عقيل علي والشعر الاستراتيجي (ظافرٌ هوَ في شعره وفي حياته)

عقيل علي والشعر الاستراتيجي 
(ظافرٌ هوَ في شعره وفي حياته)

كثير من القرّاء والأدباء تساءلوا عن دواعي صمت عقيل علي طيلة سنوات عديدة بعد صدور مجموعتيه المعروفتين <<جنائن آدم>> و<<طائر آخر يتوارى>>. أنا نفسي اكتأبتُ نوعاً ما لهذا الصمت واعتقدتُه ناجماً عن المعيش الصّعب الذي اقتيد إليه الشاعر. لكنّ ما يعلنه لنا الشاعر العراقيّ خالد المعالي من استلامه قصائد جديدة كان عقيل قد أرسلها له قبل رحيله بفترة جاء ليبدّد مقولة الصّمت هذه. وإذا بقصائد عقيل غير المنشورة والتي طاب للأخ المعالي أن يطْلعنا عليها والشهادات التي وصلتنا عن حياته في الأعوام الأخيرة تلقي على كلّ من حياته وشعره إضاءات باهرة وتدفع إلى قراءة جديدة لكليهما. مقولة الصّمت نفسها تبدو لي الآن منسوفة من أساسها في حقيقة التناوب الذي عرفته مسيرة عقيل بين ممارسة متسارعة وشديدة التوهّج للشعر وتحويل للحياة نفسها إلى مراس شعريّ لا تعود القصيدة معه إلاّ تدويناً يعمل به الشاعر أو يستغني عنه لموقف شعريّ شامل يتخلّل الحياة ويخترقها لحظة بعد لحظة.

تشكّل <<جنائن آدم>> و<<طائر آخر يتوارى>> في الواقع عملاً واحداً مكتملاً، قصائد متلاحمة كتبها عقيل في موجة من <<الهوَس>> المبارك دام سنتين اثنتين (1978 و1979). تفضيل الناشرين مجموعات مقتصدة في الحجم هو ما دفعني إلى تجزئة القصائد إلى مجموعتين. وسيكون طيّباً أن تصدر القصائد في مجلّد واحد، متبوعةً بقصائده الجديدة غير المنشورة والتي تحمل عنوان <<فيما مضى>>، وهذا ما تعِد دار <<الجمل>> بتحقيقه في الأشهر المقبلة.

كتب عقيل مجموعتيه الأوليين، كما ذكرتُ، في شهور معدودة بعد مراكمة لقراءات بالغة الكثافة، خصوصاً للمتصوّفة وللشعر الأجنبيّ في أفضل ترجماته، اللبنانيّة بخاصّة، وكذلك في إثر تجارب حياتيّة لا تغيب عنها مسحة التمرّد ونشدان الخلاص أشير هنا إلى الأساسيّ منها. عندما عرفتُ عقيلاً (في 1971) كان عائداً من الكويت التي بلغ مشارفها ولم يتمكّن من اقتحامها. كان قد حاول دخولها دون جواز سفر، صحبة رفيق له، عامل يدويّ مثله. ولقد روى لي عقيل كيف كان المسافران السريّان قد قطعا المسافة على القدمين، سائرَين طيلة ليالٍ عديدة. كانا يسيران في الليل تخفياً عن دوريّات الحدود، وفي النهار يحفران خبيئات تقيهما أنظار الحرّاس ولهب أشعّة الشمس. كانت الكلاب، زمَر كاملة من الكلاب، تلاحقهما في الليل، فيسير أحدهما بضع خطوات، ويقوم الثاني بتخويف الكلاب بأنْ يرشقها بوابل من الحجارة، ثمّ يتوقّف الأوّل ويتأهّب للرشق فيما يتقدّم الثاني خطوات. وما إن بلغ الاثنان مشارف الكويت حتى تلقّفتهما دوريّة كانت تتعقبّهما ولا يعلمان. وأعيدا إلى العراق مطرودَين، بعد إيقافهما لأيّامٍ في مخفر للشرطة قال لي عقيل إنّه شاهد فيه سجناء تطأ لحاهم الأرض، يبدون مقذوفين هناك منذ عقود من السّنوات قابعين طيّ النّسيان.
بعد ذلك تمّ تجنيد عقيل وإرساله إلى كردستان ليخوض الحرب العراقيّة العراقيّة التي لم تكن هناك تخمد إلاّ ليشتعل أوارها من جديد. وما هي إلاّ شهور حتّى جاء عقيل مطروداً من الحرب <<لأسباب عصبيّة>> كما كان مكتوباً في دفتره للجنديّة. لا شكّ في أنّ الأطبّاء العسكريّين طردوه لا رأفة به بل خوفاً على معنويّات بقيّة الجنود من أن يعديهم هو بهذيانه. قرار الطرد هذا من حرب لم يكن هو ولا عامّة العراقيّين ليؤمنوا بها هو في اعتقادي أجمل وسامٍ ناله شاعر أبداً.

