دافنشي كود، ألصراع بين ألناسوت وأللاهوت\ د. فؤاد خطيب

دافنشي كود، ألصراع  بين  ألناسوت  وأللاهوت\ د. فؤاد خطيب

لاشك أن السينما الغربية ذات التقنية العالية جداً مازالت أداة ساحرة تملك امكانيات واسعة وتتأقلم مع الحدث العالمي برمته وتتطور مع هذا ألحدث بكل أبعاده السياسية والاجتماعية . عَبَرت هذه السينما منذ زمن كل الحواجز ولم تتوان عن طرحِ مَواضيع عامة شائقة وشيقة لا تأبه للمؤسسات الدينية ولا للمؤسسات الاجتماعية في العالم الغربي .ْ استغلت تلك السيمنا استغلالا تاماً حرية التعبير عن الرأي وعن العقيدة الدينية التي وَفرتها تلك المجتمعات خلال القرون الماضية عبر ثوراثها الاجتماعية والسياسية وعبرَ الطفرات الاقتصادية التقنية التي جلبت فيما جلبته أرضاً خصبة للتطورِ ِ الثقافي بِمجمله ِ وخاصة صناعة السينما المتطورة .
حن هذه المّرة بصددِ فيلم جديد أنتجته شركة " سوني " العالمية العملاقة ولم ُتنتجه هوليوود ربما تجنباً لصراع حاد مع الكنيسة الكاثوليكية بعد أن واجهت
صراعاً مع المؤسسة الصهيونية العالمية والصهيونيين الجدد في أمريكا بعد فيلم ميل جبسون عن " ألام السيد المسيح " وعَذاباته بطريقهِ للصلب في دارة الجُلجلة بعد أن خانه يهودا ألأسخريوطي وباعه بثمن بخسِ ِ للرومان الذين صََلبوه وعَذبوه حتى الموت . اتهم ذاك الفيلم مباشرة المؤسسة الكهنوتية اليهودية آنذاك وحكمائها مباشرة بصلب المسيح وابعاده ودينه الجديد عن أفق اليهودية وامتيازاتها بكونها بحينها الديانة "الموحدة " الوحيدة على الارض. أثار ذاك الفيلم قبل عرضة وأثنائه وبعده جدلاً لم يهدأ حتى ألان .
الفيلم الذي نحن بصدده في هذه المقالة هو فيلم " دافنشي كود " الذي زعزع عرش البابوية ومازال لتعرضه لقضية مصيرية مازالت تهددُ المؤسسة الكهنوتية الكاثوليكية في أصقاع ألارض كلها .
قصة الفيلم والكتاب الذي أخذ عنه هذا الفيلم باختصار شديد تدور عن الصراع التاريخي بالكنيسة ومنذ بدايتها حول" ألناسوت" أي بشرية المسيح عليه السلام وبين "اللاهوت " أي الطبيعة الالهية للسيد المسيح والتي أدت الى انقسامها الماثل ليومنا هذا الى كنيستين أساسيتين وهي الكنيسة الغربية ألكاثولوكية والشرقية ألأرثودوكسية ولا مجال لنا هنا الخوض عن أسباب هذا الانقسام الكبير المادية والسياسية الكثيرة التي رافقت هذا الحدث التاريخي الهام. الفيلم يدور حول النزاع التاريخي بين الكنيسة الكاثوليكية وبين جمعية " سيون " ألتي تَعتبرُ " ألأنثى المقدسة " هي جوهر عقيدتها السرية والتي تعتقد بشدة أن الكنيسة الكاثوليكية زيفت تاريخ المسيح البشري وحاولت عبر العصور مَحو كل الشواهد وألأدلة حول بشريته . بناءاً على هذه المعتقدات تقرُ هذه الجمعية أن السيد المسيح عليه السلام تَزوج من مريم المجدلية بعد أن خَلصَها من ألاثم والضياع ورزق َ ببنت منهاِ كَونت السلالة أو الذرية التي ترجع ُ الى نسبه حتى الان . هذه الجمعية السرية المعارضة للفكر الكهنوتي -اللاهوتي وأسسه التي بُنيت عليها الكنيسة الكاثولوكية منذ أن وجدت على الارض . هناك اعتقاد أن هذه الجمعية انوجدت في العالم المسيحي بعد سنة 1119 عندما أرسل البابا أنذاك سبعة من فرسان الهيكل أبان الحروب الصليبية الى ألارض المقدسة لأحضار سر تاريخي مسيحي هام وربما ألاهم على الاطلاق حسب رواية الكتاب والفيلم. .
يدعي الفيلم أن هؤلاء سافروا من فرنسا وأتوا الينا والى القدس بالتحديد وعادوا الى البابا بعد ثمانية أعوام وهم يحملون ذاك السر المسيحي الذي مازال طلسما حتى يومنا هذا . هناك اعتقاد من قبل تلك الجمعية السرية ألأنفة الذكر أن ذاك السر كان جثمان مريم المجدلية وكأس العشاء ألأخير الملأ ن بدم السيد المسيح عليه السلام .
بعد أن عاد هؤلاء الى فرنسا علا شأنهم وكونوا حركة كهنوتية فروسية قادت الكثير من الحملات الصليبية الوحشية ضد الشرق العربي وفلسطين بالتحديد .
