خليها على الله/وليد أيوب

خليها على الله/وليد أيوب

ظل التاريخ المسيحي في بلادنا ذائبا أو مذوّبا ومقتصرا على جملة هنا وإشارة هناك في مجمل كتب التاريخ العربي أو الفلسطيني حتى كاد يبدو، في نظر البعض على الأقل، وكأن المسيحية صنو للفرنجة وأن أصلها في أوروبا، كأنها من رحم أشقر ولا تعرف السمرة إلى بدنها سبيلا.. بل إن كثيرين، حتى من أبناء الطائفة المسيحية، لم يطّلعوا على ما يخص آباءهم وأجدادهم وما فعلوه أو قدّموه لنصرة ورقي العرب أبناء جلدتهم في هذه الديار، حتى أن مآثر لهؤلاء طمرت أو تلاشت في معمعة تاريخ هذه الرقعة من الأرض التي لم تهدأ ولم يسكن أوارها منذ آلاف السنين..

وكان لا بد، إزاء هذا الوضع، ولهدف تبيان الحقائق وإنصاف التاريخ ذاته، قبل إنصاف هذه الطائفة اليعربية، أن يبادر أحد ليبحث في التاريخ وكتبه ومصادره، وأن يرصد ويقاطع ما بين المصادر، وأن يدرس ويحلل، بشكل علمي مثابر ودقيق، لكي يقف على الصحيح ويصحّح الخطأ الكبير الذي يتبنّاه كثيرون بأن المسيحيين غربيّو التقاليد والأصل والعادات والإنتماء، وأنّ العروبة لا تمتّ إليهم بأية صلة، لا عاطفية ولا يحزنون.
هنا تكمن العظمة في ما أقدم عليه سميح غنادري من عمل، هو واجب على من يملك الأدوات للقيام به، ولا أحد يملك هذه الأدوات كما سميح غنادري.

وسميح غنادري هو صحفي وكاتب متميّز في صولاته وجولاته التي قسمت معارفه إلى قسمين، دونما حلّ يتوسّطهما، فإما يثنون عليه أو يحقدون إلى حدّ المقت، لكنّ اولئك، كما هؤلاء، لا يختلفون في أن غنادري يعمل مثل النملة، بطيء ومتأنّ ودقيق، ومثابر لا يكلّ عن تخزين المعلومات شتاءا كي يبرزها عند طلوع الشمس ونضوج هذه المعلومات صيفا.. فإذا ما طرحها على الملأ تأتي متكاملة لا ينقصها رأس أو قلب أو أيّ من الأطراف، حتى أنّه من الممكن، حسب قناعتنا، أن نحمل ما يبيعنا غنادري من معلومات على أنها المعلومات الدقيقة التي لا يجاريها في الشمولية والعمق والصدق أي بحث آخر.

فقد بحث غنادري، بسراجه وفتيله الذي لا يخبو ولا يبلى، وعلى مدى ثلاثة أعوام أو تزيد قليلا، في منشأ ونموّ وتطوّر وحال الطائفة المسيحية المشرقية العربية منذ ألفي عام، وخلص إلى نتائج وثّقها في 608 صفحات من القطع الكبيرفي كتاب فريد، "ألمهد العربي" (ألمسيحية المشرقية على مدى ألفي عام) هو سابقة لا شبيه لها في بحث العلاقة ما بين المسيحية المشرقية والقومية العربية، وفي إثبات تجذّرها أصلا أصيلا في الكيان العربي المنطلق من الجزيرة العربية.

وقد توصّل غنادري إلى أمرين رئيسين هما؛ أن المسيحيين المشرقيين عرب أقحاح ومن صلب ورحم الجزيرة العربية، فيها نشأوا ومنها انطلقوا إلى الجوار المشرقي في فلسطين وبلاد الشام وما بين النهرين وغيرها.. وأن المسيحيين، في الأمر الثاني، عاشوا تحت الحكم الإسلامي مثل المسلمين؛ فإذا كان الحاكم عادلا نعموا في عدله واستقامته ونالهم الخير كما المسلمين، وإذا كان ظالما نالوا ما ناله المسلمون من تعسف وقمع وظلم.. مبيّنا أنه ليس من الإنصاف اتهام الإسلام بالتنكيل بالمسيحيين وإنما يجدر اتهام أنظمة معينة في حقب معينة أنها ارتكبت الفواحش ضد مسيحيين ومسلمين على حد سواء.

يقول سميح إنّ "للسيد المسيح والمسيحية جغرافيا وتاريخا. والمسيحية نبتة أصلية في هذا الشرق. فلسطين والبلاد السورية مهدها. ومصر والعراق وشبه الجزيرة العربية من أوائل أوطانها. هنا تأسّست المجموعات المسيحية والكنائس والرهبانيات والأديرة والمدارس اللاهوتية الأولى. وكان العرب الأقحاح من أوائل من اعتنقها. وبرز من بينهم بطاركة ومطارنة ولاهوتيون ورهبان وشهداء".