في السّنوات الأولى بعد هجرتي إلى باريس، حاولتُ اجتذاب عقيل إلى الهجرة، وحاولتُ ذلك ثانيةً بعدما أمضى هو في عمّان شهوراً عديدة في أعقاب حرب الخليج الثانية، قبل أن يقفل عائداً إلى بغداد. مأساة الشاعر أنّه غالباً ما كان يتعثّر بناصحين سيّئين. لمّا كنتُ لا أريد محاكمة أحدٍ باسم الصديق الرّاحل، فسأشير إلى هذا بسرعة ودون أن أسمّي أحداً. في المرّة الأولى، قال له شاعر عراقيّ معروف: <<كيف تسافر وكاظم لا يعِدك بعمل جاهز ينتظرك؟>>، فأحبطَ همّة عقيل.

كنّا جميعاً نعيش في الغرب من أعمال متقطّعة ولا أحد منّا مات جوعاً. ناهيك أنّ الشاعر السّيئ النّصح نفسه سيُيمّم بعد ذلك بعام واحد وجهه شطرَ لندن. في المرّة الثانية، كنتُ قد أشرتُ على عقيل بالاتّصال من طرفي ببعض الأدباء الفلسطينيّين، هم الوحيدون الذي أعرفهم في العاصمة الأردنيّة، لعلّهم يساعدونه في السفر أو في تأمين عملٍ ما. فخوّفه شاعر عراقيّ، معروف أيضاً، من مغبّة اتّصال كهذا، وصوّر له أنّه لو ذهب لمقابلة الفلسطينيّين لأعادوه مكبّلاً إلى رجال أمن صدّام حسين. لا أنكر أنّ بعض الإخوة الفلسطينيّين توهّموا في صدّام محرّراً ممكناً لفلسطين (وكأنّ الديكتاتوريّة قادرة على فعل تحريريّ)، لكنْ هل يعقَل أن يكون جميع الأدباء من بينهم على تنسيق والأمنَ العراقيّ؟ مع ذلك، يخامرني الاعتقاد بأنّ عقيلاً لم يكن ميّالاً للهجرة حقّاً، فما كان عليه لو أراد سوى أن يطرق أبواب منظمّة الأمم المتّحدة في عمّان، كما فعل كثيرون بينهم أحد أشقّائه. أعتقد بالعكس أنّ بقاءه كان ينسجم أكثر مع قرار فعّال، بدأ قسريّاً ثمّ حوّله هو إلى فعلٍ ومراس. للإبانة عنه أكرّس هذه الكلمة.

حتّى يحوّل شاعرٌ داخله المتألّم إلى حقيقة مشعّة يلزمه الكثير من القوّة والمكابرة والإيمان بالقصيدة كفعل خلاّق لا يقبل بأيّة مبادرة ناكصة أو ارتكاسيّة. كثيرون يسقطون في أحد فخّين: فخّ الشكوى المتكرّرة الذي ينتظر الطيّبين العديمي الحيلة، أو فخّ الضغينة المعمّمة والبرَم بالوجود كلّه والأحياء جميعاً، وهو الذي يتلّقف المعصوبين والعجزة. لن نزيد هنا حرفاً واحداً على ما قاله نيتشه أو وضعه على لسان زرادشت في هذا الخصوص، ولا على عبارة الفيلسوف الرّاحل جيل دولوز: <<بقدر ما يخطئ البعض في حياتهم يروحون يمارسون تصويب الآخرين>>.

