عندما تتمرد الموناليزا على دفينتشي../ فضل سمعان

عندما تتمرد الموناليزا على دفينتشي../ فضل سمعان

عندما تنكر أن جمالها من جماله، وروعتها من روعته، وفرادتها من فرادته وإرادته، لأنه أراد لها منذ البدء أن تكون مميزة وأن تكون صورته المرئية وصوته المسموع، لذا فقد جعلها تجسيدا لحلمه وعلى مثاله.
ايها القارئ العزيز

قبل ستين عاما ونيف، لاحظ معلم الموسيقى بمدرسة للبنات في بيروت، وجود صوت رقيق وجميل بين البنات وأحس بميله للغناء وبتميز أدائه عن باقي البنات في جوقة المدرسة ــ هكذا قال بعد أن لمع نجم هذا الصوت في فضاء الفن ــ. وحيث أن لبنان كان بفترة ولادة المحطات الإذاعية، وبالتالي بداية نهضة موسيقية، فكان حينها العديد من الموسيقيين الملحنين الناشئين يسعون لتحقيق ذاتهم، وكانت الأصوات النسائية بلبنان وغيرها قليلة ـ تعد على أصابع اليد الواحدة ـ ومن تنجح منهن قليلا تترك البلد وتقصد القاهرة حيث الشهرة والمجد والغنى، وتبقى الساحة المحلية فقيرة، والموسيقيون الشباب يتصيدون الأصوات الجديدة.

لذا وعندما لاحظ هذا المعلم وجود هذه الفتاة نهاد حداد والتي تمتلك خامة جيدة، أسرع وعرض عليها الغناء ضمن جوقة الإذاعة لتتمرن على الأداء، وبالتالي تتشجع لتغني منفردة. ولما وافقت قدمها إلى مدير البرامج الفنية حينها الموسيقي والملحن المعروف حليم الرومي، والذي بطبيعة الحال ينتظر أيضا ظهور أصوات نسائية جديدة يمكن أن تسهم في تطوير الفضاء الفني في لبنان، فأبدى إعجابه وقدم لها ومعها بعض الألحان، وكذلك فعل محمد فليفل الذي قدمها لحليم والى جانبهم قدم لها بعض الموسيقيين من الرعيل الجديد بعض الألحان.

وبعد فترة وجيزة جدا ربما لا تتعدى السنة، قدمها حليم الرومي لملحن جديد جدا غير معروف ويسير بخط مختلف عن الخط السائد بالساحة الغنائية، خط لم يرق كثيرا للإذاعات في حينه حتى أنهم كانوا يرفضون التسجيل لأعماله الغريبة عن الساحة، كلمة ولحنا وموضوعا، ولم يجد بعد الصوت الملائم الذي يرضى العمل معه!!. فاتخذ من صوت شقيقته وعاءً لأعماله التي رفضت الإذاعة تسجيلها لهماــ الثنائي هو وشقيقه ــ فكانت تقدم ببث حي ومباشر وقد ضاع العديد منها بسبب ذلك.

