قوة الجماعة.. غياب الفرد..! \ سميح الصفدي

قوة الجماعة.. غياب الفرد..! \ سميح الصفدي

في اختبار لطيف وذو دلالة يعرض المحاضر على اللوح شكلاً يحتوي على خطين متوازيين.. واضح للمشاهد بشكل لا يقبل الشك أن الخط الأعلى أطول بقليل من الخط الأسفل..
هناك شخص قادم إلى القاعة بعد قليل.. يتفق المحاضر مع الجمهور على أن يكون الخط الأسفل هو الأطول.. عليهم جميعا أن يصرحوا بهذه الكذبة البيضاء أمام الضيف الجديد.
وبالفعل بعد دخول هذا الشخص يبدأ المحاضر بسؤال الموجودين واحد تلو الآخر عن الخط الأطول في الشكل.. وبعد تأكيد عدد من الأشخاص أن الخط الأسفل هو الأطول دون أية اعتراضات من الباقين، يُسأل الشخص الجديد عن رأيه ليؤكد بقناعة تامة أن الخط الأسفل هو الأطول دون أدنى شك.
اللعبة معروفة جداً في حقل علم النفس الاجتماعي وهي تظهر بوضوح مدى خضوع الحكم الفردي لسلطة الرأي العام ومدى خطورة قوة الإجماع والجماعة، والتي تستطيع تحويل الخطأ إلى صواب وقلب الباطل إلى حق.. والحق إلى باطل بمجرد توفر السلطة العددية.. وإجماعها.
اللعبة لها شرط أساسي لا يمكن أن تنجح بدونه.. وهو الإجماع التام والخالص.. فإذا ما تمتم أحد الحضور برأي مخالف أو شكك مجرد التشكيك بـ "حقيقة" الخط الأطول فإن حكم الضيف الجديد سوف "يختل".. أو من الأصح القول سوف يتوازن، ومن الممكن أن يتجه باتجاه التفكير المستقل وإمكانيات الحكم السليم.
من هذا الباب نستطيع أن نفهم مدى حرص الجماعة على تأمين الإجماع وعدم تعكير صفوه بأية انتقادات جانبية مهما كانت طفيفة.. خصوصاً إذا كانت هذه الجماعة تنوي الاضطلاع بمهمات معينة تستوجب الاصطفاف..
ومن هنا نستطيع أن نتبين سر القسوة على المخالف والخارج على الإجماع.. فهو يستطيع ولو بالتشكيك البسيط أن يخلخل البنيان المتراص لايديولوجيا الجماعة وأن يربك اصطفافها بمجرد تعبيره عن رأيه.
ومن هنا أيضاً نستطيع أن نفسّر تردد الكثيرين بالتعبير عن رأيهم الحر أمام حالة توحي بالإجماع.. خوفاً من النبذ والعزلة.. فحتى تحافظ الجماعة على اصطفافها المتين لا بد أن تضفي على صاحب الرأي المخالف صفات لا أخلاقية تحط من شأنه ومن قدره وتنزع عنه صفة الرأي الحر.. وهنا لا بد من لجوء الجماعة إلى مفاهيم ثقافة الاستبداد والإقصاء: المروق.. والخيانة.. والانتهازية.. محاولة بهذا نزع أية مسحة من العقلانية والأخلاق والمثل العليا عن محاولات النقد ومحاولة تلويثه بمختلف التهم... والتي غالباً ما تصل حد "شيطنة" الآخر.. فكل مخالف هو "شيطان" يجب رميه بكليته مع أرائه، ويتم ذلك بمنطق الأبيض والأسود.. منطق "معنا أم ضدنا".. دون أدنى حد من التفكير الديموقراطي القائم على التعدد واختلاف الألوان وتدرجها.
خيار الفرد:
لا شك أن الوقوف خلف الجماعة وتأييدها هو الخيار الأسهل والأسلم سواء للإنسان العادي أو للصحفي أو للكاتب أو لصاحب الموقف.. لكنه بالتأكيد الخيار الأقل شجاعة.. والأقل أخلاقاً..
حين نقف بجانب الفرد..، أي فرد، فإننا نقف بجانب "قيمة"، لا بجانب خطأ أو صواب.. ولا رغبة بالوقوف ضد المجموع جرياً على التفسير الساذج "خالف تعرف"..
هذا الكلام يستطيع أن يفهمه كل من تذوق طعم قسوة الجماعة وبطشها.. الجماعة تنسى أن الفرد مهما مارس من الأخطاء يبقى كائناً من لحم ودم... الجماعة تعمل بوعي أو بدون وعي على شيطنة هذا الفرد (الخصم) وتضربه بيد من حديد.. ولا تنتبه في غمرة حماسها ولذة توحدها أن هناك دماءً تسيل.. وأن هناك معاناة ومشاعر وأحاسيس وفقدان قيمة.. ويجري تجريد الفرد "الخصم" من كل قيمة إنسانية قد تفضي إلى التعاطف.. فبقدر ما تستطيع الجماعة تسفيل الآخر وتجريده من إنسانيته.. بقدر ما تجد تبريراً لقسوتها.. ودافعاً لاستمرارها بالسحل دون أدنى حد من تبكيت الضمير..!
ترى كيف سيكون شكل المجتمع حين يصمت "المخالف" الأخير.. أليس هو السقوط في الاستبداد وطغيان الجماعة.. لتبقى العدالة عرجاء برجل واحدة..؟؟!

.