هذه القدرة على <<شعشعة>> الجراح، كان عقيل متوفّراً عليها تماماً، بالرّغم من هشاشته الظاهريّة. <<فنّانون مُعافون رغم اعتلالهم>> أو <<معافون كبار بصحّة هشّة>> هي التسمية المُفارقة التي كان دولوز يطلقها على نيتشه نفسه وعلى آرتو وسواه ممّن تنقلب المعاناة لديهم إلى تهليل طويل ومنغّم للحياة. من هذه السجيّة كان ينطلق عقيل، وهي التي ضمنت له النهاية الظافرة التي توّج بها مشروعه الشعريّ وحياته. ظفر يتمثّل في حقيقتين لا يجادل فيهما حتّى أعداؤه ممّن أذاقوه الأمرّين، الحقيقة الأولى حياتيّة، وسآتي إليها، والثانية شعريّة، تتمثّل في قصائده الجديدة، وسأتوقّف عندها أيضاً.

من حيث الحياة، أشاع عقيل في العراق حالة شعريّة، وذلك حتّى في سنوات عزوفه عن الكتابة واكتفائه الظاهريّ بمجموعتيه الشعريّتين. في سنوات الحروب والقمع الحالكة تلك، يشهد جميع زائري العراق وجميع من تمكّن من أبنائه من الإفلات على أن <<مجلس>> عقيل، سواء كان ذلك في الحانات أو في الشوارع، كان يشكّل بحدّ ذاته مناخاً شعريّاً يقوم على تداول أخبار الشعر وترديد قبسات نادرة كان هو ينتقيها بعناية، وغالباً ما كان يشير عبرها، بنوع من التورية المفضوحة، إلى خراب الأحوال.

تجد في بعض روايات كافكا وملفيل وبيكيت ممارسة استفزازيّة للصمت والعزوف عن كلّ فعل عمليّ أو نفعيّ وضع فيها دولوز دراساتٍ فذّة. صمت وعزوف يمتزجان غالباً بنزوع تحرّري يعبّر عن نفسه بخفاء (كما في المقاومة السلبيّة)، وبهيام بالحياة يجد بياناً عنه في هيام شاسع بالمعنى الآخر للمفردة (الولع بالمشي باعتباره كناية عن رفض التقوقع والانحباس). وهما يبعثان نوعاً من الغيظ والاحتقان مخيفاً لدى رجال النظام العمليّ أو السياسيّ لأنهما يذكّرانهم بهشاشة جميع المقوّمات والأسس التي يقوم عليها عالمهم الاجتماعيّ والشخصيّ. فيعمدون إلى الهروب من أصحاب الصّمت هؤلاء أو الارتداد عليهم ارتدادة كاسرة تحيلهم في الغالب إلى أكباش فداء. يكفي أن تراجع حياة عقيل علي في الأعوام الأخيرة التي تشكّل مرحلة مفصليّة في تاريخ العراق حتّى تتأكّد أنّه قد عمد، بصورة متدرّجة ومنتظمة حتّى إذا كانت فطريّة (وهنا تتضاعف قوّتها)، إلى نوع من <<الكسل>> المعتدّ بنفسه والصمت المتكبّر المشفوع بممارسة شعريّة للحياة جاءت لتمدّد ممارسة بالغة الحيويّة للشعر. <<كسل>> ثمنه ولا شكّ باهظ، ولكنّه لم يتردّد عن دفعه بصورة لا يبالغ المرء البتّة إذا ما نعتَها بالبطوليّة.

