أنيس الصايغ.. فلسطين كلّها../ بسام الهلسه

أنيس الصايغ.. فلسطين كلّها../ بسام الهلسه

* دخل زميلي في العمل المكتبَ بعد ظهر يوم السبت (26/12/2009م) وسألني: هل سمعت الخبر؟ وإذ رفعت إليه بصري متسائلاً، قال بتأثر: توفي أنيس الصايغ اليوم في عمّان.. فانطلقت الكلمات على لساني عفوية: يرحمك الله يا دكتور أنيس.. يرحمك الله.

* * *
مع أنني كنت أقرأ له وأسمع أخباره منذ وقت طويل، إلا أنني لم ألتقِ به سوى في تشرين الأول- أكتوبر من العام 2004م في بيروت، في مكتب الراحل "رفعت النمر" حيث أجريت معه حواراً مطولاً نشر في صحيفة "الدستور" الأردنية.

وبرغم سِنِّه التي جاوزت السبعين آنذاك، والآثار التي خَلّفتها محاولة جهاز المخابرات الإسرائيلي الخارجي المعروف باسم "الموساد" لاغتياله في السبعينيات من القرن الماضي، فبترت أصابعه وسَبّبت له ضعفاً في البصر والسمع، برغم ذلك، إلا أنه بدا لي حيوياً، منهجياً، مسيطراً على تدفق أفكاره، جامعاً بين هدوء رجل العلم والبحث والمعرفة، وحميَّة وإصرار الشاب الذي كانه في خمسينيات القرن العشرين، المصمم على تحرير فلسطين السليبة واستردادها والعودة إليها، وتغيير الواقع العربي البائس.

يضاف إلى هذا، التواضع الشديد في شخصيته، وهو ما لاحظته في هذا اللقاء وفي لقاءات أُخرى لاحقة.

كنت بالطبع، على دراية منذ السبعينيات، بآراء ومواقف الدكتور أنيس، مما عُرف حينها باسم مسيرة التسوية، ومن دُعاتها العرب والفلسطينيين، منذ ابتدائها بعد حرب تشرين الأول- أكتوبر 1973م. فقد رأى فيها الطريق التي ستفضي إلى التّخلّي عن المقاومة، والصراع مع العدو، والتنازل عن الحقوق العربية.

وما كان باستطاعته أن يوافق على هذه السياسة، وهو الذي كَرَّس عقله وقلمه وعمله لفلسطين وللأمة العربية، منذ بواكير وعيه. فلو كان ممن يرضون بالمساومة على المبادئ والحقوق، أو حتى القبول بموقف الصمت تجاهها كما يفعل آخرون من الأكاديميين والمثقفين، لكان سهلاً عليه، وهو الحائز على أعلى الدرجات العلمية من أرفع الجامعات الغربية أن يجد الترحاب والقبول لدى عشرات المؤسسات العربية والأجنبية.

لكن الدكتور أنيس، ابن القسيس عبدالله الصايغ، والمولود في طبريا شمال فلسطين في العام 1931م، كان قد حدد انتماءه واختياره منذ البداية منحازاً إلى تحرير فلسطين ونهضة الأمة.

فكما هو معروف كان قد تخلى عن وظيفته، كأستاذ في الجامعة البريطانية التي تخرج فيها (جامعة كامبردج) واختار العودة إلى الوطن العربي، حيث قام بتأسيس أهم صرح علمي فلسطيني: "مركز الأبحاث الفلسطينية" في بيروت في منتصف الستينيات من القرن الماضي. وهو المركز الذي تولّى تحت إدارته، دراسة القضية الفلسطينية من كل جوانبها، ودراسة الصهيونية وإسرائيل، والصراع العربي معها.

وبنى مكتبة وأرشيفاً مميزاً يضم المؤلفات والدراسات والوثائق والمخطوطات المتعلقة بفلسطين وقضيتها، وبإسرائيل وبنيتها وتوجهاتها وعلاقاتها.

وقد عرفت "إسرائيل" مدى خطورة هذا المركز وتأثيره، فحاولت اغتيال الدكتور أنيس بطردٍ مُفخّخٍ في صيف العام 1972م، وقصفت مركز الأبحاث بالصواريخ، ثم اقتحمته قواتها عندما اجتاحت لبنان في صيف العام 1982م ونهبت كل محتوياته.

* * *
لكن سيرة الدكتور أنيس الصايغ, وجهوده العلمية والعملية, لا تتوقف عند تأسيس وإدارة "مركز الأبحاث الفلسطينية"، فقد أصدر سلسلة "اليوميات الفلسطينية"، وكان أول من فهم أهمية معرفة العدو بشكل صحيح، وكما هو، لإدارة الصراع معه بفعالية ناجعة، فأصدر المركز تحت إدارته سلسلة الكتب والمطبوعات المتعلقة بالشؤون الإسرائيلية كافة، بما فيها نشرات رصد إذاعة العدو.

وأشرف على "الموسوعة الفلسطينية" وتولى رئاسة تحرير مجلات "شؤون فلسطينية" و"شؤون عربية" و"قضايا عربية" و"المستقبل العربي". وعمل عميداً لمعهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، ومستشاراً للموسوعة العربية في سورية وفي العراق، ومستشاراً للموسوعة الفلسطينية المُيسَّرة، إضافة لغيرها من الأعمال في العديد من الأقطار العربية.

وله عشرات الكتب تأليفاً وترجمة وتحريراً أو مشاركة في التحرير. وهو ما استحق عليه التكريم والأوسمة من جهات ومؤسسات عديدة. واستحق عليه بشكل أكبر وأعمق، الشعور العميق بالاحترام والتقدير والعرفان الذي أحاط به في حياته، وتجلَّى في نعيه ووداعه عند مماته .

* * *
ولئن كان رجل العلم الزاهد الكبير، الداعي للاستمرار في المقاومة، قد رحل قبل أن تتحقق رؤيته بحتمية الانتصار على العدو والعودة إلى فلسطين، فإن إيمانه قد ظل باقياً..

وظلت بوصلته على عهدها لا تعرف الإنحراف:
تنطلق من طبريا، وتشير إلى فلسطين كلها.