نصر حامد أبو زيد تنويري واجه التفسيرات اللاهوتيّة بتاريخانيّة النص

نصر حامد أبو زيد تنويري واجه التفسيرات اللاهوتيّة بتاريخانيّة النص

لم تكن المحنة التي تعرّض لها نصر حامد أبو زيد في عام 1995، إلا امتداداً تاريخياً لمعركة التنويريّين العرب من أمثال ابن رشد وأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم كثيرين ممن آثروا قراءة المقدّس بمنهجيّة عقلية تأويلية، لا برؤية حرفية، تُقصي النص الإلهي عن التاريخ الآخذ في التبدّل على وقع انغلاقات المجال الإسلامي، علماً بأنّ صاحب «دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة» اتُّهم يومها بالكفر على خلفيّة تقرير رفعه عبد الصبور شاهين، الداعية الإسلامي والأستاذ في كلية الآداب بجامعة القاهرة، بعدما تقدّم أبو زيد بطلب ترقية الى اللجنة الفاحصة التي ضمّت شاهين.

وحوى الطلب أربعة كتب من كتبه، بينها «الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية»، و«نقد الخطاب الديني»، و«مفهوم النص ـــ دراسة في علوم القرآن».

وعلى رغم أن مفهوم الردّة خلافي، لكنّ الحكم صدر وقضى يومها بفصل أبو زيد عن زوجته ابتهال يونس. وفي ما يتعدى حيثيّات القضية وحروب النصوص بين العقلانيين واللاهوتيين، كرّس صاحب القضية معظم مسيرته العلمية والأكاديمية، للبحث والتحرّي عن قراءات تجديدية للظاهرة القرآنية، كنصّ مقدس، وكمحرّك لمسيرة الجماعة في عباداتها وعقائدها الدينية.

أبو زيد الذي اعتمد المنهج التاريخاني في تفسيره للقرآن، عمل طوال مسيرته على إخراجه من الدوغما التي تكبّله، وتعوق محاكاته للعصر، أي إنّه حاول أن يموضع النصوص المقدسة في سياقها التاريخي، من خلال إبعادها عن الفهم الأسطوري والحرفي.

ولهذا، طرح أفكاراً تنويرية حول علم التنزيل وأسبابه، ومعايير التمييز بين الآيات المكية والمدنية، ومفهوم النسخ ووظيفته وأنماطه، والإعجاز في النص ولغته. بمعنى أنّه قام بوضع آليات تأويلية لدراسة القرآن، تهدف الى إخراجه من سياقه المكبّل ومن التفسيرات اللاهوتية التي عرقلت تطوره، وجعلته نصاً مقدساً مفارقاً للواقع.

في أطروحاته، تطرّق أبو زيد الى المسكوت عنه في إسلام النص والتاريخ، وعالج مسائل خلافية تمثّل امتداداً لحماة المقدس، ودعاة تفكيكه، على قاعدة إحلال المفاهيم المعاصرة مع ثبات المضمون. وعلى هذا الأساس، تبنى عدداً من آليات التأويل، ومن بينها قانون السببية الذي اعتمده ابن رشد والفلاسفة المشاؤون، ورفضه الغزالي الذي ينفي التلازم الضروري بين السبب والمسبِّب.

ولعل العامل الأساسي الذي دفع صاحب «تهافت الفلاسفة» الى إنكار السببية، يعود الى رغبته في ترك باب المعجزات والأساطير مفتوحاً، ما ترك تأثيراً كبيراً في الخطاب الديني الإسلامي على مرّ عصوره الذي يحاول بدوره إرجاع مختلف الظواهر الى العلة الأولى أو المبدأ الأول: أي الله، ما يعني إبطال دور العقل وجعل الظواهر أشياء صادرة عن الذات الإلهية لا أسباب لها ولا مسبّبات. ويرد أبو زيد على هؤلاء بالقول: «هذا التصور، لا ينتج أي معرفة علمية بالعالم والطبيعة، ناهيك بالمجتمع والإنسان، وهو امتداد للموقف الأشعري القديم».

لكن المناهج التحديثية التي وظّفها صاحب «إشكاليات القراءة وآليات التأويل» لا تقتصر على مقارعته لإلغاء الغزالي لقانون السببية، وما نتج منه من توليفات تنفي حدود الشراكة المتاحة بين الدين والعقل، بل صاغ نظرياته في تفسير اللغة، أي لغة القرآن، وتحرّى عن مدلولاتها ومعانيها، وتطرق الى مسائل جوهرية، كتفسيره لوجود القرآن في اللوح المحفوظ. وفي هذا السياق، ينتقد أبو زيد الخطاب الديني الذي يقرأ رمزية الكلام الإلهي بحرفيّة لا تخلو من الأسطرة، ويتمسّك بصورة الإله الملك، بعرشه وكرسيه وصولجانه.