شيئاً فشيئاً انسحبَ الشاعر من الأعمال اليدويّة التي أمضى في ممارستها شطراً واسعاً من حياته، وبسرعة مدهشة بدّد إرثاً يقول الأصدقاء إنّه ناله من والده، به عوّضت الدولة عن أراضٍ خرّبتها الحرب، وقرّر أن يتفرّغ للفعل الحياتيّ مفهوماً كممارسة شعريّة. كانت الحروب تخاض حوله والمشهد العامّ يتداعى قدّامه وهو يتنقّل بكسله الاستراتيجيّ وصمته الذي لا تقطعه سوى قبسات من شكسبير وميشو وآخرين. فاتحَ في البداية أصدقاءه بطلبات ماليّة ما كان لهم أنْ يوفّروها له، ثمّ، عندما تيقّن أنّهم فقراء مثله، اكتفى بنصب <<الفخاخ>> للمشهد اليوميّ حوله. كان يتبعه دائماً أنفار عديدون من عشّاق الشعر والتمرّد الصامت أو المتكتّم الذي بلوَر هو نهجه. هؤلاء كانوا في الغالب يحيطونه بصخب إنسانيّ يؤنسه ولا يُثريه. لكنّ الأخطر هو أنّ سموم الغيرة كانت غالباً ما تجعل آخرين ينقلبون عليه ليلتحقوا بمعسكر أعدائه الذين كانوا صنفين: عملاء النظام، أتباع عدي صدّام حسين ومحرّري مجلاّته الذين حاولوا تفنيد شاعريّة عقيل بالاستناد إلى صمته الذي كان بحدّ ذاته أبلغ من كلامهم المأجور. يليهم عجَزة المخيّلة ومثقّفو الضغينة. هؤلاء أخرجوا من مخيّلاتهم الناقصة شاعرَين مزعومَين وادّعوا أنّ عقيلاً كان قد صادر أشعارهما. لقد طرحوا اسمين، واحداً يمثّل مناضلاً فذّاً من أبناء مدينة الناصريّة كان قد آمن بالمقاومة المسلّحة لمواجهة البعث فأعدمته السلطة في 1973، وكان جبرا ابراهيم جبرا قد نشر له في <<العاملون في النفط>> قصائد تبدو جدّ مبتدئة بالمقارنة بأشعار عقيل. والثاني هو اسم مديرٍ للمكتبة العامّة في المدينة، كان متواضع القسط من الثقافة ونشرَ قصصاً هي أشبه ما تكون بخواطر أو صوَر قلميّة. هذه التّهم جاءت من أبناء <<الناصريّة>>، مدينتنا الأمّ أنا وعقيل، وسبق أن قال الجواهريّ: <<سلاماً أيّها النّاسُ/ فإنّ العِرْقَ دسّاس>>. المؤلم والبالغ الفظاظة في هذه الادّعاءات هو أنّها جرحتْ عقيلاً في حِداده الصّادق على هذين الأديبين الرّاحلين. هو نمط مّما يدعوه دريدا ب<<المضاربة على الموتى>> ينبغي التعفّف عن مناقشته.

بمرور السّنوات صار لعقيل أصدقاء كثر، وأصبح التقاؤه ومحاورته بمثابة محطّة إجباريّة لمن يزور العراق من الأدباء العرب. وفي خاتمة المطاف أبدى بعض أصدقائه ببغداد رأفة ووفاءً كبيرين، إذ وقفوا معه في أيّامه الأخيرة وقفة رائعة ونقلوا لنا أنباء ذهابه في منطقه <<الانشقاقي>> إلى أقصى غاياته. كان يرى أمامه شعباً كاملاً ينسفح على الطرقات فلم يتردّد في اعتناق الشارع كحقيقة ساطعة وملاذ نهائيّ. هذه الحقيقة تدلّنا على أنّ التعب كلّه الذي رافق التجربة، والذي نلاحظ اليوم مفجوعين أنّه انتهى بإماتة الشاعر بصورة عنيفة، لم يتمكّن من القضاء على إحساس بالفرح، فرح يرافق كلّ معيش رساليّ يصحبه إيمان بالمقدرة الذاتيّة وبالحياة، يشهد الجميع على أنّه كان يشكّل، في جميع الأحوال، السّمة الطاغية على عقيل. هذا الفرح الثمين وحده يثبت، إنْ كان من حاجة إلى ذلك، أنّ الشاعر أحسن اقتياد حياته وكتابته إلى ذروة ظافرة بالرّغم من الموت الذي جاء ليخترمها بصورة قاسية في إبكارها.