أجل لهذا الغريب المجهول ترك "المكتشفون العظام!!" هذه "الجوهرة النادرة"
كما يدعي المبجلون والمرنمون اليوم ــ مع حبي الشديد واحترامي للسيدة فيروز وصوتها الذي أدمنني إياه الأخوان رحباني الذين عودوني طيلة حياتي على تناول خمرتهم السماوية الخاصة عبره وبه، وليت المجال يتسع للشرح ـــ نعم لا أدري كيف يكتشف أحدهم ماسة نادرة ويتركها لآخر يجلس على قارعة الطريق!!!!.. ليت أحدهم يشرح لي ذلك. هل كانت يومها بنظرهم ماسة فريدة ونادرة حقا؟.. أم أنهم وجدوا بها صوتا جميلا كحال باقي الأصوات، ولم يجدوا فيه الصوت القوي الفريد النادر الغريب عن هذا العالم!!. والذي يستطيع أن يقف متحديا الأصوات القوية الموجودة بالساحة آنذاك أمثال ليلى مراد وأسمهان ونور الهدى وكروان ونجاح سلام وغيرهم؟. ويستطيع أن يحقق لهم الشهرة والنجاح الذي كان هدف وحلم السواد الأعظم من أهل الفن في حينه، إن لم أقل كلهم. هل يستطيع من يجيبني أن يكون صادقا ومخلصا لذاته ولعقله الحر قبل أن يكون مخلصا لنا؟. وأود هنا أن أذكـّر كم كان هذا الصوت مرفوضا جماهيريا في بداياته الأولى وكيف تمت محاربته من قبل بعض الصحافيين المشهورين بالساحة الغنائية أمثال فخري البارودي بسوريا وغيره. وأريد أن أذَكـِّـرْ كيف أن لجنة إحياء مهرجانات بعلبك الأولي لعام 57، حاولت ثني عاصي الرحباني عن إشراك فيروز بالمهرجان بدعوى أنها لا تستقطب الجماهير، وربما سببا في عدم نجاحه. ولا يستطيعون أن يدفعوا لها أجرا ذا قيمة، وأصر عاصي وقال أكتفي بليرة عن كل ليلة.

ليت الكبار عمرا الأوائل من عشاق هذا الفن يذكرون كم كان الجمهور العريض من أقصاه إلى أقصاه؛ جمهور مطربي ومطربات الساحة المشهورين لغاية أوائل سنوات السبعينيات، يسخرون منا متسائلين، كيف يمكننا أن نستمع لهذا الصوت الـ.... وكنا نحاول إقناعهم بالإصغاء قليلا ليتذوقوا روعة ما يحمله الصوت، وليس أن يقفوا عند حدود الصوت فقط. فقد كان الذين قبلوه قد قبلوه لما يحمل من كلمة ساحرة هادفة محاربة ثائرة. ومن لحن سماوي لم تقبله ولم تعتده إلا الآذان المرهفة الحس المثقفة الوطنية التي تنتظر الخلاص من أكفان القديم البالي الذي لا يحمل أي هدف إلا الاتجار بالعواطف بقصد الربح.

وقد كنت أنا أحد الذين رفضوا بالبداية الاستماع إليه حتى طلب مني صديق أن أعطي نفسي فرصة وأصغي قليلا لأسمع ما يحمله هذا الصوت، وقد كنا بخلوة لوحدنا، فدخلت وأصغيت. نعم أصغيت، ومضى أكثر من نصف قرن وأنا مصغٍ دون توقف. أصغيت وعشقت وتبعت وصليت. وكالكثيرين أو الملايين التي تعشق وتقدس ما يصل حواسها وهو الصوت وما يحمله فتقدس الوعاء لعشقها لما يحمله.. كذلك كنت أنا وكان الرعيل الأول من الرحبانيين، حيث انتسبنا ودون أن ندري إلى وعاء الخمر بسبب خمرته، لأننا سكرنا من هذه الخمرة، وعندما لا نفكر بمن صنع الخمرة ونكتفي بأننا لا نشرب إلا هذه الخمرة الرائعة الموجودة بهذا الوعاء فيصبح الوعاء رائعا ومميزا كما الخمرة التي يحملها، ونهلل كلما نلمح الوعاء مطلا.

أعود لأقول لقد كان القدر ينتظر هذه الفتاة الطيبة الخلوقة الهادئة غير الطموحة، صاحبة الحلم المتواضع تواضع جذورها ــ ولا شك الصوت الجميل المميز أيضا ــ، فقد كان هذا الملحن الشاب في فرقة الإذاعة اللبنانية، يشكل مع شقيق له شبه توأم روحي وفكري متلازم لم ينفصل حاملا اسم "الأخوين رحباني".

