في الأيديولوجيا../ د.عبد الله البياري*

في الأيديولوجيا../ د.عبد الله البياري*

ظهر مصطلح "أيديولوجيا" إبان الثورة الفرنسية كمرادف لعلم الأفكار، إلا أنه سرعان ما تطور لينفصل ويتفسخ عن قيود ذلك التعريف المطلقة، لتظهر فيما بعد المناهج الشارحة والمحللة للأيديولوجيا والمترصدة على امتداد علوم اجتماعيات الثقافة لمظاهر الفصل والوصل بين علم الأفكار – المطلق والأيديولوجيا – النسبية.

وإن كانت الأيديولوجيا لا تقوم لها قائمة بمعزل عن علم الأفكار الإنسانية بقيمه المطلقة من حرية وعقلانية ومساواة وعدل وما إلى ذلك، إلا أن الأيديولوجيا هي المنهج التطبيقي الذي يضع الأفكار ضمن قالب معين يفقدها الكثير من فضائها الحر، لتصبح في النهاية أداة طيعة لا يمكن استقراؤها لذاتها بعيدا عن كونها وسيلة تطبيقية وليست غاية ذات قيمة.

وإلا فما هي الأسباب التي جعلت الفكر الإنساني في كل أدواره يرى الأمور / الأشياء طبقا لدعواه هو وليس طبقا لذواتها، مع ثبات الفكرة وتطور مناهج الاحتواء وتباينها.

نقول إن فلانا ينظر للأشياء نظرة أيديولوجية، نعني أنه يؤول الأشياء والوقائع بالكيفية التي تظهرها دائما متماهية مع ما يظن أنه (الحق). إن الفكر الأيديولوجي الموجه يتعارض مع الفكر الموضوعي الحر، وهو ما دأب على الإشارة إليه المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله للخطاب كأداة من أدوات التمثيل أو الانعكاس المعرفي الرابط في نظرنا بين علم الأفكار والأيديولوجيا، لذا كان الاختراع الانضباطي المعرفي لدى فوكو في شبكة العلوم الإنسانية – خطابيا لا تشكل تحريرا بل هي أحد وسائل ميكروفيزياء السلطة، لذا كان ما أسماه البعض (الذاتية العقلانية) تشكل لديه مشكلة لا عقلانية.

ولأن الأيديولوجيا هو مصطلح يكثر استخدامه في علوم السياسة مما يثبت أن تفسخه عن علم الأفكار، إنما هو نتاج لبراغماتية النهج التطبيقي لعلم الأفكار المطلق. بلفظ آخر الأيديولوجيا هي نسبية النسبية وليس نسبية الإطلاق، لذا كان استعمال (الأيديولوجيا) مثلا في مجالات السياسة كالمناظرات السياسية، حيث أن الدارس لأيديولوجيات الحق السياسي لا يحكم عليها من زاوية الحق والباطل أو الصواب و الخطأ، إنما بوصف فاعليتها البراغماتية في استمالة الناس و الاقتراب من أهدافها.

إذا أسقطنا التجربة الإنسانية بين محوريها: النسبي والمطلق، يتبدى لنا أن اختلاف التطبيق للفكرة هو النسبي وهو من خلق الأيديولوجيا لتصبح حينها سقفا لنسبية النسبي، بمعنى أنه لم يعد هناك أصل ثابت يضمن الحقيقة المطلقة، لا يوجد علم مطلق، فالمجتمع الإنساني مجزأ لطبقات وفئات ومجموعات، ولا سبيل لإرجاع معتقدات الطبقات والفئات لأصل واحد، فكل طبقة وفئة ومجموعة تبدع منظومة أيديولوجية خاصة بها، متماهية مع الحق المطلق لديهم. ومجندة القيمة المطلقة في صورة الحق – حقهم – وسيلة للوصول للمصلحة الظرفية الجمعية الآنية، وغالبا ما يتم ذلك عن طريق خطاب أيديولوجي، يعمل على تصوير الفصل بين الأيديولوجيا وعلم الأفكار على أنه تأسيس لحالة من الفوضى والعبثية، وإضفاء مبرر وجودي على ذلك الربط، وذلك على حساب حرية العقل البشري المطلقة وديناميكيته التي سرعان ما تصبح موتورة ومسقوفة لحساب إثبات الذات الأيديولوجية وليست الذات الحرة ككينونة مستقلة.

لذا كان الخطاب الأيديولوجي، وسيلة لبسط السلطة عن طريق نسبية المعرفة وتوجيهها بدلا من الإطلاق كطبع معرفي ملزم لعلم الأفكار لايستوي بدونه، لذا كان الخطاب الأيديولوجي، يتمحور حول هدفين إثنين :

1. المنع من التذرر : (ATOMIZATION)
التذرر هو لفظ مشتق من الذرة و هي أصغر الوحدات المكونة للمادة أو المركب و التي تحمل الخواص المميزة له، أي أن الخطاب يعمل على منع تفكك عرى الجماعة (كمادة :المادية / كمركب: العضوية)، التي تشترك في مفهوم واحد نسبي التطبيق متماه مع صورة الحق الجمعية والاستحواذ المعرفي للقيمة المطلقة لديهم، ويستمد شرعيته بحسب المصلحة والفائدة العامة للجماعة، والمتمثلة في أبسط صور الحضور وإثبات الذات.