عام 1307 أعلن البابا عليهم حرب الابادة واتهمهم بالكفر وبالزندقة وبمساعدة أساطين اوروبا الكاثوليكيين أبادهم عن بكرة أبيهم وانتهى وجودهم العاصف كما بدأ وضاع سرهم ذاك واختفى . بقي محفوظا حسب رواية الفيلم في سلالات جمعية " سيون " السرية تلك حتى يومنا هذا . من المشكوك به أن الفنان العبقري دافنشي كان عضواً بارزاً في هذه الجمعية السرية . المعروف عنه حقيقة أنه كان فنانا غريب ألاطوار متعدد ألمواهب مثيلي الجنس . رغم أنه رسم الكثير من اللوحات ألهامة في الفن المسيحي وأهمها على الاطلاق جدارية العشاء الاخير الموجودة في ميلانوا الايطالية لكنه بقي على خلاف عقائدي مع الكنيسة حتى أيامه ألأخيرة .
رسم اللوحات المسيحية وضَمنها الكثير من ألاسرار والرموز الوثنية من مصر الفرعونية ومن بابل وبلاد الاغريق التي سبقت المسيحية والتي أمن بها فناً وعقيدةً . كان في حياته أحد الاعضاء البارزين في جمعية " سيون " التي هي أبعد ما تكون عن المسيحية والتي تتدعي ازدواجية السيد المسيح البشرية والالهية . تعتقد أيضا أن حياته البشرية على الارض كانت عادية تزوج وترك وراءه نسلا ً ألى يومنا هذا يعيش بالخفاء خوفاً من ارهاب الكنيسة التي مارسته ضدها قروناً طويلة ً. ماكتبناه حتى الان من وقائع تاريخية وشبه تاريخية وأخرى مشكوك في أمرها أوحت للكاتب ألأمريكي الشاب دان براون لروايته التي تحملُ نفس اسم الفيلم " دافنشي كود " التي لاقت رواجاً عالمياً وترجمت الى 50 لغة في أقل من عام . شركة " سوني " الشهيرة حولت هذه الرواية التي صدرت 2003 الى فيلم سينمائي ِ ناجحاً أثار حفيظة الكنيسة الكاثولوكية في كل أنحاء العالم . لم تفلح البابوية ولا حتى الحكومات الغربية من منع ِ عرضه ولم تنجح المعارضة الشعبية من أتباع الكنيسة ورعيتها هناك من وقفه عرضه وقابل رواجاً هائلا ً كما الرواية . ملخص الحدث السينمائي يدور في أجواء بوليسية غامضة حين يُقتل المسؤول في متحف اللوفر الباريسي ألشهير أحد زعماء تلك الجمعية السرية المعاصرين
" سيون " على يد راهب أرسلته الكنيسة ويترك رسالة - شيفرة خلف لوحة الموناليزا المعروضة هناك لحفيدته " صوفي " العالمة بالرموز
ويطلب منها أن تستعين بعالم أمريكي مشهور بعلم الرموز الدينية - الوثنية في جامعة هارفرد ليساعدها على حل الشيفرة التي تركها والتي توصلُ ربما الى جثمان مريم ألمجدلية والى ألكاس المقدسة التي تثبت باليقين وبالتقنية العلمية الهائلة اليوم بشرية السيد المسيح قبل الوهيته . اذا وجد الجثمان ووجدت ألكأس ووجدت " صوفي " التي تؤكدها قصة الفيلم على أنها أخر فرد من سلالة المسيح كان بالامكان اثباث الحقيقة في عالم التقنية البيولوجية المتطورة المتوفرة اليوم بفحص الاحماض الوراثية أل - د. ان . ايه - التي تخزن بداخلها الموروثاث البشرية . بعد أن كشف العلم اليوم خريطة –الجينوم البشري كلها ليس من الصعب علميا اثباث حقيقة وراثية - أبوية السيد المسيح وامومة مريم المجدلية أذا انوجد جثمانها لهذه الشابة الجميلة السمراء – صوفي -
ذات الشعر الاسود والملامح الشرقية التي يدعي جدها المغدور أنها أخر حفيدة للسيد المسيح على الارض.
تحاول الكنيسة بكل الطرق منع هذا الامر من أن يتحقق ولا تذخر مالا ً ولا قتلاً ًولا أساليبا ًدموية من انهاء هذه القضية بسرعة التي تهدد وبحق أسس المسيحية كلها وتدحض بالاساس مُبررات وجود الكنيسة التي تقوم على الوهية المسيح وترفض بشدة حالته البشرية وزواجه من مريم المجدلية .
تدور أحداث الفيلم باسلوب شيق وفني رفيع المستوى وبحركة سينمائية تقنية باهرة للغاية عندما تعود الكاميرا مرة بعد مرة وتربط أحداث الفيلم مع الاحداث التاريخية بتوافق فني جذاب للغاية ، خلاب مُبدع في صالات العرض في اللوفر وفي شوارع باريس وأقبيتها وصالوناتها وكنائسها قديها وحديثها وفي فلسطين وبالذات في القدس وبيت لحم . يخال ُ للمشاهد بأنه يرى أمام عينيه ويتابع أحداث قصة انسانية بدقائق معدودة بما فيها من خيال ومن واقع ومن جمال وقبح ومن عذاب وألم ومن اثم و من قداسة .
نتهي الفيلم ويبقي السر سراً محفوظاً ربما للأبد ويبقى السيد المسيح شامخاً آبيا
مُعلماً كبيراً للبشرية كلها على مر العصور . كفى ذاك الفلم الجميل أنه أثار قضية ذات أهمية انسانية قصوى هيأته لها الظروف والمناخات الحرة التي وفرتها المجتمعات المتطورة والتي لاتنفك ترغب بالمزيد ولا يكفيها حتى حل لغز الخليقة والخلق بل تبحث عن ماقبل الخلق وما بعده وعن تسألنا الوجودي نحن البشر برهبة ووجل كلنا الى أين المصير وأين المفر ؟؟
ماهي الحقيقة وماهو الخيال ؟؟

