وليـد الخالـدي راهـب القضيـة الفلسطينية ([)../ صقر أبو فخر

وليـد الخالـدي راهـب القضيـة الفلسطينية ([)../ صقر أبو فخر

لوليد الخالدي مكانة مرموقة كمؤرخ ومفكر؛ فهو مرجع لا يضاهى في القضية الفسطينية، وباحث كبير في التاريخ الفلسطيني المعاصر، وباني واحدة من أرقى مؤسسات البحث العلمي التي ظهرت في العالم العربي خلال الخمسين سنة المنصرمة، أي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية». وهو، الى ذلك، أكاديمي صارم المنهج، ورجل فكر تفتحت على يديه مئات الدراسات التي كان لها شأن مهم في صوغ المفاهيم العلمية الدقيقة.

أبصر وليد الخالدي النور في مدينة القدس سنة 1925، وتلقى تعليمه الابتدائي في رام الله، والثانوي في القدس، ثم حاز البكالوريوس في التاريخ القديم واللغة اللاتينية من جامعة لندن في سنة 1945. وتأثر، في تكوينه الفكري والعلمي، بمصدرين: المصدر العربي ـ الإسلامي الذي كان لوالده أحمد سامح الخالدي ولجده القاضي الحاج راغب الخالدي (مؤسس المكتبة الخالدية في القدس) دور مهم في ترسيخه، والمصدر العلمي الغربي الذي تلقاه من أستاذه جيروم فاريل، الأستاذ في جامعة كيمبردج والذي كان مديراً للتربية والتعليم في فلسطين إبان الانتداب البريطاني.

البدايات

عاش وليد الخالدي في مطلع حياته العملية بين مدينتين هما القدس وبيروت. ونشر أولى مقالاته في سنة 1943 في صحيفة Eastern Times الصادرة في بيروت آنذاك، وتضمنت نقداً للسياسة البريطانية في فلسطين. وفي هذه الأثناء مارس التعليم في القدس، ثم عمل باحثاً في «المكتب العربي» بالقدس الذي أسسه موسى العلمي، وساهم بإشراف ألبرت حوراني في إعداد أوراق الدعوى الفلسطينية التي عُرضت أمام لجنة التحقيق الأنكلو ـ أميركية في سنة 1946. ولم يلبث أن انتقل الى أوكسفورد حيث تابع دراسته في جامعتها تحت إشراف المستشرق المعروف «هاملتون غيب». وقد وضع أطروحته عن المتصوفة ونال عليها الماجستير في الآداب سنة 1951.

بعد نيله الماجستير عمل محاضراً في الدراسات الشرقية في جامعة أوكسفورد. وعندما استقال «هاملتون غيب» في سنة 1955 لينتقل الى جامعة هارفارد الأميركية، عهد الى وليد الخالدي تدريس مقرراته في مادة التاريخ في الجامعة نفسها. لكنه، وعلى الرغم من تجديد عقده لدى الجامعة ست سنوات، استقال من الجامعة في سنة 1956 احتجاجاً على المشاركة البريطانية في العدوان على مصر، وعاد الى بيروت.

في بيروت

التحق وليد الخالدي بالجامعة الأميركية في بيروت. وشهدت بيروت أزهى فترات حياته من حيث الإنتاج الفكري والعلمي والسياسي. فقد ترقى من أستاذ مساعد الى درجة الأستاذية (بروفيسور)، وكرس معظم أوقاته لقضية فلسطين، وبالتحديد لقضية اللاجئين، ففنّد المزاعم الصهيونية التي روّجت أن اللاجئين غادروا بلادهم استجابة لنداء القادة العرب. وفي هذا السياق كشف «خطة دالت» Dalet Plan التي وضعها قادة الهاغاناه في سنة 1945 لاحتلال فلسطين وطرد أهلها منها. وفي تلك الفترة تمكن وليد الخالدي من تحقيق مشروع لتوثيق الأحوال السياسية العربية، فنفذه بالتعاون مع زميله يوسف إيبش (سوري)، وصدر هذا المشروع في مجلة فصلية بعنوان «الوقائع العربية» Chronology of Arab Politics، ثم اصدر كتاباً سنوياً بعنوان «الوثائق السياسية العربية» Arab Political Documents باللغتين العربية والإنكليزية.

إنشاء المؤسسات

في سنة 1963 أسس وليد الخالدي في بيروت واحدا من أكثر مشاريعه طموحاً، أي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، التي تنكب مع قسطنطين زريق (سوري) وبرهان الدجان (فلسطيني) عبء بنائها وتطويرها حتى صارت واحدة من مؤسسات البحث العلمي المشهورة في العالم العربي، وانتشرت مكاتبها في لندن وباريس وواشنطن ورام الله. وتولى وليد الخالدي أمانة سر اللجنة التنفيذية للمؤسسة، بينما تولى قسطنطين زريق رئاسة مجلس الأمناء الى حين وفاته في سنة 2000.