وهما، الأخوان عاصي ومنصور حنا الرحباني من ضيعة أنطلياس؛ يشكلان نواة توأمٍ أدبي وفنيٍ حياتي متكاملٍ متجانسٍ متلازم. ومنذ طفولتهما المبكرة جدا، حين دخلا الساحة الفنية، دخلاها من باب آخر لم يدخله غيرهم من قبل، وبحلم كبير جدا ومشروع فني مختلف تماما عن كل ما هو سائد في الساحة اللبنانية خاصة والعربية عامة؛ مشروع ليس مشروعا فنيا تجاريا للربح والغنى والشهرة، لذا هو لا يحتاج لأصوات تسويقية، لكن لأصوات أو صوت متعاون مطيع صبور يقبل بهذا المشروع الفني والرؤيوي الجديد، الأمر الذي لا تقبله الأصوات القوية المشهورة المعروفة بالساحة، لأنه قد لا يحقق الربح وربما يسبب الخسارة المادية والمعنوية لأنه غريب ويسير عكس التيار.

نعم لقد كان القدر بانتظار هذه الفتاة. حيت لم تعد بحاجة إلى البحث عن شاعر ترجوه ليكتب لها أغنية ما، ومن ثم البحث عن ملحن وبالتالي عن موسيقيين يقبلون العمل مع فتاة جديدة بإمكانات صوتية متواضعة ــ في حينه ــ ولم يكن عليها منذ اللقاء الأول سوى أن تترك نفسها بين يدي هذين العبقريين المبدعين، وتعمل فقط على الحفظ والتعلم وتنفيذ ما يتوجب عمله للبلوغ بالفن إلى القمم الفريدة بالعالم شكلا ومضمونا وأداءً، ما يحقق حلم أصحابه.

وهكذا كان؛ فلم يكن لها دور سوى أن تحتمل مشقات التدريب الهائلة التي ربما لن تكون لغيرها القدرة على تحملها والصبر على قسوة مبدعيها بالتدريب اللامحمول حتى يستطيعوا أن يصلوا بها وبأدائها لقمة الأداء التعبيري الذي يستطيع إلى جانب الثوب الموسيقي والتوزيع الاوركسترالي العلمي، أن يصلوا إلى أقصى درجات الزخم التعبيري والحسي الذي لا تستطيع الحروف والكلمات الجافة أن توصله أو توصله في الغالب، إذ أن هذه، في الحقيقة، مهمة اللحن ومهمة الموسيقى في البناء الفني منذ أن غنى وعزف إنسان على هذه الأرض.

وهنا أتحدى أن يقدم لنا أحدهم، نصا واحدا أو تعديلا لنص أو تعديلا للحن أو توزيع، قامت به السيدة فيروز بكل ما قدمه الأخوين رحباني بصوتها. أتحدى أن يقدم لنا أحدهم عملا، مكانا، زمانا، موضوعا أو أي من عناصر العمل الفني للأعمال التي قدمها الأخوان رحباني بصوتها، كان من اختيار أو طلب، تعديل أو إضافة من السيدة فيروز. أطلب أن يشير أحدهم إلى قضية واحدة داخلية أو خارجية قومية أو وطنية، كانت من اختيار وطلب ومبادرة السيدة فيروز. ولا أريد أن أجيب وأترك الجواب لمن يود معرفته أن يستمع إلى ريبورتاج تلفزيوني ـ ربما للتلفزيون الفرنسي ــ أعد أواخر سنوات التسعين وأذيع أكثر من مرة، (مسجل ومحفوظ بأرشيفي الخاص). أرجو مخلصا أن تعودوا لتسمعوا الجواب الفصل. أقول هذا ردا على الملايين التي تهتف بالساحات وعلى المنابر وبالصحف وعلى صفحات الإنترنت، قائلة: لقد غنت فيروز للقضية الفلسطينية أو للبنـان أو لقضايا الإنسان أو غير ذلك، جاهلين أو متجاهلين، سهوا أو عمدا، أن السيدة لم تفعل شيئا من ذلك أبدا. والحقيقة كل الحقيقة مطلقة، أن الأخوين رحباني هم الذين غنوا للإنسان بكل قضاياه وهمومه وآلامه وحلمه وصراعه للحق والخير والجمال. نعم غنوا للإنسان؛ كل إنسان فلسطينيا كان أم لبنانيا أم في أي مكان من هذا العالم.

