جولة في القرى الفلسطينية المهجرة - إجزم (الحلقة 9)د.مصطفى كبها

جولة في القرى الفلسطينية المهجرة  - إجزم (الحلقة 9)د.مصطفى كبها

نستمر في هذه الحلقة بتجولنا في منطقة الكرمل الجنوبي، وبعد أن زرنا في الحلقة السابقة قرية عين غزال، نزور هذه المرة الضلع الثاني من " مثلث الرعب " بل قاعدته وضلعه المركزي، قرية إجزم، عاصمة المنطقة كلها في أيام خوال، المطلة بجلال من نشز دائم الخضرة على شاطئ البحر المتوسط القريب الساحر.

تقع إجزم عل بعد عشرين كيلومتراً، تقريباً، جنوبي حيفا وثماني كيلومترات من شاطئ البحر. زرتها هذه المرة مع الصديقين وديع وبكر عواودة وعائلاتنا الثلاث، وذلك في إطار جولة ضمت بعض قرى الروحة وجنوب الكرمل.

كان ذلك يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر نيسان 2006. كان رد فعلنا الأول هو الاندهاش من الخضرة الطاغية على مناظر القرية والتي لم تتأثر، كما يبدو، من أشعة الشمس اللاهبة للأيام الأخيرة والتي أحالت خضرة الربيع في الكثير من المناطق إلى صفرة فاقعة ممضة.

الذي يميز إجزم عن مثييلاتها من القرى الفلسطينية المهجرة أن العديد من مبانيها لم يدمر بل ما زال موجوداً، بعضه يستعمل من قبل الساكنين الجدد (كقلعة آل الماضي والمدرسة التي غدت كنيساً (انظر الصورة المرفقة)، وبعض البيوت المبنية من الحجر النظيف التي حولت إلى بيوت سكن فاخرة)، والبعض الآخر مغلق ( كمسجد القرية الذي حوى أيضاً داراً لتحفيظ القرآن الكريم أدارها الشيخ العلامة الصوفي يوسف النبهاني صاحب التصانيف الكثيرة في التصوف والفقه الإسلامي، والذي توفي ودفن في إجزم عام 1930). وعلى ذكر مسجد إجزم الكبير، (الذي وجدنا البوابة الموصلة إليه موصدة، هذه المرة، ولم نفلح بدخوله) فقد رأيت في زيارة سابقة أن الكثير من النقوش والزركشات قد تقشرت وسقطت ( كما يبدو من رطوبة المكان بسبب إغلاقه المستمر!) ولم تبق إلا الآية القرآنية التي تبدأ ب " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا... ".

كذلك حصل بعض التآكل في بيتين من الشعر نقشا عل الباب الخارجي للمسجد، من جهة الشمال، وقد جاء في الشطر الأول منهما : "مسعود شاد فأجزلن ثناءه "، والاشارة هنا لمسعود الماضي الذي حكم إجزم والمنطقة في أوائل القرن التاسع عشر، وأمر ببناء هذا المسجد الواسع المكون من طابقين وصحن واسع مبلط، استعمل الطابق الأول للصلاة، في حين تواجد بأطراف صحن المسجد صفان من الغرف الصغيرة التي استعملت ككتاتيب لتحفيظ القرآن.

أما الطابق الأسفل فقد أجره القيم على المسجد من قبل المسجد الاسلامي الأعلى لأصحاب الدكاكين والمحال التجارية. كان إمام المسجد عشية النكبة الشيخ حميد الحبيشي من عكا.

بلغت مساحة أراضي إجزم 45000 دونم، نصفها من الأراضي السهلية التي زرعت بالغلال والخضروات والتبغ، أما النصف الأخر فقد زرع بالفواكه والزيتون والتين.

كان حول إجزم مجموعة من الخرب التي استعملها بعض سكان القرية كعزب لتربية المواشي والزراعة، ومن ثم تطورت لأماكن سكنى دائمة، نذكر منها خربة قمبازة الواقعةعلى بعد 3 كم شمال شرقي إجزم وبجانبها خربة المنارة، خربة الفشة التي سكنتها عشيرة الوشاحية وهي تقع على بعد 7 كم شرقي إجزم، خربة أم الدرج (التي وقعت بها معركة شديدة بين الثوار بقيادة يوسف أبو درة وقوات بريطانية في أيلول 1938 وخلفت عشرات القتلى، حيث كان سبعة منهم من سكان إجزم ) وهي تقع على بعد 4 كم شرقي القرية، وخربة الماقورة الواقعة 2 كم شرقي إجزم، وقد أقام فيها علي الماضي (ابو مازن) بيتاً بجانب عين ماء جارية، ولم يغادر بيته بعد التهجير وخاض جولات من المحاكمات التي أفضت في النهاية إلى تثبيته على قدر قليل من أراضيه، حيث يقوم البيت وبعض الدونمات من حوله. توفي الرجل عام 1994 بعد أن كان قد دأب على فلاحة الأرض وزراعتها حتى بعد تجاوزه سن الثمانين. وما تزال زوجته وبعض أولاده يقيمون في البيت حتى اليوم رغم صعوبة الظروف وشظفها وعدم توفر وسائل الراحة( لم يحظ ساكنو البيت بربط بيتهم بشبكة الكهرباء التي لا تبعد أعمدتها أكثر من بعض مئات الأمتار).