غير أن وليد الخالدي هاله ما حدث في حزيران 1967، وأورثته هذه الهزيمة قدراً كبيراً من التأمل، ولا سيما بعد فقدان مدينة القدس وبقية الأراضي الفلسطينية. وانكشفت له الفجوة التكنولوجية بين العرب وإسرائيل التي كانت أحد أسباب الهزيمة. وقاده التفكير في هذه المعضلة الى تأسيس هيئة علمية لدراسة هذه المشكلة. وتعاون، في هذا الأمر، مع البروفيسور أنطوان زحلان ومع الأستاذ برهان الدجاني، فأسسوا «الجمعية الملكية العلمية» في الأردن. لكن وليد الخالدي وأنطوان زحلان وبرهان الدجاني اضطروا الى الانسحاب من هذه الجمعية بعد أحداث أيلول 1970. وانصرف مع أقرانه الى تطوير مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وكان له حضور قوي في الفكر السياسي الفلسطيني، كما أنه ساهم في صوغ خطاب ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتحدة سنة 1974 الى جانب محمود درويش وشفيق الحوت وغيرهما.

مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان ساهم وليد الخالدي في تقريب وجهات النظر بين القيادة الفلسطينية والزعماء اللبنانيين الفاعلين. لكن تفاقم الوضع الأمني أزاح العقلانية عن السياسة، فتعاقد مع جامعة هارفارد للتدريس في «مركز دراسات الشرق الأوسط» التابع لهذه الجامعة. وفي سنة 1978 نشر في فصلية Foreign Affairs مقالة بعنوان: «دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة» أثارت زوبعة من النقاش لدى ترجمتها الى العربية.

في سنة 1982 استقال من الجامعة الأميركية في بيروت، والتحق بجامعة هارفارد التي قدمت له عرضاً لائقاً هو «زميل أعلى في البحوث» في مركز دراسات الشرق الأوسط. وبقي في هذا الموقع حتى تقاعده في سنة 1996. وفي هذه الأثناء، وبالتحديد بعد سنة 1982، أسهم مع حسيب صباغ وعبد الحميد شومان وعبد المحسن القطان في إنشاء «مؤسسة التعاون» التي كرست جهدها للتنمية الثقافية والاجتماعية للشعب الفلسطيني في الشتات وتحت الاحتلال.

المكتبة الخالدية

في غمرة مشاغله الكثيرة والمتشعبة، ظلت المكتبة الخالدية في القدس هاجسه الشاغل. والمكتبة الخالدية تضم أكبر مجموعة فلسطينية خاصة من المخطوطات العربية، علاوة على نحو 6 آلاف كتاب بالعربية والانكليزية جمعها أفراد العائلة الخالدية منذ القرن التاسع عشر، الى جانب مئات الوثائق التي تعود، في معظمها، الى الحقبة العثمانية. فبعد سقوط القدس في حزيران 1967 وقعت المكتبة الخالدية تحت خطر المصادرة الإسرائيلية.

وبمساعدة أفراد العائلة المقيمين في القدس وفي الشتات استطاع وليد الخالدي حماية المكتبة باللجوء الى المحاكم، وتمكن في سنة 1985 من تسجيل «جمعية أصدقاء المكتبة الخالدية في القدس» كهيئة خاصة معفاة من الضرائب في ولاية ماساشوستس تحت إشراف مجلس أمناء خاص بهذه الهيئة.

مؤلفاته المرجعية

لم يتوقف وليد الخالدي عن الكفاح بعد تقاعده من جامعة هارفارد؛ فما زال يشرف على الشؤون اليومية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية من بوسطن حيث يقيم موقتاً، ومن بيروت التي يقيم فيها أحياناً. ولعل قائمة مؤلفاته الكثيرة تشير الى الإنجاز الكبير الذي حققه وليد الخالدي طوال نحو 50 سنة من الكتابة والتأليف والبحث، فصار واحداً من ألمع الباحثين العرب، وأحد رواد البحث العلمي الفلسطيني، وواحداً من الذين صرفوا جل عمرهم في النضال السياسي والفكري في سبيل قضية فلسطين وشعب فلسطين. ولعل أبرز مؤلفاته كتاب «قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني» (1984)؛ «كل ما تبقى: القرى الفلسطينية المدمرة» (1992)؛ «خمسون عاماً على تقسيم فلسطين» (1997)؛ «الصهيونية في مئة عام» (1997)؛ «خمسون عاماً على حرب 1948» (1998).

(تكرم الجامعة الأميركية في بيروت الأستاذ وليد الخالدي في احتفال لائق تقيمه اليوم لهذه الغاية، وتكرم معه كلاً من الفنان السوري دريد لحام، والصحافي الفرنسي اريك رولو).
"السفير"