" ما وقع ظلم على إنسان بهالآرض، إلا وحسيتو وقع عليي.." (ميس الريم)
لقد كانوا صوت المظلوم أمام الظالم حيثما كان مظلوم وظالم. نعم هم الذين حملوا هموم الإنسان ودافعوا عنها شعرا وغناءً وموسيقى، وقد فعلوا ذلك بأصوات عديدة لأنهم لم يمتلكوا نعمة أو موهبة الصوت. نعم هم الذين غنوا ولكن بأصوات الفرقة الشعبية اللبنانية والتي جعلوا من فيروز الصوت ونهاد المرأة التي أحبها عاصي الملحن الشاب أحبها فوق حدود الحب، جعلوا من صوتها صوتهم هم، فما مر بصوتها كان كل ما أرادوا هم أن يقولوه لنا مباشرة، ولهذا كان زبدة القول ورائع اللحن وسماوي الأداء، كلها تمر عبر صوت السيدة دون أن تدري ودون أن تختار أو تقرر. لم تختر ولم يكن دورها الفعلي يزيد في الواقع عن دور نصري أو ملحم أو إيلي أو وليم وفليمون وهبي وغيرهم من أصوات الفرقة الشعبية اللبنانية. هذه الفرقة التي كانت ملك الأخوين رحباني؛عاصي ومنصور فقط ولا ثالث لهما. وكانت السيدة فيروز تتقاضى أجرها عن كل عمل، تماما كغيرها وطبعا بحسب مكانتها ودورها من العمل. وعليه لم يكن لها حق الملكية على أي مسرحية قامت ببطولتها أو أي أغنية غنتها للأخوين رحباني. فكلها كانت مسجلة قانونيا باسم الفرقة الشعبية وأصحابها. وأود هنا أن أذكر لمن تهمه الحقيقة ولكل صاحب فكر حر يبحث بحرية عن هذه الحقيقة..

أولا.. على صعيد الأغنية الفردية، هل تذكرون كيف أن الكثير من الأغاني في المهرجانات والأمسيات التلفزيونية العديدة، كانت تنتقل من صوت لآخر دون أن يكون لأحدهم حق الاعتراض أو الرفض ــ كلهم دون استثناء ــ. وحتى أثناء العروض المسرحية أيضا كانت الأدوار المسرحية والغنائية تتغير حسب الحاجة من صوت لآخر. دون أن يستطيع أحد أن يعترض أو يقدم شكوى حقوقية كما هو معروف ومنصوص عليه بالقوانين التي تحكم هذا المجال. إذ، عندما تسجل أغنية أو عمل فني أو أدبي ما باسم أحدهم يصبح ملكا له ولا يحق لآخر أن يقدمه أو يتصرف به دون أخذ الإذن الخطي من صاحبه ــ لنعلم أن الفنانة الفرنسية ميراي ماتيو وقبل أن تغني بالفرنسية أغنية "حبيتك بالصيف" حصلت على إذن خطي من الأخوين رحباني وليس من فيروز ــ. فكيف لم يكن هنا أي حق للاعتراض؟؟.. ألم يكن ذلك لأن كل الأعمال التي ألفها ولحنها وعربها عن الأجنبية الأخوان رحباني، كانت مسجلة لملكية الفرقة الشعبية اللبنانية لصاحبيها الأخوين عاصي ومنصور الرحباني فقط ولا شريك لهما؟؟.

