"ربيع آخر" لفلسطينيات يستحققن كل الربيع!../ ناصر السهلي* | ثقافة وفنون | عرب 48" /> "ربيع آخر" لفلسطينيات يستحققن كل الربيع!../ ناصر السهلي* "/>

"ربيع آخر" لفلسطينيات يستحققن كل الربيع!../ ناصر السهلي*

<font color="black"> "ربيع آخر" لفلسطينيات يستحققن كل الربيع!../ ناصر السهلي*

أخذت طريقي بارتباك المتوحد مع ذاته نحو المقعد رقم 14 من الصف الرابع عشر.. وهي عادة لا أقلع عنها حين تسمح الظروف.. عند المدخل، كان الزميل العزيز محمد اللحام بابتسامته التي عرفتها منه يستقبل جمهوره الداخل إلى سيناميتك ومسرح القصبة..

طرق على صولجانات التابو في زمن التابو الشامل.. في غير الذائقة الفنية النقدية أكتب.. تاركا لغيري أن يقرأ الوثائقي بما لديه من علم ومعرفة في أمور السينما وصناعة الأفلام.."ربيع آخر" عنوان لوثائقي من إخراج اللحام ومن إنتاج جامعة القدس المفتوحة.. جلست أنتظر أن يكتمل الحضور، تبديل في الأمكنة وإصرار من البعض أن لا يجلس في الصف الأول.. وبمناسبة الصف الأول.. حضرت ذات يوم حفلا بذكرى ميلاد الشاعر الراحل محمود درويش في قصر الثقافة برام الله، وكان الإخوة جبران نجوم ذلك الاحتفال.. بدأت القيادات تدخل.. مسرعة نحو الصف الأول.. فارتفع صوت يقول: على الأقل تعرف تلك الشخصيات أين تجلس.. كان إلى جانبي زوجان في ستينات العمر يعلقان بتهكم على خطاب سياسي يستذكر معركة الكرامة وكأنه خارج للتو من غبار تلك المعركة..

في القصبة، وبعد أن عُدت من توحدي ولاحظت أني أجلس وحيدا، وبعد أن هدأت حفلة التقبيل المتبادل، شد انتباهي الحرفية العالية لفيلم وثائقي بطلاته سيدات خمس: انتصار من طوباس، كفاية من طولكرم، ديالا من القدس، جانيت من بيت جالا ومنى من غزة.. كلهن دخلن الحياة الزوجية ولم يتممن دراستهن.. بل أذهلتني تلك الأرملة التي توفي زوجها وترك لها حملا ثقيلا من الأطفال في كيفية تخطت سنوات طويلة من الصبر لتصبح مثل البقية ممن ذكرت طالبات في جامعة القدس المفتوحة..

لم يكن ينقص من اختار "ربيع آخر" عبقرية المزج بين قول جانيت عن الزهور وتفتحها وزميلة لها عن الورود المتجددة حين تبرعم فتتفتح من جديد.. جانيت التي تجاوزت العقد السادس من عمرها، وهي جدة بالمناسبة، لم يحرجها أن تجلس على مقاعد الدراسة مع من هم بسن أحفادها فأتمت دراستها وواصلت طريقها تعمل وترتقي..

مذهل أن ترى تلك الغزية التي ورغم كل ما يحمله المجتمع الذكوري من تصنيفات وموروثات تحفظ لنفسها مكانا بعد أن كاد الزمن يتخطاها في حقل ألغام تصنعه البيئة والواقع برمادية كئيبة.. فتواصل رغم ذلك لتحصل على درجة الماجستير وتقدمت للتحضير للدكتوراه قبل أن يفعل الجدار فعله..

وأنت تشاهد الكاميرا تغوص في أعماقهن لا يمكنك إلا أن تبقى مشدودا لكل تفصيل حيث تدور العدسة، لترى الطابون وخبزه والقهوة في مطبخ يجاور متجر ملابس لزوجة مهندس طرده الاحتلال من عمله.. متجر لتلميذة جامعية تخطت الأربعين.. ودكان يلاصق أحد البيوت المتواضعة في طولكرم تبيع فيه طالبة جامعية بعض حاجيات الناس وهي أم لطالبة في ذات الجامعة..

"ربيع آخر" هو إذا ربيع تلك النسوة الفلسطينيات اللاتي قدمهن محمد اللحام بغير القالب النمطي للأنثى الشرقية أو العربية تحديدا حين يُراد لها أن تهرول في ذات المكان الذكوري لتنفرج أسارير مستشرق ليحمر وجهه وعيناه تشع فرحا بتوكيدات يقدمها بعضنا له على طبق من التخلف والتحجر.. وبالطبع معاناة ممزوجة بالثقة أن ترى سيدة وأم وجدة وأرملة وزوجة أسير محكوم بالمؤبد وابنة البلدة القديمة في القدس يداعبن ورد الربيع، وهن يقلن أن ربيع العمر يبدأ حين يعيش أي مجتمع بعضا من ربيع مستقبله..

وربيع آخر هو خروج عن النص بكل المقاييس الاجتماعية الموغلة في أحكام مسبقة والمشبعة برغبات السطوة التي يبين هذا الوثائقي معاني أن تكابد المرأة.. وتحديدا الفلسطينية مرارات كل الحياة البشرية المقولبة في ذاكرة يراد لها أن تقف ثابتة جامدة..

والأنكى أن تكون مهزومة ويائسة لتعكس كل ما لديها على جيل كامل يتربى على استنشاق هواء الكبت والاستقراء لطبيعة ما يجب أن تكون عليه أفق المستقبل الجامد.. نعم، خيرا فعل الزميل محمد اللحام أن خاض التجربة فاستحق باقة ورد من ربيع فلسطيني آخر أهدته إياه إرادة سيدات احترمن عقولهن وأبناءهن حين وجدن أن قليلا من رشفات الماء يمكن أن تصنع ربيعا.. والماء هنا رذاذ الوعي واتقاد الذاكرة الجمعية المذكر بنار ذلك الطابون الذي ارتبط مثل الزيتون بجذور كانت على غير ما يُراد لها أن تكون.. فتحت بند التقاليد يجري الخروج عن نصوص إنسانية بكل معنى الكلمة.. فكل تلك السيدات وغيرهن من حارسات الذاكرة في أرض مخضبة بتلاوين الحياة يستحققن وبجدارة كل الربيع الفلسطيني وكل الوعي المُحترم لآدمية البشر.. فما بالنا بهذه النوعية من البشر اللاتي يكابدن كل صنوف القرف من الحاجز إلى الحي فالمنزل.. إن وجد مثلا في غزة!

.