إلى عُلا عيسى الذي عبر الجسور \ سامي مهنا

إلى عُلا عيسى الذي عبر الجسور \ سامي مهنا

تعرفتُ عليه في منتصف التسعينات.
هنالك وجوه يمنحها الله نعمة السمات الحميمة، وأصواتٌ تمتزج بالطيبة والطيب، وتدعوك إلى صداقتها كما تفعل عصافير الصّباح، ومن سماتهم تحبّونهم، هذا هو الشاعر والكاتب الراحل عُلا عيسى، الطيّب، المتواضع، الدمث الصادق والمثقّف.
اختار عُلا الابتعاد عن "الشلليات" فبقي "مُهمشًا" برغبة وإصرار، ففي حالتنا الثقافية التي لا تخلو من الرداءة، يُهَّمشُ المتواضعون أمثال عُلا الذي لم يكترث إلا لما آمن به وصدّقه.
اهتم عُلا عيسى ابن كفر قاسم، بقضية مجزرة كفر قاسم وإحياء ذكرى شهدائها، فله كتاب ضخمٌ يخلّد فيه ذكرى تلك الوجوه البريئة والدماء التي حصدتها آلة القتل الصهيونية دون سبب ودون ذنب، ليسجّل التاريخ الامبالي جريمة أخرى لم يجد المنطق الأخلاقي سببًا لها، ويبقى السبب مبررًا في منطق الاحتلال وسجّلاته (النقيّة) المدوّنة بغبار البارود ودماء الشهداء ومآسي الأرض.
لكن أخلاقيات عُلا العالية دعته إلى هذا العمل الإنساني والوطني تلبية للضمير والأخلاق ومن منطلق الواجب النظيف، لا من أجل أن يحصد أرباحًا معنوية على حساب دم الشهداء وآلام ذويهم وشعبهم. فهو لم يحول نفسه إلى "شاعر المذبحة"، وأحد "أوصياء المجزرة"، ولم يحمل بطاقة مختومة بدم شهداء بلده، بل كتب وعمل بطريقته، بتواضع ونقاء واحترام وخشوعٍ لهذا الدم الزكيّ المسفوك الساخن الذي لا يبرده الزمن.
وكانت له نشاطات صحافية واجتماعية وخاصة على المستوى الداخلي في كفر قاسم، وبطريقته الصامتة والمتواضعة عمل الكثير.
وعُلا عيسى شاعرٌ ومترجمٌ وموثقٌ وباحث، له إصدارات شعرية فيها تميّز وتجديد منها "ظلال العتمة"، "النص المجاور ومرايا النص"، "هي التي بعثتني رسولاً"، "طائرٌ تستهويه لبّة الشمس"، وله ترجمات منها: "كفر قاسم الأحداث والأسطورة"، "هكذا تكلّم نيتشه"، وحرّر: "ديوان الشهيد"، وله دراستان: "مداخل الى فهم القصّة"، "إضاءات على عالم أدونيس"، والذي أعاد طباعته بطبعة ثانية مزيدة عام 2003. وقد أهديتُه إلى أدونيس الذي تصفحه، وأشاد بقدرة كاتبه الرؤيوية والتحليلية العميقة.
لم نلتق بشكل دائم، إنما حين كنّا نلتقي في مناسبة ما، كنت أشعر أنني بحضرة صديق حميم. هاتفته قبل أشهرٍ وكان في المستشفى بانتظار عملية قلب، واتفقت معه للقاء إذاعي في برنامجي في راديو الشمس، وبعدها فهمت منه أنه ليس بصحة جيدة، وانتظرتُ أن يتجاوز الأزمة، وحاولت مرارًا في الآونة الأخيرة أن أتصل لأطمئن عليه، وكنت أصطدم بهاتف مغلق، فلم أشأ إزعاجه، ولأنني بطبيعة أملي الإنساني لم أتوقع موته المفاجئ، لم أصر على مكالمته، ولم أزره ولم أره، ويا لخسارتي.
لقد أهدى عُلا ديوانه " طائرٌ تستهويه لبّة الشمس": "إلى الذين يحاولون اجتياز الجسور إلى عالم في الطرف الآخر". وها أنت تعبر الجسور يا عُلا، إنساناً بحث عن ذاته، وعن حريّته، وعن آفاقٍ أرحب من مدى البصر، وسماءً أنقى من الوصف وأعلى من الكلام، وعن أرض لا يُحصد فوقها الأبرياء.
فاجئني موتك أخي عُلا، ولم يستطع الموت منذ الأزل أن يُجَنِّبَنا بتكراره الأبدي مفاجئتنا المتجّددة ولم يُجَنِّبْنا الحزن، والألم، نحن نعتاد الموت بقدر ما لا نعتاده، ونقتنع به بقدر عدم قناعتنا، ونسلّم له بقدر عدم تسليمنا.
الموت حق، والحزن حق، وألم فراقك وذكراك حقٌ لنا ولك ولنا.
رحمة الله عليك أخي وصديقي البعيد القريب عُلا، وإنّا إليه لراجعون.

.