ثانيا.. لنعد إلى الأعمال التي قدمت بصوت السيدة فيروز نفسها لنبين للجميع كيف أنه لم تكن لها حق الملكية عليها. لنتذكر بعد ترك السيدة لبيتها وللخالق الذي نحت تمثالها بإزميل فنه وحبه، والذي حوله إلى موضع عبادة وسجود ورفعه إلى مصاف ربما الآلهة الأرضية في وجدان الجماهير العريضة من خلال الخمور السماوية التي سكباها بأسماع الملايين بصوتها.. لنتذكر كيف أن العديد العديد من الأغاني التي قدمت بصوت فيروز قبل انفصالها، قد أعيد تقديمها بأصوات عديدة متل رونزى وفاديا وعايدة شلهوب وغيرهم وحتى بصوت رجال مثل ملحم، بحلقات "ساعة وغنية بالأردن، وقبلها بحلقات "من يوم ليوم " وغيرها الكثير ولم تستطع فيروز أن تحتج أو توقف هذا الأمر. ألا تذكرون كيف تم تقديم مسرحية " الشخص" بالقاهرة بصوت عفاف راضي ولم تستطع فيروز الاعتراض!!.. كيف؟.
ورب سائل : كيف إذن تستطيع الآن أن تتصرف وأن تعترض؟؟

اليوم هي أصبحت بحكم قانون الوراثة مالكة لنصف هذا الإرث الفني وتتمتع بنصف كل عائداته التي يحددها القانون للورثة. لكنها أبدا ليست حرة أن تستعمل أيا منها بدون تصريح الورثة الآخرين، لأنها ليست المالكة الوحيدة أبدا.

نعم أيها القارئ العزيز هنا جوهر الخلاف الحقيقي؛ فلم يقم أحد بمنع السيدة من تقديم أي عمل من أعمال الأخوين رحباني على الرغم من حقهم القانوني بذلك، وكل ما في الأمر أنهم يطلبون حقهم الذي يحدده القانون، لهم ولها في حال قرروا هم أيضا أن يقدموا أو يعيدوا تقديم بعضها وحين رفضت السيدة فيروز ــ ممثلة بابنتها ر يما ــ أي اتفاق حول ذلك، اضطر الأمر ورثة الأستاذ منصور أن يتوجهوا إلى القضاء لمنعها من استخدام كل ما للأخوين رحباني قبل التوصل إلى اتفاق وتوافق يكفل للجميع حقوقهم. نعم هذا ما حصل بالضبط لم تمنع السيدة من الغناء أبدا، منعت من استخدام ما للأخوين رحباني في حفلاتها. وليعلم الجميع أن لا قوة بالأرض تستطيع منع إنسان أن يغني. ولكن نعم القانون يمنع كل إنسان أن يستعمل ما لغيره دون إذن ودون موافقة واتفاق على عائد أو حقوق حسب ما ينص عليه القانون. فمثلا من يستطيع أن يمنع السيدة فيروز أن تغني إنتاجها الذي أنتجته هي مع ابنها زياد الرحباني أو غيره مثل فيلمون وهبي وجوزيف حرب ومحمد محسن وزكي ناصيف وآخرين، الذي تسجل باسمها!!.. من يستطيع أن يمنعها سيدي القارئ؟؟..