أما سكان القرية فقد بلغ عددهم عشية التهجير قرابة ال-4000 نسمة،وقد تكونت من عائلات عدة نذكر منها : الماضي، زيدان، البلالطة، الطوافشة، محسن، أبو حمدة، الواوي، الأبرص، جياب، أبو شقير، عبد المعطي،درويش، تركي، أبو عابد، أبوسرية، أبو خليفة، الفرايزة وأسعد.

إعتاش معظمهم من الزراعة وتربية المواشي. في حين عمل قسم لا يستهان به في سلك الوظائف الحكومية، بعضهم في جهاز التعليم نذكر منهم فلاح محمد سعيد الماضي الذي كان مديراً لمدرسة سمخ، وأخاه عرسان الذي كان معلماً في حيفا، وفاضل موسى زيدان الذي كان معلماً في حيفا، وتوفيق مراد الماضي الذي كان معلماً في البصة (قضاء عكا ).

كما وعمل في سلك الأشغال العامة والخدمات كل من الشيخ قاسم الأحمد في دائرة الأحراج في زمارين، حسين أبو هريس في دائرة البريد وحسني نمر الماضي الذي كان سكرتيراً في دائرة الأراضي (الطابو ) في حيفا. كما وتجند في سلك البوليس البريطاني قرابة 20 مجنداً، كان أعلاهم رتبة عبد الله حسن زيدان الذي وصل إلى رتبة عقيد في مركز بوليس حيفا.

كان في القرية مدرسة انتقلت إلى بنائها الحديث المكون من 12 غرفة في منتصف الأربعينات وقد عمل في هذه المدرسة 18 معلماً وتعلّم فيها قرابة 300 طالباً.

من الناحية السياسية انقسمت القرية إلى قسمين : قسم أيد الحسينيين بزعامة الزعيم الاستقلالي المعروف معين الماضي وأخيه أسعد، وقسم أيد المعارضة النشاشيبية بزعامة نايف ومحمود الماضي.

وقد أثر هذا الإنقسام بشكل كبير على الفعاليات الوطنية في القرية والقضاء، خاصة في المراحل الحرجة أثناء ثورة 1939 -1936 وفترة 1948 -1947. ومعين الماضي كان زعيماً على المستوى القطري الفلسطيني وعلى الصعيد القومي العربي العام فهو خريج جامعة السوربون وجامعة استانبول في موضوع المحاماة، ومن منظمي مؤتمر الجمعيات القومية العربية في باريس عام 1913. وقد كان كذلك من أركان الدولة القومية التي انشأها الملك فيصل في دمشق في 1918 -1920 ومن العضاء المؤسسين للفرع الفلسطيني لحزب الإستقلال، كما كان عضواً في اللجنة التنفيذية برئاسة موسى كاظم الحسيني والهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني.

كانت القرية نشيطة جداً في ثورة 1936 -1939، وقد أقيمت فيها ثلاثة فصائل عملت تحت إمرة القائد يوسف سعيد أبو درة، كان قادتها كل من: أحمد عبد المعطي، عبد القادر أبو حمدة وأحمد زيدان. وقد كان عدد الثوار فيها قرابة ال- 70 ثائراً. ك

ما وعملت في القرية ومحيطها محكمة فرعية للثورة ضمت كل من أحمد يونس أبو حمدة، العبد الصالح، حسن سليم الماضي وعلي أحمد الشيخ حسن.

وقد استشهد من أبناء القرية في الثورة قرابة ال - 15 ثائراً نذكر منهم : أحمد قاسم التركي ( أعدمه البريطانيون بعد أن قبضوا عليه )، عقاب محمد الناصر، محمد الشنبور، محمد أحمد الحسين، عبد الرحمن العبد، زعل التركي، موسى عبد الرازق أبو حمدة، صبري احمد زيدان وتوفيق محمود الحامد.

كانت إجزم، كما أسلفنا القول، ضلع القاعدة في مثلث الرعب ( إجزم، جبع، عين غزال)، صدت منذ بداية الحرب هجمات عدة استهدفت السيطرة عليها، وذلك من قبل رجال فرع النجادة في القرية، مفرزة صغيرة لجيش الجهاد المقدس ومفرزة من المتطوعين العرب (خاصة من العراقيين).

وقد بقيت صامدة حتي الرابع والعشرين من تموز 1948 حيث دكت مواقع المدافعين عنها دكاً بواسطة قصف جوي إسرائيلي مركز، ولم يكن للمدافعين أية وسائل للدفاع الجوي، في حين لم تفلح بعض الطلعات للطائرات العراقية بتخفيف وطأة الهجوم الذي انتهى باحتلال القرية وتهجير معظم سكانها.

بقي جزء صغير منهم مع محمود الماضي حتى عام 1951 حيث تم اسكانهم في الحي الغربي من القرية، ولكن عقدهم انفرط بعد مغادرة محمود الماضي القرية إلى حيفا وإقامة مستوطنة "كيرم مهرال" في باقي أجزاء القرية. فتم ترحيلهم إلى الدالية وعسفيا والفريديس وبعضهم التحق بعائلاتهم في جنين وباقي مخيمات اللاجئين. لجأ معظم مهجري القرية إلى العراق وهم يعانون اليوم، على أثر الاحتلال الأمريكي في آذار -نيسان 2003 ضائقة كبيرة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018