في نقد النوسطالجيا (4) : في الفكر (2): "الحاكمية" بين الوحدانية و الشرك.. د.عبد الله البياري*

في نقد النوسطالجيا (4) : في الفكر (2): "الحاكمية" بين الوحدانية و الشرك.. د.عبد الله البياري*

بحسب أبسط تعاريف (الديمقراطية) في علوم السياسة، وبنظرة اختزالية لتاريخ تطورها، أمكن القول إن الديمقراطية هي (حكم الشعب نفسه بنفسه)، أو في اضعف الأحوال: (الحكم بإرادة الشعب)، إلا أننا وباسم الديمقراطية أيضا حدث ولا يزال يحدث على امتداد تاريخنا وحاضرنا العربي والإسلامي مشاهد، سميت "ديمقراطية" إلا أنها لم تكن كذلك ولن تصبح: انتخابات مزورة، جمهوركيات (جمهورية وملكية في آن)، حقوق مدنية تهدر، تطريز لقوانين مناسبة للكرش والكرسي، وأرقام قياسية للمعتقلات والسجون، استخدام مفرط للسلطة العسكرية.

إلا أن تلك المشاهد أنتجت ضمن ما أنتجت، الكثير من ردود الأفعال التي أعلنت علانا جهارا (كفرها) بالديمقراطية العربية ويأسها منها، كما عملت ردود الأفعال تلك على تفريخ الكثير من المصطلحات المضادة بغية إحداث اتزان منهجي وتطبيقي مضاد لتلك (الديمقراطية) العربية، التي أوضحنا سابقا أنها لا تعدو أن تكون خواء معرفيا وتاريخيا لا يتواءم مع تعريف (الديمقراطية) موضوعيا ولا تطبيقها تاريخيا ولا واقعيا، مما جعل ردود الفعل تلك ومصطلحاتها الوليدة تطبيقا لقاعدة الفعل ورد الفعل، فإذا هم من نفس الجنس (الخواء المنهجي) واللاتطبيقية التاريخية، هي إنتاجات مختزلة، كل المطلوب منها هو الوصول لحالة من الصفرية بمعادلة الفعل برد لفعل مساو له في الكم ومعاكس له في الاتجاه (التأثير).

لذا لم يعد إنتاج (الحاكمية) إلا أن يكون مصطلحا براقا (أيديولوجيا)، يعمل على توظيف العاطفة الدينية لإحداث زخم اصطلاحي مستفيدا من حالة السيولة اللغوية التي تعاني منها الذهنية العربية والإسلامية اللا-إدراكية *1 وحال الواقع العربي، فكان كل همه تجنيد القلوب لا العقول لتوظيف الحاجة الإنسانية المبررة للانتماء، بعيدا عن أي براغماتية سياسية منتجه ديناميكيا، فكان الرفض كحيز وجودي، وليس الرفض بمطلقه كحق تعبيري عن وجهة النظر، بل الرفض كعنصر وجود - بقاء - إرهاب.(للتراتبية معناها).

إلا أننا وحتى مع ذلك، لا يمكننا التشكيك في نوايا من قام بابتداع "رد الفعل" ذلك لكونه نتاج لفترة هامة من فترات التاريخ العربي في التجارب الديمقراطية الفاشلة والمخيبة للآمال، في أربعينيات و خمسينيات القرن المنصرم، كما أنه ( مع ذلك فإن خيبة الأمل إذا كانت تبرر نوعا من التبرير ما تسبب فيه من ردود أفعال عنيفة وغير مراقبة فإنها يجب أن تدفع بالمقابل إلى مراجعة "الأمل" نفسه).*2.
لدى مراجعة تعريفي "الديمقراطية" سالفي الذكر أعلاه، واللذين أعيد التنبيه بمدى سطحيتهما واختزالهما المعرفي والتاريخي، نرى أن الفكر "الحاكمي" يتعامل مع لفظة "الشعب" فيهما وكأنها وحدة واحدة ثابتة القياس ولاتتجزأ، وذلك بتفعيل "الواحدية الأيديولوجية" مع إغفال الكثير من عوامل القياس الداخلي والتصنيف والتفكيك والاتصال، لذا كان من الطبيعي أن يكون ضمير المخاطب في الفكر الحاكمي هو وحدة واحدة تغازل العصبية الدينية أيديولوجيا وهي وحدة الـ"نحن" وتربطها عضويا بالدين وتسقط كل العناصر الأخرى لحسابها.