أمر آخر وهام جدا.. عندما تمردت الخليقة على الخالق وتركته، موهما إياها بعضهم، أنها تستطيع أن تبني مجدا عظيما أعظم وأجمل من ذلك الذي بناه لها الاخوان رحباني ؛ تركت وهي بقمة المجد والملكة الصوتية والتجربة والخبرة الفنية الهائلة. في حين كان عاصي بقمة الوهن الجسدي والفكري بسبب الانفجار الدماغي الذي كاد يودي بحياته عام 72. تركت وهي في عمر الثالثة والأربعين أي بقمة العطاء. وها هي ذي بعد 32 عاما فماذا أنجز؟!. وأي مجد زيد على ذلك المجد العظيم ولو بعضه؟. وأين هذه الأعمال الفردية المنوعة المختلفة، من عشرات المسرحيات الملتزمة المحاربة وعشرات الاسكتشات وعشرات المغاني؟؟.. فما زالت حتى الآن لم تقدم مسرحية واحدة ولا حتى اسكتش صغير. ولم تتناول قضية واحدة ولا هما واحدا ولا ألما واحدا من آلام لبنان أو الشعب الفلسطيني أو غيره. لم تضف حرفا على ما فعله الأخوان رحباني لهذه القضايا جميعها. وما زالت حفلاتها حتى الآن تشكل أعمال الأخوين رحباني أكثر من ثلاثة أرباعها، إن لم يكن سوادها الأعظم!!!!.في حين أن الأخوين رحباني برغم المصاب الكبير بعاصي وخروج فيروز التي أعدوها ثلاثين عاما لتكون صوتهم هم كما أشرنا، قدما خلال اقل من أربعة أعوام رغم ظروف الحرب الأهلية المدمرة، قدما مسرحيتين كبيرتين ومحاربتين تناولتا الحرب الأهلية، هما مسرحية الربيع السابع ومسرحية المؤامرة مستمرة، إضافة إلى إحدى عشرة حلقة تلفزيونية لمنوعات بغاية الرقة والجمال هي حلقات باسم "ساعة وغنية" للتلفزيون الأردني.

نعم، لماذا؟؟ لماذا لم تستطع أن تقدم خلال 32 عاما مسرحية واحدة جديدة؟. أليس لأنها انفصلت عن نبع الإبداع والجمال؟ وعندما يتوقف جريان الماء في الوادي تتصحر الضفاف؟. ودعونا لا ننسى أن صحارى العالم كانت يوما غابات خضراء غناء مورفة يانعة رائعة وساحرة إلى أن توقف الماء العذب عن وصولها.. فتصحرت.

ليتكم تجمعون كل ما قدمته من أغاني بعد تمردها وخروجها لتجدوا أنه بمجموعه لا يزيد ربما عن مجموع ما قـُدِّمَ بصوتها في مسرحية واحدة. وظلت منذ انفصالها حتى الآن تعيش على أمجاد الماضي وتنعم بخيراته، معتمدة على طيبة هذا العظيم منصور الرحباني، الوفي لروح أخيه والحريص على سمعة وشرف وكرامة العائلة، فلم يعترض بالرغم من المرارة التي كانت تعتصر قلبه. نعم ليتكم تدركون أنها لم تنتج ما يستحق البقاء أو حتى ما يملأ حفلا واحدا بالكامل يستطيع أن يشد الجمهور. في حين أن الأستاذ الكبير توأم الحبيب عاصي، أبى أن يستند إلى إرث الأخوين رحباني أو أن يأخذ ـ بعد خروج فيروز ـ تفويض أخيه بالتصرف الحر بهذا الإرث؛ وكم كان سهلا لو شاء ذلك، فيعيد التجديد والربح والاستفادة. أبدا لم يفعل ولم يتوقف ومشى المشوار وحيدا بإباء وكبرياء، حافظا عهد الأخ، مكملا مشوار الحب والعطاء.. نعم لقد تابع الأستاذ منصور بمساعدة أبنائه الكرام؛ أبنائه الذين رباهم على الحب، تابع بصمت وبزخم كبيرين، ولا أدري كيف يمكن لشيخ بمثل ظروف الأستاذ منصور وما حل به وبمسيرته، كيف له أن يقدم لنا وحيدا وخلال اقل من ربع قرن إحدى عشرة مسرحية غنائية كبيرة، يشهد الجميع بعظمتها وروعتها. أحد عشر عملا ملتزما ومحاربا يمكن لكل من ينشد الفن العظيم أن ينحني احتراما. ربع قرن من الزمان لم يحاول أن تمتد يده إلى إرث الأخوين رحباني وقد كان باستطاعته أن يحصل على ما يشاء من تفويض قبل رحيل عاصي.