الوجه الثاني لانتصار عقيل يتمثّل كما قلت في قصائده الجديدة التي تدلّ على أنّ ينبوع الشعر لم ينضب عنده، وأنّه كان قادراً على استئناف الممارسة الشعريّة ما إن يخامره الإحساس بعدم كفاية الفعل الحياتيّ وحده، ما أدعوه بشعر الحياة أو الحياة نفسها وقد رقّيتْ إلى مقام القصيدة. هذه القصائد نفسها تحمل في بعض الصفحات بياناً عن فرحه ذاك ولا أكثر سطوعاً. لن أفسد بالتعقيب النقديّ قراءة هذه القصائد قبل أن تصدر في كلّ متلاحم، ولن أقوم سوى بمرافقتها ببساطة، منتخباً منها محاور تشير إلى فرحه هذا وتسمّي في بعض اللحظات التعب الضروريّ وتسارع في الوقت نفسه إلى <<تطويقه>>.

يقف بعض الأبيات شاهداً على وعي الشاعر بأنّ تجربة شرسة كهذه التي كان هو مندفعاً إليها يمكن أن تجد في الموت معادلها أو مآلها الإجباريّ. ومع ذلك فهو يتعامل والموتَ باعتباره لحظة كشف. هكذا كتب واصفاً استيقاظه المرير كلّ صباح:

مرارة طعم الرّيق صراخها لا يُحَدّ
وحريقها يشوي القلب
لحدّ أنْ يتعرّى التابوت من كفن الحقيقة

الحقيقة المتواضَع عليها والتي تشكّل للآخرين عرفاً ثابتاً هي الكفن الذي يتخلّص منه التابوت ليتجلّى في عريه الخاصّ فارضاً حقيقته الخاصّة.

بالمنطق المتحدّي نفسه يكتب الشاعر: <<الجرح يدلي بشهادته دون قسَم>>: لا حاجة بالجرح إلى قسَم، فهو محلّف نفسه ومُزكّيها، مثلما أنّ الشاهد، في عرف بول سيلان، <<لا شاهدَ له>>، ومثلما قال رينيه شار: <<إرثنا ليس مسبوقاً بوصيّة>>، فالشاعر الحقّ ينتزع ميراثه بنفسه، لا حاجة به لوصيّة من أحد.

يتخيّل البعض أنّ الارتماء في <<البؤس>> الماديّ أو في العُري، والسّعي في الأوان ذاته إلى إثرائه بمقاربة شعريّة للّحظات، هو مشغلة سهلة لا تعدو أن تكون ارتماءً في أحضان كسل ملائكيّ متقبَّل. بالعكس، يثبت لنا عقيل أنّ ذلك ينبع من قرار ومن مناورات مع الذات لا تهدأ. هوَ ذا يجترح من ذاته محاوراً داخليّاً يحاججه ويدعوه إلى أن يرى في الأشياء البسيطة حلفاءه الوحيدين:

يكفي أن تلامس تراب بيتك
وتقبّله
يكفي أن تحنو عليه
يكفي
أن تغنّي له بنعَمْ
ويكفي
أن تغنّي له بلا

وكذلك:

أنت تعرف جيّداً
أنّه في العتمة لابدّ أن يوجد
قليل من ضوء
الضوء الذي يسكن قلبَ
الجمرة الصبور
نواح مزمارك يتعالى ببطء
لكنّ نهارك لم يأفلْ
بل أذابَ التماعاته فقط

يلاحظ القارئ كم تجرّد الكلام هنا من جميع زياداته الشكليّة وصار لغة بوحٍ لا تنطق إلاّ بالأساسيّ. يلاحظ أيضاً هذا التوزيع <<المدوزَن>> بدقّة للأبيات، الذي كان في الواقع يميّز عقيل في سائر أشعاره. هي عَروض داخليّة حاذقة تتيح له أن يلمّ شتات جملة تجد نجوعها في الاجتماع وأن يعزل في سطر مستقلّ كلمة واحدة تبرز فضيلتها في الافتراق.