وتلك "الواحدية" في الخطاب بالنسبة للحاكمية يتبدى لنا أنها ضرورة أيديولوجية، إذ أنها تحقق الهدف الأول وهو منع التذرر *3، بالادعاء شرطيا إيمانيا أن ذلك الربط إنما يقوم على "واحدية" الدفاع عن ما يسمى - لغرض أيديولوجي وليس معرفي- "أصل التوحيد" وتباعا الشهادة بوحدانية الله، حينها تصبح "الواحدية" المؤسسة لـ"الحاكمية" في الخطاب الحاكمي إنما هي ربط عضوي داخلي أيديولوجيا يمنع التذرر، ويعمل على التأسيس لصلابة وحدة (نا) الفاعلين، وذلك حاضر مثلا بالقول: ( هناك حزبا واحدا لله لا يتعدد وأحزاب أخرى للشيطان والطاغوت)*4.

كما أن المقولة الأخيرة، تعمل على تحقيق الهدف الثاني من أهداف أي ايديولوجيا، وخطابها غير المعرفي بالقضاء على الفردانية*3 وذلك بجعل المبدأ المؤسس لتلك المرجعية والمتحكم في توجيهها، هو أن كل ما يوضع في مقابل الإسلام والدفاع عن "أصل التوحيد" هو ليس من الإسلام، لذا ومن هنا تصبح جميع صنوف الرفض بل الصدام مع الآخر وليس فقط الرفض هو نوع من أنواع الدفاع عن الرسالة السماوية وأصل التوحيد، والتي يبرر لها التساؤل الذي لا يمكن أن تقف أمامه أي فردانية: هل منا من لا يدافع عن أصل التوحيد؟؟ مؤسسين للموافقة الضمنية على جميع صنوف العنف تجاه الآخر فردا كان أو مجتمعا، بالاستنفار لا الحوار، والاستحواذ القيمي الذي يؤسس له الاستحواذ للدين *5، فيصبح الاتهام للآخر برهاب المصطلحات والسطحية المعرفية – دينيا- هو شيء مبرر لإثبات الأفضلية... أو الواحدية أمام اللاشيئية.
إذا كانت الحاكمية قائمة على – ما يسمى – "أصل التوحيد"، وهو إعطاء أحقية حكم البشر لرب البشر، كنوع تمظهري للتوحيد أو الوحدانية التي في القلب و أصلها، فإن الديمقراطية في جوهرها ليست شيئا آخر غير (الشرك) في الحكم، وذلك لأن (ديننا) القائم على وحدانية الله - جل وعلا – بينما (دنيانا) قائمة على التعدد، بحكم أن الله واحد أحد وما دونه متعدد وفي مقدمة ذلك (الحاكمية البشرية) والتي تمثل في مختلف صورها حتى الدكتاتورية منها وجود طرفين إثنين، لذا ( يجب علينا أن نسلب عنها سلبا قاطعا وباتا صفة الوحدانية)*7، التي هي صفة ربانية.

إن الديمقراطية – كغيرها من الأفكار وليدة المجتمع الإنساني والذي يقوم على المشاركة المعيشية - تقوم على أصل واحد وهو الحرية التمثيلية والتأثيرية التي هي مبناها حرية الرأي والاختلاف لدى التعامل مع مشكلة الحكم – كما تسميها العلوم السياسية -، لذا وكمنتج طبيعي للحرية كان "الاختلاف"، مما يؤسس لوجود (آخر) كشرط عضوي ووجودي لما يسمى بالديمقراطية، لذا خرجت العملية السياسية: (الحكم) من كونها واحدية إلى كونها عملية: شرك – إشراك وليست وحدانية، مما يستلزم في النهاية انقلابا منطقيا قوامه الفصل القاطع والتام بين الدلالية اللفظية وتلك المعنوية الميثولوجية – وتباعا الأيديولوجية- لـ"الوحدانية" في الألوهية، والإلزامية الإجبارية مجتمعيا لـ"الشرك" في مجال الحكم والسياسة و المجتمع.