ويكشف غنادري أن الإسلام "قيّم المسيحية عاليا. وتعامل الحكام المسلمون مع النصارى، عموما، باحترام وتسامح. لقد وقعت ظلومات بحقهم أحيانا، لكن من الخطأ نسبها إلى الدين وعدم رؤيتها في إطار تاريخيتها".
ويؤكّد غنادري على أن "الحروب الصليبية (حملات الفرنجة) جريمة أوروبية بحق شرق عربي بمسيحييه ومسلميه، والعرب المسيحيون ليسوا من مخلفات الفرنجة الصليبيين، وإنما هم من أهل البلاد الأصلانيين وأحفاد لنصارى عرب تصدّوا إلى جانب المسلمين لغزاة أجانب اتخذوا الدين ستارا لجرائمهم".
وبحسب غنادري، فقد "ساهم العرب المسيحيون في بناء صرح الحضارة العربية على مدى ألفي عام. وكانوا من روّاد وطليعة بناء النهضة العربية الحديثة. لقد تجنب النهضويون العرب المسيحيون الوقوع في ثلاثة مآزق: مأزق الإنطواء ضمن الطائفة المسيحية، ومأزق النسخ الذليل لحضارة الغرب والإرتماء في أحضانه وفقدان هويتهم وقامتهم وحضارتهم العربية ما قبل الإسلام وحضارتهم العربية الإسلامية المجيدة التي ساهم أجدادهم أيضا في بنائها. ومأزق الذوبان والتقوقع في أمة إسلامية متخيلة أو مسيحية تحل الدين مكان الهوية القومية والثقافية الجامعة".

لا نجافي الحقيقة في شيء إن نحن أكّدنا أن غنادري لامس المشاعر العروبية لدى المسيحيين كما لدى المسلمين، حيث أكّد بما لا يقبل الشك للأوائل أنهم جزء أصيل غير مبتور بل لا يقبل البتر عن العروبة، في الوقت ذاته الذي محا لدى الأخيرين أي نوع من الريبة والشكوك في انتماء المسيحية المشرقية الصريح العضوي المتين بالعروبة، إنسانا ومكانا وقيما ولغة وعادات.

فكل فصل في الكتاب، وكل باب فيه، بل كل جملة وكلمة، إنما "تنغمش" شغاف القلوب لدى الطرفين – اللذين استطاع غنادري أن يجعلهما، برغم كل المؤامرات وبرغم "فرق تسد"، جسما واحدا يستظلّ بسقف واحد هو العروبة.. حيث أزاح ما تراكم على مدى السنين من ضباب وتضليل، فجاء كمن يلبّي حاجة وأملا ورجاء بأن يكون المسيحي ابن هذه الديار من صنف أهل هذه الديار؛ أسمر لا يلثغ بالراء والغين، وتخرج العين من فمه نقيّة كما عيون الجليل، وتصدح الضاد مؤكدة أن الجسم لا يستغني عن القلب أو الكبد، ولذا، فإن أمر عروبية المسيحية المشرقية محسوم بأنها قلب العروبة وإحدى أصول الشرق الذي لا يكون شرقا بدون العروبة.

ويبقى، بعد هذا المديح الذي قد يؤاخذنا عليه البعض، بل يتهمنا بالتحيّز والنفاق، أن نسجّل ما نرى إليه بأن هنالك واجبا، فوق الفائدة، أن يتصدّر كتاب سميح مكتبة بيت كل واحد منّا، مؤكّدين على أنّكم ستحبّونه وستجدون متعة صادقة وكبيرة في كل صفحاته وفقراته، علما أن الكاتب اعتمد اللغة السهلة المنسابة المتماسكة، متجنّبا التعقيد والإشكال، فهو يضع الهدف والنتيجة واضحين منذ استهلال الكتاب، مرورا بالفصول وصولا إلى النهاية التي فيها يصل القارئ إلى يقين انتساب وانتماء المسيحي المشرقي إلى قلب قلب العروبة..

إنه كتاب جدير بالقراءة، وقد علمنا أن طبعته الأولى قد نفذت من الأسواق، وهذا مبعث فخر واعتزاز وإشارة إلى أن خيرا كثيرا، وشوقا وتوقا للمعرفة، ما فتئت تسري في شرايين هذه الأمة.. ونحن بانتظار الطبعة الثانية.. والثالثة والعاشرة.. إلى أن يصل هذا الكتاب المتميّز إلى كل بيت.. إنه عمل النملة.. إنها المثابرة الغنادرية "النمليّة" التي اسعفت الغنادري لبلوغ رأس النبع.