لنفعل شيئا ما/جهاد هضيب*

لنفعل شيئا ما/جهاد هضيب*

بدأ الأمر هكذا: إتصال تلفوني عن تغطية صحفية لمؤتمر حق العودة الذي انعقد مؤخرا في الناصرة الباقية. التغطية كتبتها الصحفية آمال شحادة مراسلة صحيفة الرأي. أوردت آمال شحادة في تلك التغطية اقتطاعة مما قاله في المؤتمر الأكاديمي إيلان بابه ويفيد بإيراده شهادة عيان عن الرقم الحقيقي لعدد ضحايا مجزرة الدوايمة التي جرت صبيحة التاسع والعشرين من تشرين الأول العام 1948.

لم يكن وَقْع هذه المعلومة سهلا. ذلك أن ما جرى جمعه وتوثيقه من أسماء يزيد على الثلاثمائة بقليل أما الذاكرة الشفوية فتقول بأنه بين الأربعمائة والخمسين إلى الخمسمائة. ما يعني أن هناك تطابقا بين الذاكرة الشعبية والوثائق الاسرائيلية.

ماذا نفعل نحن أبناء هذه البلدة حِيال معلومة أحدثت في وجداننا دويا هائلا؟. ماذا على أحدنا نحن أبناء الناجين من تلك المجزرة أن يفعل؟.

سابقا لم تكن هناك أية أفكار ذات بال تلِّحُ على وعينا الشقي باستثناء بعض الأفكار التي تؤكد على التمسك بحق العودة كسائر القرى والمدن الفلسطينية التي هُجِّر أهلها خلال هزيمتي 1948 و1967. غير أن هذا الأمر لم يكن مقنعا تماما. إنما يكفي للقول بأن يحدث شيئ ما أفضل من الصمت والسكون. وما جرى بصدد مذبحة الطنطورة وما خلص إليه الباحث الأكاديمي من تقعيد أكاديمي وتاريخي ودراسة الوثائق الأرشيفية للعصابات الصهيونية رغم نجاحه النسبي ظلّ يغذي مخيلة حلمية ما بإعادة إكتشاف أو الكشف عما جرى حقيقة في مذبحة الدوايمة.

خلال السنوات العشر الأخيرة تمّ جمع الكثير من شهادات العيان من الناجين من المجزرة مثلما جرى توثيق صفة البلدة شارعا شارعا وبيتا بيتا وخربة فأخرى وكذلك ملكية الأراضي وأسماء العائلات التي سكنت البلدة وتفرعاتها خلال السنوات الأربعمائة الأخيرة. وجرى أيضا جمع البعض مما كتب متعلمون عن تلك المجزرة عند حدوثها وبعد أن هجِّر أهلها إلى الوعر وقبل أن يبلغوا المخيمات التي ما زال الأغلب من بينهم يقطنونها إلى الآن بانتظار العودة .. ذلك الأمل الذي ما يزال يتشبث به الكثيرون لأسباب مختلفة من بينها الأسباب الإيمانية أي التمسك بالموقف الديني المعروف حيال ما يتعلق بفلسطين وقدسيتها وثمة الأسباب الوطنية المحضة وإيمانهم بحقوقهم الطبيعية والانسانية بل والمعرفية ووعيهم بما لحق بفلسطين كما أن البعض يرى في فلسطين آخِر جيب كولونيالي في العالم وأنها تخصهم ما دام ذلك الكولونيال قائما وتنطق فلسطين بلسان ليس هو لسان أصحابها الأصليين.

إن ما كتبته آمال شحادة وعلم به الكثير من أهل البلدة قد دفع بكل ذلك إلى الواجهة وأحيا الأمل مجددا في إعادة الاعتبار لما جرى في الدوايمة إنما أيضا تحوّل ذلك كله إلى سؤال.
ومن هنا تولد ذلك السؤال التالي : ما إمكانية أن نقيم مؤتمرا تاريخيا وحقوقيا ومدنيا نعيد فيه الكشف عما جرى بحيث يجري فحص المعلومة التي أوردها إيلان بابه في ورقته في مؤتمر الناصرة وبالتالي ما يتوفر من أرشيف ووثائق وبحيث يجري فحص الوثائق الشفوية المتوفرة وتوفير المزيد منها وهو أمر ممكن جدا وينبغي الإسراع فيه لأن كثيرين من شهود العيان قد انتقلوا إلى جوار ربهم ولم يسجل شهادته من بينهم سوى القليل وأما الأحياء فما يزالون في الأردن وفلسطين أكثر من أي مكانين في العالم؟.

واقع الأمر أننا أمام عمل يخص المؤرخ الباحث أكثر من أي نوع آخر من الباحثين وإذا أصابت الحماسةُ وحدها هذا العمل أصبح الألم غنائيا بحتا، أي سوف تطاله المبالغة وبالتالي تكون احتمالية تكذيب هذا الألم حقيقة واقعة دون فائدة تُذْكر ويصير ذلك هو الدلالة الكبيرة على أننا غير قادرين على تحويل ألمنا إلى قوة دافعة لخيرنا وخير بلدنا سواء أكنا فيه أم في الشتات وسواء أكنا موتى أم أحياء.

لنفعل شيئا ما مشرفا للواحد منا أمام نفسه وضميره وأمام العالم. ولو أننا ما نزال على قيد ألمنا فإن العالم عندما ينظر ينبغي أن نكون أقوياء ومصدر قوتنا هو حقنا التاريخي بروايتنا وحقنا بأرضنا التي كبرنا ولم نرها إنما يحدونا أمل قوي بذلك يوما ما وإن لم يكن ذلك أثناء حياتنا فليس هناك ما يمنع أن يكون أثناء وربما لا أدلّ على ذلك من أن الكثيرين منا يحفظون عن ظهر قلب صورة الدوايمة الجغرافية التي رأوها في أصوات كبار السن من أهلنا.

لنتداعَ ولنفعل شيئا ما.
إذا ما حاول أحدنا الحصول على نتائج حول مراكز البحث التي تناولت مجزرة الدوايمة عبر الموقع الالكتروني للياهو مثلا فسوف يحصل على مائة وواحد من المواقع ورد ذكر مجزرة الدوايمة فيها والأكثر ندرة من بينها هي مراكز البحث الأصيلة المعنية في موضوعها وعملها بقضايا اللاجئين والتهجير القسري مثل بديل – المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين وجامعة القدس المفتوحة ومركز الدراسات المعاصرة في أم الفحم وشمل – مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني والهيئة الفلسطينية لحقوق اللاجئينPalestine Land Society الذي يرأسه د. سليمان أبو ستة أحد أبرز نشطاء حق العودة.

تُرى هل من الممكن جمع الخيوط بين هذه المراكز والباحثين المختصين بالتاريخ الشفوي والرواية الشفوية الفلسطينية؟ ينبغي لشيء من هذا القبيل أن يحدث. لكن من أين نبدأ؟ علينا أبناء بلدة الدوايمة بتشكيل هيئة أو لجنة أو ما يمكنه أن يمثّل نسبيا أهل البلدة وبحيث تكون هذه الهيئة أو اللجنة قادرة على أن تشكل عقدة إتصال بين تلك المؤسسات والمراكز وبين شاهدي العيان وما تمّ جمعه من روايات شفوية وتوفيره للباحثين وبحيث يكون من الممكن عقد مؤتمر أو أكثر من مؤتمر أو حتى أي شيء آخر يسهم في كشف الحقيقة وتعزيزها أكاديميا.

لنتداعَ ولنفعل شيئا ما.

*صحفي في جريدة الدستور - عمان

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018