وهنا توجب علينا الإشارة إلى أن المتلقي قد لا يستسيغ توظيف كلمة (شرك) تعبيريا في السياق، نظرا لارتباطها الدلالي بـ(الشرك بالله)، بل وقد يفضل عنها بديلا (المشاركة)، وذلك لا يعدو كونه نوعا من الكذب على الذات، حيث أن توظيف كلمة/تعبير (الشرك) في المقاربة بين أيدينا هو نوع من التغلب على الحواجز النفسية التي توظفها "الحاكمية" بعيدا عن أي أمانة معرفية وتوظيفا للفعل ورد الفعل، وهي الحواجز النفسية التي تؤسس لها السيولة اللغوية التي يعاني منها العقل العربي والإسلامي، لذا وجب تكسير ذلك الارتباط بين تلك السيولة اللغوية و البنية الذهنية اللاشعورية (الخارطة الإدراكية)، والتي يتم تجميدها لتعليب العقيدة التوحيدية وتعميمها تعميما يرفضه الدين ويحرمه، ذلك التعميم القاصر الذي جعل –ولا يزال- مفعولها ينسحب على مجال السلوك إزاء الحاكم انسحابه على مجال السلوك أمام الله، قافزا على ثوابت التاريخ والمنطق –للترتيب دلالته- كنوع من الخداع الأيديولوجي، وكونه ردا لفعل، الذي يؤسس فقط لأحد خاتمتين قيميتين وليس حياتيتين: حزب الله أو/و حزب الشيطان، جاعلا العنف الموجه لحزب الشيطان أو حتى أي مختلف مع أصحاب ذلك التوجه هو عنف مقدس إنما يمارس تحت ستار ديني قوامه الواحدية التي لا تقبل بعد الـ(نحن) أي اختلاف حتى ولو كان اختلافا داخل الواحدية ذاتها، فهي التي –ظنا من أصحابها – تتحدث عن الله و الدين و الحق الإلهي المطلق.
إن قانون الفعل و رد الفعل هو قانون طبيعي فيزيائي ميكانيكي لذا فهو لا ينطبق على الإنسان فكريا، وحيثما دخل الفكر الإنساني دائرة الفعل ورد الفعل أصبح مجرد أداة وأصبح التراشق بين أطراف تلك المعادلة إنما هو تراشق أداتي لا قيمة للفكر لديه فالفكر الإنساني إنما ينشأ ويتكون بالتراكم و ليس بالقيمية الثابتة كمظهر أداتي لإثبات الذات بنفي الآخر.

ومن هنا كان استخدام العنف من قبل الأنظمة التي واجهتها "الحاكمية" إنما كانت سمة عسكرية محضة لعقلية لا تزن إلا للقوة معيارا، إلا أن ذلك لا ينفي عن "الحاكمية" كونها فكرا رفضويا تكفيريا لا يقبل الآخر ولا يهادنه كمظهر عسكري، وقد كان من جسيم الخطأ مواجهة "الحاكمية" بالقوة العسكرية لما أكسبها ذلك من تعاطف فوق التعاطف الذي ولده خطابها العاطفي الأيديولوجي وأعطى ذلك للحاكمية طبقة من البراءة الكاذبة، ولكن كل ذلك جنبا إلى جنب لا يبرر استخدام العنف العسكري ضد المختلف فكريا، لأنه وبالقطع يسبغ عليه بكل استحقاق لفظ : الشهيد ويفتح الباب للمزايدات في الشهادة وتعليبها وصولا للصنمية.

ولذا فحتى الشهادة الأدبية والتي لا يختلف أمامها إثنان، أن من يموت دفاعا عن أفكاره و آرائه إنما هو مستحق لها، لم تسلم من التلويث والمزايدة، امتدادا لتجنيد الخطاب العاطفي الديني الأيديولوجي لخدمة ذلك التوجه، فأصبح الشهيد – أدبيا، شهيدا دينيا، ومع ما تستلزمه تلك الشهادة الدينية من حتمية الصراع دفاعا عن المال، العرض، الأرض و الدين.
لذا أصبح حينها السيد الشهيد(؟!!) إنما قد دفع حياته دفاعا عن ماله أو عرضه أو أرضه أو دينه.

