جولة في القرى الفلسطينية المهجرة (الحلقة 5 ) أرض الخيط/ د.مصطفى كبها

جولة في القرى الفلسطينية المهجرة (الحلقة 5 ) أرض الخيط/ د.مصطفى كبها

نزولاً عند رغبة صديقنا الباحث إبراهيم عبد الكريم، وتكريماً لجهوده البارزة في في كتابة التاريخ البلداني الفلسطيني، يممنا، هذه المرة، شطر الشمال حيث منطقة بلاد الخيط (قضاء صفد ) وزرنا تحديداً قريته مغار الخيط وجاراتها قباعة وفرعم وعموقة وخربة يردة وأكراد الخيط (البقارة والغنامة ).

في طريقنا نحو الشمال اصطحبنا الأخ محمود مريسات (أبو عادل) من عرب السواعد، ومعاً قطعنا ما تبقى من طريقي جبلي رائع الجمال إلى طوبا حيث قصدنا بيت الحاج محمود موسى حسين الهيب (أبو حميدي )، الذي غمرنا هو وأولاده (أبو جاسم على وجه الخصوص) بكرم الضيافة العربية الأصيلة، وكان لنا خير المرشد والرفيق في رحلتنا في أرض الخيط والتي استمرت أربع ساعات من عصر يوم الثلاثاء الموافق 14/03/2006.

تمتد أرض الخيط من المنحدرات الشرقية لجبل كنعان وحتى حافة الشريعة (نهرالأردن) في الشرق، وبحيرة الحولة في الشمال. وقد كانت الأراضي الزراعية في هذه المنطقة ملكاً لقرى مغار الخيط، فرعم، القباعة، ماروس، الملاحة، زبيد إضافة لملاكين كبار من صفد وسوريا ولبنان، وبعض هؤلاء (من كبار الملاكين) باع قسماً من أراضيه للوكالة اليهودية التي أقامت عليها المستوطنات اليهودية الأولى في المنطقة.

خرجنا إلى مغار الخيط من طوبا في سيارة جيب يملكها أبو جاسم مضيفنا حيث أجتزنا وادي المنطار (على اسم الولي أحمد المنطار ) ومفرق حتسور، وفي الطرف الجنوبي الغربي لمستوطنة حتسور دخلنا طريقاً ترابياً قادنا بعد دقائق معدودات إلى داخل أطلال مغر الخيط التي بدأ الحي الجديد من حتسور يغزو جدران صبرها، التي كانت قبل عشر سنوات (عندما زرتها للمرة الأولى) الحد الفاصل بين ما تبقى من المغار وبيوت المستوطنة التي يسكنها على الأغلب يهود من أصل مغاربي.

كانت القرية قائمة على منحدر شديد في قسمها العلوي وعلى منبسط يفصل بين أقدام جبل كنعان وأرض الخيط في قسمها السفلي. وقد فصلت بين القسمين طريق كانت تأتي من الجنوب من جهة الجاعونة (تبعد 4 كم إلى الجنوب ).وفي المدخل الجنوبي للقرية، على يسار الداخل، يتواجد المبنى الوحيد المتبقي من القرية وهو مبنى استعمل كما يبدو كمطحنة حبوب ومعصرة زيت.

يتكون المبنى من غرفتين وفيه ما زال يتواجد يتواجد حجر رحى ضخم كان يستعمل لطحن الحبوب ودولاب حديدي ضخم في وسطه لولب كان كما يبدو يستعمل لعصر الزيتون. وضع المبنى ما زال جيداً،نسبياً، رغم آثار الهدم والتهالك البادية على شرفته الشمالية، وعلى جدرانه حفرت شعارات منددة بساكنيه الأوائل أو أسماء عشاق زاروا المكان وخلدوا لحظات متعة قضوها هناك بالحروف الأولى من أسمائهم، وقلوب نقشت بلون الفحم تخترقها سهام تعددت ألوانها وأشكالها.