أيها الإخوة الكرام عشاق صوت السيدة فيروز، وأنا بمقدمهم، أيها الإخوة والأخوات الذين جعلَـنا الأخوان رحباني ندمن شرب خمرتهم الخاصة جدا، خمرة روحهم وفكرهم ورائع وجدانياتهم بهذا الصوت الجميل، حتى أصبحنا نقدس الكأس لما بها، فقدسنا السيدة ونزهناها ورفعناها فوق البشر لما حملته بصوتها، أجل لقد قدسناها جميعنا لما سـُكـِبَ في أسماعنا وقلوبنا بصوتها حتى لم نعد ننتبه للمـُبدِع الذي أبدع السكب وأعد المسكوب به. فقدسناها معه وبه كما قدست الكنيسة السيدة العذراء من خلال ما حملت للبشرية ــ السيد المسيح ــ فقدست الوعاء لما حمل. قدسته لدرجة السكر حتى أنها أخيرا جعلته بمصاف الآلهة ــ أتمنى أن يغفر لي تطاولي الإخوة المؤمنون ــ. فقدسنا الوعاء ربما ــ ولا أغالي ــ أكثر من تقديسنا لخمرته السماوية التي سـُكـِبـَت فيه.

قبل أن أنهي رسالتي إليكم، أود أن ألفت انتباهكم إلى أن روائع بتهوفن وموتسارت وباخ وغيرهم من عظماء الموسيقى، قد عزفها آلاف وآلاف الموسيقيين منذ تأليفها ورحلوا كلهم إلى عالمهم، وبقيت الأعمال تسكر ملايين عشاق الموسيقى بالعالم. وكذلك أذكركم أن مسرحيات شكسبير قد رحل مؤلفها وممثلوها الأوائل المبدعون ورحل بعدهم عشرات آلاف الممثلين، وبقيت المسرحيات والأعمال وظلت الخمرة الشكسبيرية ــ كما بقيت وتبقى روائع الموسيقى العالمية بعد مبدعيها وأدواتهم ــ، تسحر العالم بروعتها وستظل. نعم غاب المبدعون وأدواتهم. غابت وستغيب الأصوات التي حملت وستحمل الفن العظيم، ويبقى الفن العظيم يزداد مع الأيام تألقا وإشعاعا.

سيغيب ــ بعد عمر طويل، إنشاء الله ــ زياد الرحباني وأدواته، ويبقى إبداع زياد الرحباني إلى الأبد معلما مضيئا.
يحضرني هنا قول للشاعر الكبير نزار قباني
الخمر تبقى إن تقادم عهدها -------- خمرا وقد تتغير الأكواب

وهنا أيضا، سنرحل نحن، وسترحل ـ بعد طويل عمر إنشاء الله ـ السيدة فيروز وترحل كل الأصوات التي حملت لنا هذا الفن العظيم، كما رحل أصحابه، ويبقى هذا الفن العظيم؛ أدبا ملتزما ولحنا وموسيقى هي مدرسة فريدة يستنيرون بنورها لأجيال وأجيال، ويبقى نبع عطاءٍ لا ينضب لكل ظامئ للفن والأدب والفكر.

أيها الإخوة والأخوات، أنا لا أعترض على تقديس الإنسان لمن يريد وما يريد، فله مطلق الحرية ولا لأحد على الأرض أن يمنعه من ذلك. ولكني أقول، أيها السادة التقديس لا يلغي الحق. على العكس من ذلك فالحق فوق التقديس لأنه جوهر التقديس، " فمن يعرف الحق، الحق يحرره " ـ السيد المسيح ـ.
مع حبي العظيم للخالق واحترامي للخليقة
من له أذنان للسمع فليسمع