إن التوظيف أو الإهداء الديني الأيديولوجي لهذا المسمى: الشهيد دينيا، إنما يستلزم بالتبعية لما تعنيه الشهادة الدينية وتستلزمه أن صاحب فكرة "الحاكمية" إنما قد مات دفاعا عن تلك الثوابت وليس دفاعا عن فكره، أي أن "الحاكمية" وما أنتجتها من تكفير(فردي ومجتمعي) ورفض وشرعنة للعنف وجعله عنفا مقدسا، إنما هي فصل في حرب مقدسة دفاعا عن المال والعرض والأرض والدين، كما أنها تجعل كل مختلف مع تلك النظرية والمسمى إنما هو متعد على تلك الثوابت، بلفظ آخر إن إسباغ الشهادة الدينية - وليست الأدبية فقط – على أصحاب ذلك التوجه الرفضوي الحاكمي إنما يعطي على توجههم بكل ما أنتجه وبكل ضحاياه وتناقضه مع المنطق والتاريخ إنما هو حق مطلق يدافع عن ثوابت لا يختلف عليها إثنان، وفي المقابل يجعل العلاقة مع الآخر المختلف مع تلك النظرة إنما هي علاقة حياة أو موت، وأن ذلك الآخر إنما هو خطر يتهدد الدين والعرض والأرض والمال، ويجعل من ذلك الشهيد إنما دفع حياته ليفدي دينا حماه الله، أمام هؤلاء الذين شكلوا تهديدا عليه.

يتضح لنا مما سبق أن الشهادة وتوزيعاتها هي منتج أنتجته دائرة الأيديولوجيا والخطاب الديني المفرغة التي لا يمكن لأحد تحديد بدايتها، أهي الفعل: غياب الديمقراطية وما أنتجته من عنف وعسكرة، أم رد الفعل وهو الموازنة ضد قوة العسكر بتجنيد السماء، إلا أن الثابت في تلك الدائرة إنما هو عنصر واحد: السلطة و القوة.

لذا أكرر رفض الشهادة بالمنطق الديني إنما هو رفض لإسباغ الشرعية على السلطة الرفضوية المشرعنة ورفض للاتهامات المبطنة والمعلبة لكل مختلف، مع الاحتفاظ بالحق المعنوي بالشهادة الأدبية لكل من مات دفاعا عن فكره.
إن القول بأن "الحاكمية" تحارب (جعل البشر مرجعية الحكم لأن ذلك ينتهي بالوثنية و أنها تعطي ما لله لله ومالغيره فهو لغيره) يؤسس للنظرة السطحية للقول بأن مبدأ الحاكمية لا يختلف عليه مسلمان، بحكم أن الإسلام يقوم على التوحيد وهو الركن الأساسي في الدين الإسلامي، لذا كان الإرتباط بين "الحاكمية" و"الوحدانية" ارتباطا عضويا، وطبعا أيديولوجيا بالدين الإسلامي، وامتدادا لذلك الارتباط –السطحي- وجد القول بأن "الحاكمية" قد قضت على التراتبية السلطوية في بنية المجتمع وجعلت مكانها التراتبية الأفقية كما في نموذجي الصلاة و الطواف.

إن القول السابق يغفل شيئا هاما وهو أن "الحاكمية" إن كانت - أيضا بنفس النظرة السطحية – قد أسست لنموذج تراتبية أفقية بديلا عن تلك هرمية السلطوية كما هو الحال في الصلاة و الطواف مثلا، فيجب علينا الإشارة للتالي:

1.في الصلاة و الطواف إنما العلاقة بين الفرد الإنسان أو الجمع المسلمون إنما هي علاقة عبادة، طرفاها هم البشر وخالقهم، وليس البشر بعضهم بعضا لأن لا عبادة تجمع البشر بعضهم بعضا، لذا كان الاحتكام لما يجد بين البشر و بين خالقهم هو احتكام شرعي لا يجوز لأحد أن يتحدث فيه عن الله، ولا مكان فيه لوكلاء السماء كما كان الحال في أوروبا أبان عصور (صكوك البراءة)، كما أن الحكم في تلك العلاقة يظل حبيس طرفين: إنسان في حاجة دائمة إلى الله، وخالق رحمته واسعة ولو أتاه عبده بزبد البحر خطايا.

