غجريٌ أنا، أحبّيني!../ علاء حليحل

غجريٌ أنا، أحبّيني!../ علاء حليحل

إستضاف "بيت الموسيقى" في شفاعمرو، في عروض مهرجانه الموسميّ لصيف 2006، الفرقة الموسيقيّة الفرنسيّة صاحبة الشهرة العالميّة BRATSCH (براتش)، في عرض شهدته مدينتا حيفا والناصرة، قبل حوالي الأسبوعين.

وفي البيان الصحافي الذي أصدره "بيت الموسيقى" ورد أنّ فرقة "براتش" تقدم "الموسيقى الإثنيّة الشرق أوروبيّة والغجريّة، وهي تجمع ما بين نكهات ومؤثّرات موسيقيّة متعدّدة تمتدّ من مركز أوروبا وحتّى بدايات الشرق الأوسط". كما أنّ الأمسية جرت بمشاركة المركز الثقافي الفرنسي حيفا/الناصرة في احتفاله بعيد الموسيقى الفرنسي FETE DE LA MUSIQUE.

الحقيقة أنّ كلّ أمسية كهذه يبادر لها "بيت الموسيقى" هي مغامرة بحدّ ذاتها، وقد علمتني التجارب أنّ بعضها ممتاز وبعضها جيد وبعضها سيء، وليس في هذا بأس أو غضاضة. فـ "بيت الموسيقى" يسعى دائمًا، وضمن مهرجاناته ونشاطاته، إلى تعريف المشاهد والمستمع العربي بأنواع وتيارات موسيقية شعوبية غريبة عنا، قد نسمع عنها شذرًا، إلا أنّ غالبيتنا الساحقة لا تفقه بها فقهًا. فهذه ليست المرة الأولى التي يجلب لنا فيها بيت الموسيقى فرقًا موسيقية أعجمية (وغريبة عنا) وغير مألوفة، ولا تحضرني الآن أسماء الفرق التي شاهدتها في السابق في ضمن هذه النشاطات، إلا أنني بالتأكيد أذكر نفسي منفعلاً من راقص الفلامنكو الساحر قبل سنتين ومن الموسيقى الكردية التي أداها لنا عيسى حسن، وغيرهما، والحديث يطول ولا مجال للاستعراض العرضي أو الطولي.

وإلى جانب أنّ فرقة "براتش" أدّت عرضًا جميلاً ومميزًا في النصف الأول من الأمسية، وإلى جانب أنّ النصف الثاني كان أقوى من النصف الأول، تظل المبادرة نفسها، في جلب الجديد والغريب والمثير من وراء الحدود، هي التي "تصنع الفارق" بين "بيت الموسيقى" وغيره. فشعبنا الفقير لله (ثقافيًا وماديًا) يستسلم بكليتيه إلى موسيقى الأعراس والأراغيل وتنهدات هيفاء ونانسي ولعلعات صباح فخري، ونجد أنفسنا في غالبية أيام السنة، نتكئ على أفق مُخدّرٍ وننفذ بإخلاص كبير ما جاء في قصيدة "خبز وحشيش وقمر"، حيث صارت حياتنا تتمحور في "خبز وأرغيلة وعرس". فمن ذا الذي يجرؤ على زعزعة هدوئنا الكسول بفرقة من الغجر تدق الأرض دقًا وتنهب من النظر والسمع ما لم يعتد أحدٌ على نهبه؟

هذا من ناحية المبدأ؛ أما من ناحية الأمسية نفسها فسبق أن قلت إنّ النصف الثاني كان أفضل وأقوى لأنه ببساطة تركّز في الجمع بين عازفي "براتش" وبين عازفين ومغنين عرب، من عندنا، والنتيجة: تحفة موسيقية ممتازة، أخذت من "براتش" أفضل ما لديهم (الحب للموسيقى، البراعة في الأداء والرغبة في الاكتشاف) ومن فنانينا الفلسطينيين هنا أفضل ما لديهم (الحب للموسيقى، البراعة في الأداء والرغبة في الاكتشاف). فعلى توزيعات حبيب شحادة حنا الموسيقية المتينة والبارعة والقوية، أدى هذا الخليط الجميل مقطوعات طويلة وعديدة، مع عود حبيب وبزق عامر نخلة وإيقاعات يوسف حبيش، وصوت أشرف داود وتريز سليمان.

وإذا كان موسيقيونا على قدر كبير من المهنية والبراعة، كما عهدناهم دائمًا في فرقة "زمار" وغيرها، فإنّ حضور تريز سليمان الرائع أضفى الكثير على النصف الثاني. وتريز تثبت يومًا بعد يوم، ومن خلال نشاطات وأعمال أخرى شهدتها بها (الغناء في موسيقى مسرحية "دياب")، أنها أفضل وأقوى صوت فلسطيني نسائي في هذا الوطن، من دون الانتقاص من أهمية أو دور أحد، إلا أنّ ما تقدمة تريز مختلف كل الاختلاف، ويجعل من موهبتها وقدراتها تحديًا كبيرًا لما هو موجود الآن، وهذا صحيح حتى الآن، وهي في البدايات فقط، فكيف بعد عشر سنين؟.. مئات الأيادي صفقت لها طويلاً وعشرات الحناجر صرخت "برافو"، وهي جديرة بكل مديح، تمامًا مثل زملائها الموسيقيين على الخشبة. كما أنّ صوت أشرف داود القوي المتين شكّل مع صوت تريز ثنائيًا ممتازًا، حبذا لو تكرر وتطور.

المقطوعات الحزينة في منتصف النصف الأول من العرض كانت طويلة جدًا وأثقلت على مقدار التركيز مع "براتش"، خصوصًا أنّ القيمين لم يوزّعوا على الحضور أية وريقات مساعدة تحتوي تراجم أو ترجمات أو تلخيصات للأغاني وترتيبها، وهذه خطيئة كبرى لا تُغتفر، خصوصًا أنّ عملية التعريف الموسيقي التي يتولاها "بيت الموسيقى" هي صعبة وشاقة، لهم ولنا، فأعينونا أعانكم الله، وإلا نعسنا في بعض المقاطع!

وقد علمتُ من مشاهدين حضروا نفس الحفل في الناصرة أنّ غالبية جمهور الناصرة لم تحبّ ما رأته وشاهدته على المسرح، فخرج قسم منهم بهتافات "بوووز"، وأحرجوا الفرقة وأعضاءها والمنظمين، ولو أنّ أعضاء فرقة "براتش" تدربوا على بعض المقاطع من جانر "نصراويات" لكان هذا الكمّ غير الراضي عن الموسيقى تمايل طربًا في ساحة "عين العذراء"...

المشاركون: دان غاريبيا (جيتار)، برونو جيرار (كمان)، بيير جاكيه (كونتراباس)، فرانسوا كاستيلّو (أكورديون)، نانو بيليه (كلارينت)، يوسف حبيش (أيقاعات)، عامر نخلة (بزق)، حبيب شحادة حنا (عود وتوزيعات)، أشرف داود (غناء) وتريز سليمان (غناء).

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018