في لحظات معيّنة، يلتفت الشاعر إلى الجانب الأسود من التجربة، فيعرضه ولا يماري فيه. يتخيّل آنئذ حياته مسرحاً لغزوٍ شاسع ولمداهمات متكرّرة:

أمام أنظار الكون
غزاة يعبرون حياتي التي أنهكتْ
أبجديّتَها خمورُ الزّمان المعتّقة

لكنّه سرعان ما يعْلمنا بأنّ الأمر يتجاوز حقيقته الذاتيّة فيجعل منه شرط الكائن منذ أنْ كان. في الأبيات التالية للسابقة تماماً:

منذ قرون هابيل وقابيل
منذ يوم ميلاد أوّل بندقيةٍ صدئت
أسنانها
منذ خروج لسان الأفعى الذي
لحسَ الصلبان كلّها
منذ أن ضلّ الابن الضال
منذ أوّل إشارة لا تشير إلى اتّجاه
عضّتها أسناني
منذ أوّل حرف لثغ به لساني

لئن كنتُ أجد في <<الإشارة>> التي <<لا تشير إلى اتّجاه>> صدى لاختراق الشاعر للصحراء الفاصلة بين العراق والكويت والتي رأى هو فيها إلى امّحاء الصّوى الدالّة مراراً وتكراراً، فإنّنا نجد لتجربة الحرب في كردستان آثاراً في قصائد عديدة. كان عقيل قد كتب في مجموعة سابقة أن <<الحرب هي الأخرى تضليل لطيران الأطفال>>. وفي أكثر من موضع ترى إليه وهو يمارس نوعاً من المحاكاة السّاخرة (باروديا) للحرب، يصوّر فيها نفسه محارباً أو قائداً يتفقّد ممالكه الخربة كما يفعل هنري ميشو في قصيدته المشهورة <<ممتلكاتي>>. كتب عقيل:

أمسح مخاط كوخي بكُمٍّ تائه
وأفتتح خرائطي على سعتها
هنا وهناك تتقافز فوقها
بصمات مدنٍ ومخلوقاتٍ تركع
في نومها وتقبض على غزو
كاذب

ويومَ أجبروه أثناء الحرب العراقيّة الإيرانيّة على المساهمة في <<المجهود الشعريّ من أجل الحرب>>، كتب عقيل أبياتاً لافتة تميّزه عن أولئك <<المبوّقين>> للحرب، ولم يشأ له صدقه أن ينكرها فأدرجها في مجموعته الماثلة للنشر. بلا تطبيل ولا انفعال مشبوه، بل ببساطة شبه طفوليّة، راح يكرّر:

سيّدي
يا عراق
بين يديك قلبي
وفرحي وحزني
عيوني عليك
كلّ الحرائق فينا واليقين
أنت في
ما غادرتْنا شتاءات الجزيرة بعد
أنت معي
أنت في
ففينا صرخة أطفالنا
ودمعتهم
أنت معي
أنت في
في الخبز والماء
والملح

والبيت الوحيد الذي يتضمّن إشارة صريحة إلى الحرب هو بيت ساذج حتّى ليدفعك إلى الابتسام ويريك كم كان الشاعر بعيداً عن بلاغة الآخرين العسكريّة: <<من شدّة الضرب لم نصرخ/ لكنّهم همو صرخوا>>.