لقد أعطى نصر أبو زيد أولويةً أساسيةً للبعد التاريخي في دراسة النص المقدس. واللغة العربية عنده تعكس تجلّيات الواقع الاجتماعي السائد في مرحلة ظهور الإسلام. وعليه، فهي تحتاج الى قراءات جديدة تحاكي الأزمنة الراهنة. إذ إنّ الحديث عن السحر والحسد والجن والشياطين، مفردات ترتبط بمرحلة محدّدة من تطور الوعي الإنساني، والواقع الثقافي الذي كان يؤمن بها قد تغيّر، ما يعني أنّ وجودها في النص القرآني لا يمثّل دليلاً على وجودها الفعلي. ولا شك في أنّ المنهج التاريخاني الذي استعمله أبو زيد انعكس على آليات التأويل التي وظفها، سواء على مستوى تاريخية اللغة، المرتبطة ببيئتها وبمجالها الاجتماعي، أو على مستوى علم أسباب النزول

القراءة التأويلية للنص القرآني عند التيّار العقلاني الذي تتم مواجهته من قبل أصحاب العمائم ومشايخ التكفير أو أولئك القائلين بالتفسير الأشعري، تعكس مدى قابلية النصوص للتغيير وفق الإطار الإيديولوجي للمؤول، وهو الأمر الذي يخلق حقلاً دلالياً واسعاً يراوح بين تقديم تفسيرات تجيب في جزء منها على متطلّبات العصر، وأخرى ترفض حركية التاريخ. وهي بالضرورة تمثل انعكاساً لثنائيات الأصالة والمعاصرة، أو الماضوية والحداثة، التي تطال المنظومة المجتمعية وأضدادها، بين باحث عن التجديد في الدين والسياسة والاجتماع، وبين متمسّك بنصوصية المقدس والتقاليد واستبداد الأنظمة. وما الاختلاف في تأويل الإسلام ـ كمعطى ديني أدخل العرب في التاريخ بعدما جبّ ما قبله من موروثات الجاهلية ـ إلا تعبير واضح عن طبيعة الصراع القائم منذ محنة ابن رشد، وصولاً الى آخر من تُرفع في وجههم اتهامات الردّة والكفر.

محنة العقلانيين العرب، وفي مقدّمهم نصر حامد أبو زيد، تندرج في احتكار الأصولية الإسلامية بكل تلاوينها ودعاتها، النطق باسم الإسلام، فتمارس الوصاية على المسلمين بقدر ما تمارس دورها كحارس للعقيدة والشريعة. ولكن الأخطر من الصدى الذي تخلّفه التفسيرات الدوغمائية على الساحة العربية والإسلامية، هو تنامي اتجاهات التتريث، أي استحضار التراث في حقبة تكثر فيها تساؤلات المسلمين وهواجسهم في عالم يتجه نحو مزيد من التعولم والانفتاح على رغم الجدل السائد حول الهويات القاتلة التي استفاض في رصدها أمين معلوف.

والأمر الأشد إيلاماً هو أنّ الخطاب الديني الرسمي يجترح مقولاته من تفسيرات انغلاقية، وهو لا يكتفي بذلك بل يحتلّ الساحة الإسلامية، ويترك فيها تأثيراً ونفوذاً، دون بقية التيارات الفكرية، وخصوصاً تلك التي تطالب بتأويل النص المقدس من خلال اعتماد المناهج الحديثة من علم الألسنيات والإثنولوجيا وغيرها.

نصر حامد أبو زيد الذي كان القضية قبل حوالى خمسة عشر عاماً ـ تاريخ اتهامه بالردة ـ وقد قال بعد صدور الحكم بحقه «كل من تحدثت إليه بعد صدور الحكم كان مصاباً بالذعر»، يمثّل حلقة لأزمة الواقع العربي وانسداده. من هنا، تأتي أهمية الإصغاء الى الاجتهادات الجديدة، كي يتمكّن الجميع من الوقوف على أرضية مشتركة، عن طريق الإقرار بتعددية الآراء، وليس تعميم الفرضية القائلة بأنّه «لا اجتهاد في ما فيه نص».