إلى تحصيل المعرفة بموضوع ما، ومن الوعي بإشكالاته النظرية العميقة، فضلًا عن إشكالاته الإجرائية المباشرة.

وأخيرًا، اختتم محمد جبرون، بمداخلته "في أصول فقه القيم ومنهجه: دراسة في الأزمة المنهجية للفقه الإسلامي"، اليوم الأول من المحور الثاني بدراسة إشكالية الأزمة المنهجية المزمنة التي يعانيها الفقه الإسلامي، معتبرًا أنّ هذه الأزمة الفقهية الممتدة في العالم الإسلامي لا يمكن تجاوزها من داخل "البراديغم" الأصولي الكلاسيكي الذي أرسى قواعده محمد بن إدريس الشافعي، أو من خلال براديغمات "أجنبية" (غربية)، بل تقتضي براديغمًا فقهيًا جديدًا، يعترف بسلطة الإسلام على الحياة الخاصة والعامة من جهة، وينأى به عن مرجعية الشافعي و"الأصوليات" الفقهية الحديثة، حداثيةً (القطيعة) كانت من جهة، أو إسلاميةً (سلفية) من جهة أخرى.

المسار الثالث: مقاربات في مناهج العلوم السياسية والعلاقات الدولية

في المسار الثالث للمؤتمر، أعاد عبد الوهاب الأفندي، في مداخلته "عن السياسة والسياسي والنظرية: تأملات في السجال بين المنهج والنظرية في وظيفة العلوم السياسية"، معالجة سجال العلمية مقابل التوجه التأطيري، بمعنى الالتصاق بالواقع ومراعاة الإطار القريب والخصوصية، من منظور آخر. وإذ يرفض مقترح الباحث موقف أنصار "البريسترويكا" في التخلي تمامًا عن النهج العلمي، فإنه يطرح في المقابل نهجًا علميًا يأخذ تعقيدات السياسة وخصوصيتها في الاعتبار، ويقدم أمثلة تطبيقية أولية لذلك المنهج. وبناءً عليه، يقترح الباحث طريقة لتجاوز التفرقة المصطنعة بين دراسات المناطق والتنظير الأعم، حيث تطرح فكرة وجود متغيرات قد تفسر التطورات السياسية في ما يسمى "الدول المتقدمة"، وما يوصف بـ "العالم الثالث".

وركزّ حسن الحاج علي، في مداخلته "القدرة على الاستدلال: إسهامات التحليل التتبعي في بحوث دراسات الحالة"، على تحليل التطور الذي حدث في مجال الاستدلال العلمي في 3مجالات: أولًا، تفسير المخرجات؛ وذلك عبر تقديم تفسير كافٍ لمعضلة مخرجات في حالة تاريخية. ثانيًا، اختبار النظريات؛ وتكمن مهمة التحليل التتبعي هنا في استنباط نظرية من الأدبيات، والنظر في وجود مسببات مفترضة في الحالة محل الدراسة. ثالثًا، توليد النظريات حيث تسعى الدراسة لبناء نظرية عامة من بيانات تجريبية. وينطلق الباحث من أن الإسهامات المنهجية الجديدة للتحليل التتبعي قد نقلت البحث الكيفي، وبخاصة منهجية دراسة الحالة، إلى آفاق جديدة.

كما سعى سيد أحمد ڤوجيلي، في مداخلته "ما قل ودل: مبدأ الشّح والنزعة الميثودية في البحوث السياسية"، لإبراز مبدأ "الشّح" في حقل العلوم السياسية، والذي يعني استخدام "متغيّات قليلة لتفسير ظواهر كثيرة"، محاولًا استكشاف الأسباب التي تجعل الباحثين يتجاهلون مبدأ الشّح، مع أنّه قاعدة منهجية ملائمة لصوغ حجج بحثية بسيطة ومحدّدة، ومجادلًا بأنّ السبب الرئيس لميل الباحثين إلى الإكثار من المتغيّات (ظاهرة انعدام الشّح) هو النزعة "الميثودية" الطاغية على حقل منهجية البحث. وتكشف دراسة ڤوجيلي عن وجود ارتباط إيجابي بين الميثودية وانعدام الشّح؛ إذ يؤدّي الانشغال المفرط بالمناهج والدفاع عنها إلى إنتاج بحوث متقنة منهجيًا ومحقّقة إمبيريقيًا، لكنّها على الرغم من ذلك فاقدة النظرية.

وينطلق مهدي بنسليمان، في مداخلته "مقاربة مفاهيمية جديدة للصحافة السياسية: مجلة ’لوجورنال‘ المغربية نموذجًا (1997-2010)"، من تجربة المجلة المغربية المستقلة "لوجورنال"؛ هادفًا إلى إحلال مقاربة مفاهيمية جديدة لسلطة الإعلام، مفادها أن هذه السلطة تتبلور في إطار شبكة مترابطة من المفاهيم يدعم بعضها بعضًا: الكفاءة والاستقلالية والقيادة. وتبنَّى، أخيرًا، أطروحة مفادها إمكانية البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، على المستوى العربي، بطريقة مختلفة ومبتكرة، انطلاقًا من فرضية أساسية تتجلى في كون التحرّر الإبستيمي - المنهجي يعطي نوعًا من الابتعادية تجاه قراءة مهيمنة للحرية يتبناها الفاعلون (الصحافيون)، ويرسّخها باحثون في أبحاث أجنبية وعربية في دراسة وسائل الإعلام العربية.

