الأيتام على موائد اللئام ومهزلة الإفطار الرئاسيّ/ مسلم محاميد

الأيتام على موائد اللئام ومهزلة الإفطار الرئاسيّ/  مسلم محاميد

رمضان، شهر البركة، الذي يبدأ بالرحمة، مرورًا بالمغفرة وانتهاء بالعتق من النّار، يخبّئ لنا هذا العام مفاجأة. هي مسرحيّة هزليّة، لكن ليست كوميدية وليست هادفة.
المشهد الافتتاحي في المسرحيّة: ارتفاع الأذان من على منصّة الخطابة الّتي تحمل الشّمعدان الإسرائيلي، ثمّ يتلوه خطابٌ بالعبريّة لرئيس الدولة يرحّب بمن لبّوا دعوته للإفطار في بيته، بل ويتمنى من صميم القلب أن يقبل الله صومهم وإيمانهم. ذكّرني هذا بما قالته الفنانة السورية سلمى المصري للفنان دريد لحام في مسرحية شقائق النعمان: أخشى أن تأتي مرحلة تقرأ فيها الفاتحة بالعبرية، وبتُّ أظنّ أنّنا لسنا ببعيدين من هذه المرحلة.

المشهد الثاني في المسرحيّة: أصوات تأتي من الخارج من قبل متظاهرين يسألون المتواجدين هناك: كيف تستطيعون أن تأكلوا وتشبعوا، وهنالك من هدم بيته في العراقيب، فأمسى جائعًا لا يلوي على شيء؟ كيف وأنتم تعلمون ما حدث في الشيخ جراح وغيرها وغيرها؟.
المشهد الثّالث: هو وظيفة يلقيها عليك مخرج المسرحيّة، يقول لك: تفكّر قليلًا، تذكّر قليلًا، هل نسيت قانا؟ هل نسيت أكتوبر 2000؟ هل نسيت غزّة؟ هل نسيت ما يحدث الآن في القدس والعراقيب ومقبرة مأمن الله وغيرها وغيرها والقائمة تطول، حتّى انها لا تتّسع.
لقد علّمونا ونحن صغار مثلًا: كالأيتام على موائد اللئام. وفهمنا بعد أن شابت بنا الأيّام، أن المقصود هو أن الإنسان ذو الكرامة لا يأكل طعامه بذلّ ولا بهوان. والطعام هنا قد يكون مجازًا وليس مجرد ما يوضع في المعدة، فكلّ حياتك أنت أيها الفلسطينيّ يجب أن تُبنى على الكرامة عِمادًا وعلى العزّة أساسًا، لأنّك فقدت كلّ شيء، ولم يبق لك سوى الكرامة والشموخ.
وهذا المثل طُبّق اليوم بحذافيره وبكل مفهومه الواسع. فكيف للمظلومين والمضطهدين أن يذهبوا إلى ظالمهم ليتذوقوا طعامه؟ حتّى لو نظرنا إلى الأمر بأبسط مفاهيمه ومعطياته: الميزانيات والمواطنة، فهل أنصفكم يومًا ذلك الذي دعاكم إلى مائدة طعامه حتّى تقبلوا دعوته؟ أم أن كسرة خبز يلقي بها إلينا ظالمنا تكفي لنمسح غبار الأيام عن جباهنا الملوّحة بالقهر والألم، والملطّخة بالذل والمهانة؟ وكيف لكم يا من منحكم مواطنوكم ثقتهم وجعلوكم تمثّلونهم في السلطات المحليّة أن تستخفّوا بهم، كيف تخيّبون أملهم، فبدل أن تناضلوا من أجلهم ومن أجل حقوقهم، تحملون جراحهم وآلامهم إلى هنالك، تقدّمونها رخيصة، لا تكترثون لا بنداءات الأقصى ولا بنداءات المشردين ولا بنداءات قضاياكم، وتختزلون قضية مواطنتكم ببعض الفتات؟ كيف ترضون أصلًا أن تقتاتوا على فتات ظالمكم؟
في رأيي، إن هذا المشهد إن دلّ على شيء، إنما يدلّ على المهزلة الواسعة الّتي يعيشها كثيرون من الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني. فإن براغماتية البعض قادتهم إلى اعتناق المكيافيليّة -حتّى في رمضان- والإيمان بأن الغاية تبرّر الوسيلة، مع أنه ليست هنالك غاية تدرك، فالنتيجة هي كما هي دائمًا، ترقصون في حفل الغريب، وفي آخر الليل يطردكم من بابه، حفاةً عراةً.
فما الذي كان ينقصكم حتّى تتوصلوا إلى ما توصّل إليه السيّد محمد زيدان رئيس لجنة المتابعة العليا؟ هل الرجل مخطئٌ مثلًا؟ أم أنّه تكاسل عن الذّهاب إلى هذا الحفل؟ عليكم أن تفكّروا لماذا توصّل الرجل إلى هذا القرار وأن تنظروا مليًّا فيما تفضي إليه "سهرة" عابرة من نتائج على حساب الثوابت والقضايا الأساسية.
وأخيرًا، كلمة إلى مخرج المسرحيّة: ضحكنا ضحكنا ضحكنا، لكننا لم نفهم شيئًا من مضمون المسرحيّة، هي تمامًا كغالبية ما يسمونه اليوم فنًّا، دون هدف ودون مضمون، لكنه مضحك مثير للسخرية، لكنّنا بفراستنا فهمنا واستذكرنا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي زمانٌ يصبح فيه الحليم حيرانا.


ـ أم الفحم ـ