2.العلاقة بين الطرفين في الصلاة أو الطواف هي علاقة روحية إيمانية، والعلاقة بين البشر وحكامهم إنما هي علاقة تقوم على إعطاء كل صاحب حق حقه، بداية من حرية الرأي حتى خدماته التي يدفع مقابلها للدولة والتي وجب عليها أن تؤمنها له.

3.في التراتبية الأفقية الدائرية كما في الصلاة و الطواف رأس العلاقة هو الله سبحانه وتعالى، والذي لا يجوز إلزامه بأي قوانين لأنه أسمى وأعلى من ذلك، مهما أدى المواطن / العبد(هاهنا) ما عليه من طاعات، فكما كان رسولنا الكريم و هو خاتم الرسل و الأنبياء وأكرم البشر إلا أن يستغفر ربه في اليوم و الليلة مائة مرة.

4.القول إن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما تجعل من الحكم في طاعة الخالق إنما هي مسألة من فضائل الأخلاق التي وجب على الحاكم إتباعها وتطبيقها، لتصبح طاعته واجبة متى التزم بأوامر الله، وليس للمحكومين حق مراجعته لغياب نص ديني سياسي يوضح الإمكانية لتحقيق ذلك في الفقه السياسي.

5. نتاجا عن النقطة السابقة وجدت الحاجة لوجود ممثل للتشريع السماوي على الأرض وهو بديل –تطبيقي- لرأس العلاقة الأفقية الدائرية، مما ينفي عن "الحاكمية" مقاربتها القائلة بأنها تؤسس للتراتبية الأفقية الدائرية كما في الصلاة و الطواف وتجعلها أقرب للتراتبية السلطوية التي يدعي أصحابها –الحاكمية- انقلابهم عليها.

لذا فإذا كانت الحاكمية تستقي من التراتبية الأفقية الدائرية مثالها ومبتغاها، توجب عليها ألا تقحم نفسها في خصوصية العلاقة في الطواف والصلاة بين العبد وربه وألا تجعل نفسها وسيطا بكل ممثليها وشهدائها بين طرفي العلاقة في الصلاة والطواف.

6.أليست المماهاة بين علاقة الحاكم و المحكوم في التراتبية السلطوية البشرية التي يحكمها القانون والمؤسساتية المدنية والسلطة وتلك للعبد وخالقه في العبادات القائمة على الحاجة البشرية لخالق مسبب للقيمة في التجربة الإنسانية ومجيب على الكثير من لتساؤلات الإنسانية الميتافيزيقية هي تعطيل لحرية المحكوم بالرفض والقبول والمشاركة والنقد و المسائلة ويجعل العلاقة بين الحاكم و المحكوم حينها هي علاقة تقوم على الوثنية واعتبار الحاكم لا تجوز مراجعته ونقده ومساءلته؟؟ وإذا كان:

(كل ما يحتمه الإسلام هو إزالة القيود التي تجعل الانتخاب غير ممثل لحقيقة الرأي في الأمة، فلا يكون الناخب تحت رحمة صاحب الأرض أو صاحب العمل أو صاحب السلطان كما هو واقع الآن).
ألا تجعل الحاكمية الناخب (لاحظ استخدام لفظ مصدره مرفوض) تحت رحمة المتحدث باسم السماء أو وكيل لله على الأرض؟؟