على باب المبنى تتواجد خمس شجرات لوز ضخمة تجلل بعضها بلون النوّار الوردي والأبيض (لوز الفرك)، بينما كانت بينها شجرتان من" اللوز الدقّي "الذي بدأت ثماره بالتبلور فأكلنا من ثمارها، واعتبرنا ذلك ضيافة من زميلنا إبراهيم عبد الكريم الذي دعانا، من بعيد، وما كان باستطاعته تضييفنا وأن يكحل عينيه برؤية بلده أويذوق ما ذقناه من طعم اللوز الرائع الذي اختلطت حموضته بعبق الأزهار التي أحاطته. علماً بأن جيران إبراهيم من طوبا قاموا بواجب الضيافة خير قيام.

من بناية المطحنة توجهنا نحو الشمال الغربي حيث تواجدت عين الطنطاوي التي ارتوى منها أهل القرية وسقوا مواشيهم. ومن أعلى نقطة في القرية ( حيث يتواجد اليوم فندق قروي وهو قابع بين الأشجار الحرجية المحيطة بالقرية ) رأينا بساتين الزيتون التابعة للقرية، وقد أمتدت حتى حافة الطريق الرئيسي أسفل الجبل وهي ما زالت قائمة على التقسيمات التي تركها عليها أهلها بشكل يختزل الثماني والخمسين سنة وكأنهم غادروا المكان قبل وقت قصير ليس إلا.

بلغت مساحة أراضي القرية قرابة ال-8000 دونم كان معظمها من الأراضي المفروزة وبعضها القليل (250 دونماً) كانت مسجلة كأراضي للوقف الإسلامي.

زرعت أراضي القرية ببساتين الزيتون والعنب والغلال والدخان وخصص قرابة ربعها للمراعي، حيث امتلك سكان القرية قرابة 600 رأس من الماعز والغنم البيضاء و300 رأس من البقر وخمسين حصاناً. كان لبعض عائلات صفد الغنية أملاك في أراضي القرية أمثال عبد الهادي الأسدي، حسن سليم الحسن وعائلة جريس الصبّاغ.

أما سكان القرية فقد كان عددهم قبل التهجير قرابة 700 نسمة، وكانت كبرى العائلات فيها عائلة بركة التي ينسب لأجدادها تأسيس القرية وبعد ذلك جاءت إليها بعض العائلات الأخرى.

حاولنا الوصول من أطراف القرية إلى جارتها قبّاعة ولكن بناة الحي الجديد من حتسور كانوا قد سدوا الطريق الترابي الذي كان يربط القريتين والذي كان مفتوحاً، حسبما قال دليلنا أبو جاسم، حتى أشهر قليلة خلت.

وقد أجبرنا إغلاق الطريق على سلوك طريق إلتفافي قادنا إلى نقطة قريبة من قباعة، والتي لم يبق من معالمها إلا أكوام من الحجارة وعين الماء الجارية، التي ترفد وادي القباعة الذي يمر شمالي مغر الخيط، ويصب في وادي المنطار غربي طوبا ومن هناك يتوجهان سوية نحو نهر الشريعة (الأردن).

ارتبطت قباعة بالعالم الخارجي عن طريق سيارت كان تأتيها من جهة صفد، وطريق اقل سهولة كان ينزل إلى أرض الخيط عن طريق وادي العروس.

بلغت مساحة أراضيها قرابة 9000 دونم زرعت بالزيتون والتين والعنب واللوزيات، أما عدد سكانها فكان عشية التهجير قرابة 600 نسمة. كانت العائلات الكبيرة فيها عائلتي الرفاعي (كان عميدها محمد عبد الغني الرفاعي ) وعائلة المعاطية (كان عميدها علي المصطفى ).

بعد زيارتنا لمغر الخيط والقباعة زرنا كلاً من فرعم وعموقة وأكراد الخيط وعن ذلك سنفصل في حلقة قادمة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018