2. المنع من الفردانية : (INDIVIDUALISM)
الأصل في الإنسانية: الإنسان قبل أن يصبح تمثيلا أيديولوجيا: إثنيا، طائفيا، قبليا، عرقيا، ميثولوجيا أو أي نوع من الأيديولوجيات كان. وذلك لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمع أو هي نشاط اجتماعي نسبي وليست نشاطا فرديا في البداية، في حين أن المجتمع نتاج إنساني. الفردانية هي عودة الفرد لحالة الإنسانية المستقلة وليست المتفردة، أي أنها إتحاد الفرد بذاته الممكنة وليس ذاته المثبتة، لذا كانت الأيديولوجيا تصويرا لحالة من البقاء الهوياتي للمجتمع وما ينسحب – قسرا – على البقاء الفردي، لتصبح حينها أي مقاربة لعلم الأفكار المطلق ما هي إلا خروج عن النسبية النسبية للأيديولوجيا، تنتهي بتصويرها مأسسة لحالة من الفوض والعبثية وانعدام القيمة في إحدى صور السيطرة بالخوف، في حين أنها مسألة لا تنفصل عن المخزون المعرفي الإنساني : الفردي و الجمعي، إلا أنها ترفضه سقفا محتوما بالثبات و الحق المطلق.

ومن هنا يتضح لنا أن للأيديولوجيا كيان زئبقي خداع، يجعل من أي قراءة داخلية، حرفية، تجزيئية، تفكيكية تعتمد كأي قراءة أخرى على العقل الفردي الحر لذلك الفكر / المعرفة/ السلطة الجمعية، لن تقود لحلها وفهمها بقدر ما ستؤدي للغرق في أحابيلها ومشاطرتها أوهامها، وحقوقها المطلقة، لذا كان لزاما على أي قراءة بنيوية لأي أيديولوجيا أن تتم في سياق حدثي اجتماعي تاريخي حضاري، لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمعي وليس فردي.

ويحضرني هاهنا فرويد حيث يقول متناولا النفسية الفردية وتلك الجمعية في الخطاب الأيديولوجي :
(إننا نستطيع أن نحدد متى انفصلت النفسية الفردية عن النفسية الجمعية/ متى استقل الفرد نسبيا عن الجمع – الحشد).

كما يقول أيضا :
(يشارك كل فرد الآخرين في جمعيات محددة: الجنس، الطبقة، المعرفة، الدين، العمل وبعد هذا فقط يكتسب – هذا إن اكتسب – ميزة يستقل بها).


لذا كان التذرر والفردانية هما أعداء الأيديولوجيا الأوائل، ويظهر ذلك جليا لدى أصحاب التوجهات الأيديولوجية حين التعاطي مع علم الأفكار المطلق لتصبح الحرية والمساواة والعدل في منظروهم منتجات أيديولوجية وليست فكرية لافتقادهم للقيمة المطلقة تحت الفكر الأيديولوجي النسبي النسبية، وهنا نجد الكثير من جهوية التفكير – إن صحت التسمية – لتصبح الحرية غربية والديمقراطية والمساواة وغيرها من الأفكار، وإما تقبل بالكل أو ترفض بالكل، وذلك ساهم كثيرا في تعطيل العقول النقدية المفكرة وتغلغل عديد مشاهد الخدر ليست النوستالجيا إلا أحدها. وذلك لأن الأيديولوجيا لا تحمل من الضمائر وأسماء الإشارة إلا الجمع وليس ضمير الإشارة المفرد، كشرط وجودي لها.

إن مراقبة دورة الحياة لأي أيديولوجيا لا يمكننا ألا نلاحظ الارتباط العضوي لها – الأيديولوجيا – بفكرة الجماعة، ومن خلال المقاربة بين الأيديولوجيا الخاصة بتلك الجماعة على امتداد تاريخها وعلم الأفكار المطلق، يمكننا رصد الكثير من حالات التضارب والازدواجية بينهم وبغض النظر عن القيم المطلقة التي يحاول الخطاب الأيديولوجي الغير أمين الإدعاء بتأسيسها، والتاريخ الإنساني مليء بهكذا مشاهد بما لا يكفي متن هذا المقال بتسجيله بالشكل الوافي له.

كان ماركس و نقده لليبرالية دراسات الإجتماعيات الألمانية مليء بالكثير من حالات الرصد للتوازي لا التطابق بين نسبية النسبية والنسبية التطبيقية لعلم الافكار والأيديولوجيا ‘ وذلك لدى مراقبة الأيديولوجيا واستقراؤها ضمن سياقها الإجتماعي و السياسي و الحضاري.