المسار الرابع: المناهج السوسيولوجية والأنثروبولوجية

يكتسي المسار الرابع للمؤتمر سمتَين؛ سوسيولوجية وأنثروبولوجية. وقد استهلّ محسن بوعزيزي بمداخلته "المنهج والصّدفة: مقاربة غير المتوقّع"، هذا المسار، بالتفكير في نشاط الصدفة الذي ردَّه إلى ما بدا من صعوبة في فهم الظواهر الاجتماعية الراهنة وتفسيرها، خاصةً إذا كانت قصووية، تتخذ، استعارةً، شكل "زوبعة تخرج بغتة من بين مضيق جبل، فتأخذ معها الأخضر واليابس وتزول بزوال اللحظة. تاريخنا الحاضر، في جانب منه، يمضي مفتّتًا فلا نمسك بتماسك عناصره؛ لأن أحداثه تنبثق فجأة لتختفي في الإبّان". ويعرّف بوعزيزي الصدفة في مبتدئها بما هي "درجة الصفر في المعنى، غياب كلّ لأيّ علامة أو رمز أو مؤشّر في الحياة الاجتماعية؛ لأنّها تفتقر إلى الأصل، وفي خبرها انبثاق عاصف للمعنى من كلّ الاتجاهات، فنصبح مغمورين بها دفعة واحدة".

بينما يطرح عبد الحليم مهورباشة، في مداخلته "العلوم الاجتماعية من براديغم الفصل إلى براديغم التركيب: نحو طرح إبستيمولوجي بديل"، موضوع "براديغم التركيب" من خلال تحديد مفهوم العلوم الاجتماعية والبراديغم (النموذج المعرفي)، وتبيان المبادئ الإبستيمية لبراديغم الفصل في فلسفة العلوم الكلاسيكية، وانعكاساتها على العلوم الاجتماعية، التي حصرها في ثلاثة مبادئ رئيسة، هي: مبدأ وحدة المنهج بين العلوم، ومبدأ الفصل بين الظواهر أنطولوجيًا، ومبدأ الفصل المؤسساتي بين العلوم. ويوضح مهورباشة، أيضًا، طبيعة الأزمة الإبستيمولوجية التي تعانيها العلوم الاجتماعية، وقد ناقش البدائل المعرفية التي صاغها الباحثون لإخراجها من أزماتها المعرفية والمنهجية.

وحاجج إيليا زريق، في مداخلته "قضايا في تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية في العالم العربي"، في موضوع تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية بأنه، مثل جميع الأنشطة العلمية، يجب رعاية العلم الاجتماعي العربي والحفاظ عليه في مؤسسات مرنة قادرة على دعم البحث عن الحقيقة، بطريقة تحمي الفهم الموضوعي للواقع الاجتماعي، ومن خلال توظيف الوسائل الكافية المتمثلة في المنهجيات وأدوات التحري اللازمة.

أما منير السعيداني الذي قدم مداخلة عنوانها "التذويت والموضعة: الداخل والخارج في التحليل العلمي الاجتماعي"، فقد اعتبر أنّ نقطة انطلاق الداخل هي نقطة المنطق الداخلي الذي تشتغل على أساسه الحركة الاجتماعية؛ إذ يُحيل الشعار على "حقّ" ما وعلى مطالِبين محدّدين به من جهة، ويحيل من جهة أخرى على المطالَبين بإيصال ذلك الحق إلى مستحقّيه، وبوصف تيسير نفاذهم إليه واجبًا أخلاقيًّا وسياسيًّا مؤكَّدًا. وفي مستوى ثانٍ، يحاجج بأن نقطة انطلاق الخارج هي نقطة المنطق الاجتماعي الذي على أساسه تشتغل آليات التغير الاجتماعي وتُبنى مآلاته التاريخية.

خصّت آخر مداخلتين في هذا المسار المجال الجديد المتمثّل في علم اجتماع العالم الافتراضي. وقد سعى محمد أوالطاهر، في مداخلته "سوسيولوجيا التعليقات على الإنترنت: مدخل جديد لتفكيك جدلية الدين والتدين في خطاب المتلقي العربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي"، لأنْ يتناول ويطور مدخلًا نظريًّا في مقاربة جدلية الدين والتدين لدى المتلقي العربي، وهو مدخل البنيوية المطلقة الذي يرى أن ثمة جوهرًا قبليًا، ونسقًا ثابتًا، ونظامًا متماسكًا للخطاب، وهو ما يجعل المتلقي مفعولًا من مفعولات البنية، وليس فاعلًا فيها. وقد بيّن الباحث أن التجاوز للتحليل البنيوي في هذا الإطار ليس تجاوزًا مطلقًا وكلّيًا، بل إنه يتعلق بالانتقال من تحليل بنيوي ثابت إلى تحليل بنيوي متحرك يأخذ في الحسبان إرادات الفاعلين التي تنخرط في جدلية التأثير والتأثر بين سلطة البنية وعقلانية الفاعل.

وأخيرًا، سعت محجوبة قاوقو، في مداخلتها "المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية من خلال الحاسوب"، لمقاربة إشكالية تجديد مناهج البحث السوسيولوجي في ظل التحولات التي عرفتها المورفولوجيا الاجتماعية، من جرّاء ظهور المجتمعات الافتراضية بوصفها فضاءات جديدة للسكن في العالم افتراضيًا، وميدانًا للبحث الاجتماعي؛ إذ جعل هذا الشكل الاجتماعي الجديد من الشبكات الافتراضية فضاءً تنتج فيه مختلف أشكال الوثائق الاجتماعية، مشكِّلة بذلك مادة جديدة للبحث السوسيولوجي.