ما إن تفرغ من قراءة هذه الأبيات حتّى تعاود الالتقاء بنبرة الشاعر الحقيقيّة وهاجسه الأساسيّ: <<مازلتُ أنغرس في قشعريرة/ الأرض وأدكّ أوتادها/ وقناع حقيقتي قد تلوّث/ من البصمات>>. أو عندما يتكلّم عن نفسه بضمير الغائب: <<كان قد تنصّل من أعدائه تماما/ كان وحيدا/ آتياً من ظلال لا يعرف كنهها>>. كما يحدث غالباً أن يتوجّه إلى نفسه بضمير المخاطَب، مثلما عندما يقول مذكّراً نفسه بمسعاها الأصليّ:

تعال أيها الصبي
كي نتعلّم أشياء جديدة
فليس من السهل أن نقول كل ما نريد قوله
حياتك التفاتة للنور
وكذا إطراقتك

كان يبشّر نفسه بالنّور على معرفته بأنّ ميسم الظلام قد لا يفارقه أبداً:

أولئك الذين حدّقوا في الظلام كثيرا
لن يعرفوا البهجة
لن يسمعوا لهجة الشمس التي تصرخ من الألم
ولن يسمعوا أغنيتها الصادحة

يستوقفنا لدى عقيل بحث دائم عن الآخر أو الشبيه يلتقي وسجيّته الأكثر شخصيّة، ولعل <<بلاغته>> لديه مرّت بنوع من التأثّر الحاذق بميشو، صاحب <<أبحث عنك يا شبيهي>>، الذي كان عقيل يهوى قراءته مترجَماً. كتب عقيل:

تحت ظلّ الأشجار المعكوسة في الملح
وفي نقاوة الخبز
بلا إفسادٍ أرسمكَ إليها الوفي

كما كتب:

فرحي
أنْ أرفع غلالة الليل عن عينيه
هو الذي صنعتُ له مهداً من صلصال الموتى
الأحبّة
أولئك الراقدين وفراشات الأعاصير تدفّئهم
إنّه هو من انتظرت
شبيهي الذي سأعطيه قوّتي

هو إيمان نهائيّ بالرّفقة ومراهنة على الشبيه المختلِف، الكائن الغريب الأليف الذي بدونه تمعن الذات في فهرسة خرائبها المديدة. سعيٌ كهذا بقي الشاعر يطارده طيلة حياته، على حدسه استحالته أو موقوتيّته. في نصوص عديدة أكّد جيل دولوز على تأصّل هذا المسعى لدى كافكا وبيكيت وميلفيل وآخرين. هي محاولة يائسة وعنيدة لتشييد مجتمع الإخْوة فيه يتخلّصون من ظلّ الآباء وينطلقون من اليُتم كمعطى بدئيّ للتجربة. لكنّ مجتمع الإخوة غير منذور للتحقّق، وطويلاً يظلّ الأبطال الانتحاريّون والمشّاؤون الكبار المتخبّطون على أبواب <<القلعة>> ومشارف البلاد الأخرى يداعبون خياله الآفل وطوباويّته المتملّصة. ففي كلّ مرّة ينقلب بعض الإخوة إلى جهة السفّاحين أو يقوم فريق منهم بإعادة إنتاج السلطة ويحاول عبثاً تعجيز الآخرين بباعث من قصوره عن تجاوز عجزه هو.
أمام حقيقة اليُتم المعمّمة هذه، تبقى للشاعر المتوحّد صورة أمّه، تأتيه في بعض اللحظات بعزاء غير متوقّع. ببالغ الدفء والحنوّ والابتكار، ودائماً في قلب البساطة، كتبَ عقيل:

<<رسائل من أمّي
تصل مليئة بوعثاء سفرٍ طويل
مثلَ وريقات مبلّلة بعرَقِ كدحِ فضاءٍ شاسع
الفرح يجهش فيها بالفرح
يخرق سحاباتها طيرٌ أبيض يصدح بالأمل
نزواته حلوة مثل ثمرة أينعت تماماً
يطرّز حوافّها ضوء عاشق
ورغبات شمس ساطعة>>.



(كاظم جهاد- السفير)
------------------------------

*مات الشاعر العراقي عقيل علي، مهملا ومرميا في شوارع بغداد، مات مهجورا في محطة الباصات!!...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018