أين البداية وأين النهاية ؟؟

ماهو ألأزل وماهو ألأبد ؟؟

ماهي طلاسم هذه الحياة البشرية ؟ أين سينتهي ألترحال بكوكبنا ألازرق

وهو ربما كان نقطة من خيال وربما لغزاً من ألغاز دافنشي أودعها احدى رسوماته الجميلة التي تزين متاحف وكنائس العالم .
من القضايا التي اثارها هذا الفيلم الذكي الجميل وان كنا لانوافق على جميع ماورد به من خواطر وأفكار هي –
أولا - تزييف تاريخ السيد المسيح عليه السلام البشري على أيدي الكنيسة الكاثوليكية . ماهي حقيقتة تلك البشرية أم تلك الالهية ؟
ثانيا - اهدار اهمية المراة في المسيحية كما في الديانات الموحدة بعدها وقبلها.
تهميش دورها في تلك الديانات بعد أن كانت آلهة في الوثنية ومركز الحياة والموت والبعث . نذكر على سبيل المثل لا الحصر ايزيس آلهة الخصوبة في مصر القديمة بعل وعشتاروت آلهة الحب والخصب عند الفنيقيين وآفروديت آلهة الحب عند الاغريق القدماء.
ثالثا - تقديم الكنيسةعلى أنها متسلطة حكمت في الماضي ومازالت تحكم رقاب البشر بالحديد والنار استغلت شعوب الارض منذ ان تكونت وبنت مجدها وعرشها من دم وعرق الغلابة .
رابعا – اعتراف ضمني من الغرب المسيحي بان المسيح عيه السلام شرقي ذو ملامح شرقية سمراء ذكية اذا صدقت حقيقة " صوفي " بالفلم . لاشك أنه من هنا
أطلق رحمتة وسلامه للبشرية كلها. من هنا كانت لغته وهنا حياته وصَلبه ومَماته وقيامته وقبره وماهي الحروب الصليبية القديمة والجديدة الا كذبة كبرى وحروب عدوانية لاتمت لانسانية المسيح باية صلة .

.. وبعد نتمنى على السينما العربية الساقطة الى حد الاشفاق عليها في هذه الايام التعيسة لو تتعلم القليل من هذا الفيلم من مواضيعه وتقنيته وتترك " النوم في العسل " " وهمام في امستردام "
وهذه الافلام الشبابية الاستهلاكية المعاصرة الساقطة للاسف لانها ببساطة شديدة تبتعد عن القضايا التي تعاني منها الشعوب العربية في أرذل مراحل وجودها على الاطلاق . نتمنى على اللاهويتة الاسلامية – اذا صح هنا التعبير- أن تترك ألابداع للمبدعين وللمفكرين وأن لا تكفرهم على ابداعهم مهما كان لان فيه مستقبل وخلاص هذه الامة .

.