7.ذلك النوع من التراتبية السلطوية التي أسست لها "الحاكمية" باسم "الحاكمية"، بدعوى نقض التراتبية السلطوية –كمظهر وجودي أجوف من مظاهر الرفض الأيديولوجي الجهوي – لا يلبث أن ينقلب على التراتبية السلطوية ذاتها، إذ يؤسس لتراتبية سلطوية صلبة لا تقبل الخلاف و الرأي الآخر بحكم أن أحزاب الله لا تعدد وأحزاب الشيطان والطاغوت عديدة، كما أنها تجعل من العنف المقدس لتفعيل تلك "الحاكمية" وأساسها "الواحدية" إنما هو لزام كما الجهاد المقدس، ومن يسقط من ذلك ضحية إنما هو شهيد بكل منطق محتمل للكلمة... لتصبح "الحاكمية" هاهنا تأسيسا للوثنية التي تدعي محاربتها.
أغفل أصحاب " الحاكمية" في قولهم :
(الحاكم في الإسلام يتلقى الحكم من مصدر واحد هو إرادة المحكومين و البيعة الاختيارية هي الطريق الوحيد لتلقي الحكم)*8
أن كلمة محكومين أعلاه هي إشارة لجعل البشر هم مرجع الحكم، ولكن جعل البشر هم مرجع الحكم ألم تعده "الحاكمية" نفسها من "الوثنية"، أي الشرك المفضي للكفر؟ وفي لفظ آخر "جاهلية"، وعلى أساس ذلك قامت حركة التكفير المجتمعي و تكفير السلطة؟؟ كيف يمكن أن يحكم الحاكم من مصدر واحد تمثله/تقدمه البيعة وهو إرادة المحكومين، وتلك الإرادة لا تتعدى على إرادة الله؟
ناهيك عن السؤال: من يمثل إرادة الله وهو الذي احتجب خلف سماء؟؟؟
ألم ير أصحاب فكرة "الحاكمية" أن إشارتهم المائعة للبيعة هي إشارة تغفل السياق التاريخي الإسلامي للبيعة؟
ذلك السياق الذي ينتج لنا تساؤلا واضحا: البيعة هي لشخص ما، ولكن كيف تم اختياره وعلى أي أساس وبأي استحقاق؟
ألم تأت بيعة كل خليفة أو أمير للمؤمنين من قبيل تحصيل الحاصل وبعد تعيين سلطوي يعكس اختيارا محددا معياره السلطة فقط؟؟
ألم يؤد الفراغ الدستوري في حالة سيدنا عثمان والذي سببه غياب الميكانيكا السياسية في الفقه السياسي الإسلامي، ذلك الفراغ الدستوري – الذي كان من عديد مشاهده البيعة – الذي أدى لعمار بن ياسر –للمثال لا للحصر- أن يكون عنصرا من الثائرين على خليفة رسول الله سيدنا عثمان بن عفان، وكلاهما ياسر وعثمان من صحابة رسولنا الكريم؟؟
ألتلك البيعة علاقة بقميص عثمان؟ أوليس ذلك القميص هو من صور الحيل الأيديولوجية على وزن (رفع المصاحف على أسنة الرماح) و(الإسلام هو الحل)؟؟

إن القول بأن السيد الشهيد صاحب "الحاكمية" إنما غلبت عليه لغته الشعرية والأدبية في كتاباته مما يستلزم منهجية معينة للمقاربة والقياس – وذلك صحيح – إلا أن وجودية تلك المنهجية لا تنفي عنه كونه ردا لفعل لا يختلف عن الظروف و العقلية العسكرية التي أنتجته في حينها سوى أنه تتدثر بدثار الإسلام، الذي هو كما أي دين سماوي رسالته قائمة على التوحد لا الفرقة ولكن الحاكمية بذلك تجعله حيزا وصوليا وانتهازيا يقوم على رفض الآخر- المختلف سواء داخل حيز الـ(نحن) أو خارجها في حيز الـ(هم)، كما أن شرعنة العنف بل وتقديسه تحت ستار أيديولوجي لا يخفي من العقلانية إلا بقدر ما نفته الشبقية للسلطة والتجني على فكرة وحدانية الله والتاريخ الإسلامي المليء بالاحتواء للآخر والتفاعل الحضاري القائم على الحوار لا الاستنفار والتكفير المجتمعي.