قد يذهب البعض إلى أن الأيديولوجيا هي التطبيق و الفهم العملي النسبي للأفكار المطلقة، و إن كانت هذه العبارة تحمل جزءا لا بأس به من الصحة براغماتيا، إلا أننا لا نستطيع بذلك جعل الأيديولوجيا بنسبيتها مرادفا لعلم الأفكار بإطلاقه، إنما يمكننا القول بأن الأيديولوجيا هي المقياس الاجتماعي والتاريخي والسياسي والحضاري المعبر عن الجماعة أو الفئة، وتقع غالبا بين إزدواجية (مطلوب وغير مطلوب) وليس (خيرا وشرا). وهنا أستعيد ما قاله كارل مانهيام: (الأفكار تخدم المصالح وأن انتصارها لا يتوقف على صحتها، بل على امتلاكها للسلطة).

وهنا أنطلق للنقطة التالية :

الأيديولوجيا والوعي:

لا شك أن الخطاب المعرفي/ السلطوي، المؤسس للأيديولوجيا على أنها علم مطلق للأفكار ورديفا للحق، هو أحد أنواه القوى غير الظاهرة، بجانب علوم السياسة والتي تنقسم بدورها إلى درجات لا يسعنا متن هذا المقال للخوض فيها بإسهاب، فالقانون مثلا قوة غير ظاهرة تؤدي لأحد أنواع السلطة، إلا أن القانون يحتاج للقوة التنفيذية التي تضمن التنفيذ والردع والمراقبة والجزاء، أما بالنسبة للأيديولوجيا فالأمر مختلف، فهي قوة غير ظاهرة تماما، ولا حاجة لها إلى أجهزة تنفيذية لأنها تعمل على التحكم في السلوك والمعارف الفردية ومنها للجمعية بجعل سقف الأيديولوجيا النسبي رديفا لسقف على الأفكار المطلق، وما ينتج عن ذلك من مظاهر السلطة والتي اسماها فوكو: ميكروفيزياء السلطة، وتلك أكثر مؤسساتية ومنهجية وتأثيرا يصل لحد الوعي البشري بكل خرائطه الإدراكية، وتجنيدها لإثبات الذات الأيديولوجية - الجمعية وليست الذات ككينونة حرة فردية هي إمكان لا يعرف المستحيل أو الثبات، وذلك كما ذكرت سابقا بإعطاء مبرر وجودي للأيديولوجيا، وجعل نقدها خروجا عن الذات ونفيا لها، مما يجعل الوعي ككينونة ومقدرة وخاصية فردية محكوما بالأفق المعرفي للجماعة في حدود مصالح السياق التاريخي والحضاري والاجتماعي، مما يجعل الخروج عن الحدود المعرفية للأيديولوجيا إنما هو انقلاب عليها، يهدد بقاءها، ولو كان باسم نفس القيم المعرفية المطلقة التي يؤسس لها ويوظفها الخطاب الأيديولوجي، ومن هنا كانت الازدواجيات السياسية لمختلف الأيديولوجيات لدى التعامل مع الكثير من الحقوق المدنية المطلقة من حرية وعدل ومساواة ومواطنة، شاهدا على الانتهازية السياسية لا القيمية المطلقة والحق.

في النهاية لا يمكن لأي قارئ للتاريخ أو مسجل له، تجاهل أن الاستقراء الفكري للتاريخ الحضاري الإنساني، يقع بين مطرقة الموضوعية الصلبة وسندان الخصوصية الحضارية المغلقة.

بلفظ آخر انفصال الأيديولوجيا وتفسخها عن علم الأفكار، لا يجب أن يدفعنا لاستقراء التاريخ بالمنطق الفكري المطلق بعيدا عن أيديولوجياته المتصارعة، لما في ذلك من إجحاف في حق العقلية الإنسانية النسبية المنتجة لتلك الحضارة أو غيرها، واختصار منتجاتها في ماهيتها المادية الحاضرة فقط وليس في أبعادها المعرفية والاجتماعية والحضارية، وهنا تحضرني مقولة لكارل ماركس :
إن المؤرخين الذين يسجلون الوقائع الكبرى من أحداث سياسية وحروب دينية ونزاعات يشاطرون رغما عنهم أوهام الحقية التي يؤرخون لها.

ومن ناحية أخرى، ليس من الموضوعية النقدية استقراء التاريخ لجماعة من البشر باقتصار القيم الفكرية والمعرفية المطلقة مرادفا لأيديولوجيتها حقا، لما في ذلك من إسقاط القيمة المطلقة في إطار النسبية، لذا كانت أدلجة المعرفة اغتيالا واختزالا لأي مجهود فكري إنساني فردي ينتج عن الفعل الإنساني الأكثر بدائية و تأصلا وإنسانية وبساطة، وهو الشك والمساءلة والنقد وفي النهاية الإختلاف، لأن الإنسان إمكان لا يعرف المستحيل أو الثبات.

إذا كانت الأيديولوجيا فعلا مرادفا لعلم الأفكار، لم هناك حاجة دائمة لجعل المفكر كائنا مؤدلجا (على وزن مهجنا) ؟ ولماذا ينتقل حينها الخطاب من النص للمعرفة ومنه للطقوس، وليس من المعرفة للنص ومنه للعمل؟