راجي بطحيش: السرد ضدّ الأدب../ حسين بن حمزة

راجي بطحيش: السرد ضدّ الأدب../ حسين بن حمزة

نقرأ مجموعة «ملح كثير... أرض أقل» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) لراجي بطحيش، وننتبه إلى متعة المغامرة التي يطمح إليها هذا الكاتب الفلسطيني الشاب، الذي يُدير ظهره لمعظم ما اعتدناه من كليشيهات فلسطينية جاهزة.

ليس القصد هنا أن قصصه لا تقوم على العُدَّة التقليدية لـ «القضية» وشؤونها، فقد سبق أن خرجت تجارب سردية، وشعرية أيضاً، من الإطار الضيق للموضوع الفلسطيني التقليدي.

مغامرة بطحيش تتمثَّل في إطاحته أو تجاهله لمعايير أساسية في فن القصة القصيرة كجنس أدبي. القصة عنده هي نص مثقوب من مواضع عدّة، وفي إمكان أي تفصيل طارئ أن يتسرب إليها بسهولة. سيَّان إن كان هذا التفصيل يتماشى مع مخطط القصة أو ينعطف بهذا المخطط إلى خاتمة مختلفة.

السرد هنا «أنتي ــ أدبي» إذا جاز التعبير. لا نجد في قصص بطحيش سعياً إلى تحقيق «أدبية» ما عبر تحسين اللغة بتقنيات بلاغية وجمالية. القصص هي ترجمة مباشرة لأفكار ومشاهدات مأخوذة من الواقع الحي. وهذا ما يبرر النبرة الخشنة والوقحة التي كُتبت بها هذه القصص، والفظاظة والسخرية اللتين تحكمان علاقة أبطالها بحيواتهم اليومية ومصائرهم المؤجلة.

القرّاء الذي عاينوا بعض هذه الصفات في «غرفة في تل أبيب»، المجموعة السابقة للمؤلف، لن يُفاجئهم تماديه في جعل لذة القصة مقيمة في حساسية سردها لا في السرد نفسه. القصة ابنة مزاج ذاتي، والكاتب حكواتي يستفزّ القارئ بدلاً من تسليته.

بهذا المعنى، يمكن القول إن راجي بطحيش يكتب قصة «شريرة». ولكن من أين ينبع كل هذا؟ الجواب موجود في جِدَّة وطزاجة ما يحدث في القصص ذاتها.

بطحيش يعيش في الناصرة. عوالم ومناخات فلسطينيي الـ 48 لا تزال شبه مجهولة بالنسبة إلينا. الفلسطينيون هناك محكومون بالارتطام بالإسرائيلي وبالهوية الذاتية القلقة.

قصص بطحيش تذكِّرنا أحياناً بأفلام ابن مدينته إيليا سليمان. في الحالتين، لا نجد أبطالاً، بل شخصيات تعاني من الضجر والفراغ وسوء الفهم المزمن مع الحياة.

في قصة «نكبة لايت» (لاحظ العنوان)، سخرية غرائبية من الذكرى «المقدّسة» للنكبة. في قصة «خمسون شاقلا»، ينزل ثلاثة شبان إلى تل أبيب لاصطياد مثليّين إسرائيليّين بمقابل مالي، فتنتهي الرحلة بأحدهم في سرير عمّه.

وفي «حب في لاس فيغاس»، نموذج المغترب الذي ينكشف «تحضُّره» المزيف حين لا يرى دم العذرية. وفي «تلك الأبواب الكهربائية»، نقرأ قصة الصيدلانية ابنة السادسة والثلاثين نموذجاً لحياة روتينية ذاهبة إلى الوحدة والعنوسة...

ثمة صعوبة في تلخيص قصص راجي بطحيش. إنّها ليست حكايات فقط، والاكتفاء بتبسيط نماذج منها يُفقرها كثيراً.
"الأخبار"