لذا فإذا كانت الحاكمية تتناول "مشكلة الحكم" وهي لب السياسية وبما أن (جوهر الدين وروحه أنه يوحد لا يفرق، والدين الإسلامي هو دين "التوحيد" بإطلاق: التوحيد على مستوى العقيدة : إله واحد، والتوحيد على مستوى المجتمع: (أمة واحدة)، و التوحيد على مستوى فهم الدين وممارسته: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، أما السياسة فجوهرها وروحها أنها تفرق: السياسة تقوم حيث يوجد الاختلاف أو حيث يمكن أن يقوم اختلاف، و بالتالي فهي إلى أن تكون "فن إدارة الاختلاف" أقرب منها إلى أي شيء آخر. والإدارة أو التسيير تعني هنا إدارة الاختلاف القائم، وإما العمل على خلق اختلاف آخر جديد. ومن هنا كان ربط الدين بالسياسة – أيا كان نوع هذا الربط ودرجته – يؤدي ضرورة إلى إدخال جرثومة الاختلاف إلى الدين. والاختلاف في الدين إذا كان أصله سياسيا يؤدي ضرورة إلى الطائفية ومن ثم إلى الحرب الأهلية... والتاريخ الحاضر منه والماضي شاهد على ذلك: فمنذ زمن عثمان، أي منذ أن بدأ توظيف الدين في المجتمع الإسلامي توظيفا سياسيا والاختلاف فيه قائم والحرب الأهلية لا تبدأ إلا لتقوم من جديد، وبصورة أو بأخرى ولكن دائما بتوظيف الدين في السياسة نوعا من التوظيف)*9.

*1- ستتم خلال المتن في هذا المقال الإشارة للسيولة اللغوية.

*2- من كتاب وجهة نظر للدكتور الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – ص123

*3- راجع مقال سابق للكاتب بعنوان: في الأيديولوجيا والذي ورد في التالي:
لذا كان الخطاب الأيديولوجي، يتمحور حول هدفين إثنين:
1. المنع من التذرر : (ATOMIZATION)
التذرر هو لفظ مشتق من الذرة وهي أصغر الوحدات المكونة للمادة أو المركب والتي تحمل الخواص المميزة له، أي أن الخطاب يعمل على منع تفكك عرى الجماعة (كمادة :المادية / كمركب: العضوية)، التي تشترك في مفهوم واحد نسبي التطبيق متماه مع صورة الحق الجمعية و الاستحواذ المعرفي للقيمة المطلقة لديهم، ويستمد شرعيته بحسب المصلحة و الفائدة العامة للجماعة، و المتمثلة في أبسط صور الحضور و إثبات الذات.

2. المنع من الفردانية : (INDIVIDUALISM)
الأصل في الإنسانية: (الإنسان) قبل أن يصبح تمثيلا أيديولوجيا: إثنيا، طائفيا، قبليا، عرقيا، ميثولوجيا أو أي نوع من الأيديولوجيات كان. وذلك لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمع أو هي نشاط اجتماعي نسبي وليست نشاطا فرديا في البداية، في حين أن المجتمع نتاج إنساني. الفردانية هي عودة الفرد لحالة الإنسانية المستقلة وليست المتفردة، أي أنها إتحاد الفرد بذاته الممكنة وليس ذاته المثبته، لذا كانت الأيديولوجيا تصوير لحالة من البقاء الهوياتي للمجتمع وما ينسحب – قسرا – على البقاء الفردي، لتصبح حينها أي مقاربة لعلم الأفكار المطلق ما هي إلا خروج عن النسبية النسبية للأيديولوجيا، تنتهي بتصويرها مأسسة لحالة من الفوضى والعبثية وانعدام القيمة في إحدى صور السيطرة بالخوف، في حين أنها مسألة لا تنفصل عن المخزون المعرفي الإنساني: الفردي والجمعي، إلا أنها ترفضه سقفا محتوما بالثبات والحق المطلق.

*4- سيد قطب: معالم في الطريق، ص 136

*5- ومنه القول بمنتهى المزايدة و التفتيش في القلوب ووكالة السماء: الإسلامي أفضل عند الله من المسلم.

*6- اقتباسا وشكرا للدكتور الجابري وليرحمه الله، وليرحمنا بعده.

*7- من كتاب وجهة نظر للجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 124

*8- سيد قطب: الإسلام والرأسمالية ص 73

*9- من كتاب وجهة نظر للدكتور الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ص106