أحد "أولاد أرنا": "أمي كانت ستموت شهيدة لو عايشت الاجتياح"

أحد "أولاد أرنا": "أمي كانت ستموت شهيدة لو عايشت الاجتياح"

في العام 1988، داهم المرض أرنا مير-خميس. كانت في تلك السنة وفي السنوات التي سبقتها تعمل في غزة، مع الاولاد الذين يعانون من عسر في التعليم ومشاكل نفسية في رياض الاطفال والمدارس. لكن أرنا لا تعرف الكلل وأرادت ان تواصل مشوارها مع الاطفال الفلسطينيين في غزة. عندها اقترح ناشطون فلسطينيون ان تنتقل للعمل في مخيم جنين للاجئين. وقالوا لها ان جنين اقرب الى حيفا من غزة. وليقنعوها، قالوا ايضا ان الاوضاع في مخيم جنين تعيسة.. وهذه الجملة الاخيرة جعلتها توافق على الانتقال الى جنين. فقد كانت أرنا تؤمن بالعدالة الاجتماعية بشكل متطرف وكانت تسعى الى اسعاد الاطفال بشكل خاص.

وهكذا صار. ذهبت أرنا الى مخيم جنين حاملة الاوراق والتلاوين ومجموعة كتب ورزم دفاتر. لم تكن في حينه تعرف احدا في المخيم. في ذلك الوقت كانت الانتفاضة الاولى في بدايتها والوضع في المخيم خطر للغاية. رغم ذلك، دخلت المخيم حافية القدمين، ترتدي جلابية وعلى رأسها الحطة.. في اليوم الاول، جلست في الشارع وفرشت الى جانبها، على الارض، الاوراق والاقلام الملونة والكتب والدفاتر. وكانت على يقين وهي الخبيرة بنفسيات الاولاد، ان هذه الاشياء تجذب الاولاد الصغار. ولم تمر دقائق حتى بدأ الاولاد بالالتفاف حولها وأرنا بدورها تعطيهم اوراقا واقلاما ليكتبوا ويرسموا عليها ما يجول في أدمغتهم الصغيرة. ومرت سنة كاملة على أرنا وهي تتردد على المخيم دون ان يقترب منها اي من الاهالي. فهي يهودية، شقراء، ترتدي الجلابية وحافية القدمين. لم تقم في السنة الاولى علاقات في المخيم سوى مع الاولاد. بعدها تعرفت على شبان الانتفاضة، الذين اخذوا يحرسونها. بعدها بدأت تُنسج علاقة مع اهالي المخيم الذين بدأوا يعزمونها على فنجان قهوة. وكانت أم العبد الزبيدي من اوائل النساء اللواتي تعرفت عليهن أرنا في المخيم. وأم العبد، بالمناسبة، استشهدت بعد ان اطلق عليها جنود الاحتلال النار فيما كانت تعطي الاشارات بيديها لشبان الانتفاضة عن تحركات الجنود. وبعد اكثر من عشر سنوات أصبح نجل أم العبد، زكريا، قائدا لـ"كتائب شهداء الاقصى" في المخيم.

بعد ان تعرف اهالي المخيم على أرنا فتحوا امامها ابواب بيوتهم. وفي ذلك الوقت بدأت، ايضا، تصلها مبالغ من المال على شكل تبرعات من مؤسسات في اوروبا لدعم نشاطاتها. وقد استأجرت أرنا بيتا في كل حارة بالمخيم لتحوله الى مركز ثقافي يتم فيه تدريس اولاد المخيم القراءة والكتابة والموسيقى والمسرح. وبلغ عدد هذه البيوت سبعة. ونظمت دورات لمرشدين من المخيم، بلغ عددهم حوالي الثلاثين مرشدا، ليعلموا بدورهم الاولاد الصغار. واصبحت هذه البيوت بمثابة مدارس، لكنها لم تكن كالمدارس العادية. فأرنا كانت تتبنى نظريات التربية على الحرية ومنح التلميذ الاحترام كونه في مركز العملية التثقيفية. وهي بذلك قلبت الامور رأسا على عقب في المخيم.

في العام 1993 فازت أرنا بجائزة نوبل البديلة. وحصلت على مبلغ 50 الف دولار. ورغم انها كانت تعيش في ضائقة مالية، هي واولادها الثلاثة، سبارتاك وجوليانو وعبير، لكنها اعلنت امامهم ان هذا المبلغ سيصرف على احتياجات المخيم. فبنت مسرحا في المخيم، فوق سقف منزل تبرعت به أم العبد. وبدأ ابن أرنا، جوليانو، يعمل مخرجا في المسرح، وكان قبل ذلك بسنة قد بدأ في تعليم الاولاد في المخيم دورات دراما. وبدأ جوليانو في ذلك الوقت، ايضا، بتصوير نشاط وعمل أمه مع اولاد المخيم، الذين اعتبروها أما لهم، ليستخدم هذه المشاهد بعد أكثر من عشر سنين في فيلمه "أولاد أرنا".
يقول جوليانو إن المخيم، وخصوصا أولاد المخيم، كانوا كل شيء بالنسبة لأرنا. "أمي لم تكن الام تريزا. كانت تقول عندما ذهبت الى المخيم في المرات الاولى: "لست يهودية طيبة وعاملة اجتماعية جاءت لتساعد عرب مساكين. بل انني جئت لانضم الى رفاقي في جنين لمحاربة الكولونيالية الصهيونية". لقد وجدت بالشعب الفلسطيني، وخصوصا اهالي المخيم، شريكا في النضال. ورأت ان هؤلاء اناس يمكن الوثوق بهم وانهم على استعداد للتضحية بحياتهم من اجل حريتهم. وقد فهم اهل المخيم هذا الامر ولذلك قبلوها بدون حدود كواحدة من الاهالي".

ليس صدفة ان المشهد الاول من فيلم "أولاد أرنا" بدأ بتظاهرة تقودها أرنا عند حاجز نصبه جيش الاحتلال عند مدخل مدينة جنين ورفع فيها مجموعة صغيرة من المتظاهرين لافتات كتبت عليها شعارات مناهضة للاحتلال الاسرائيلي. طابور السيارات اخذ يطول وراحت أرنا، رغم المرض البادي على وجهها وجسدها الهرم، تتنقل بين السيارات وتحرض سائقيها على الاحتجاج: "زمروا.. زمروا!"، كانت تردد، حتى بدأ السائقون، شيئا فشيئا، يتحررون من خوفهم ان يعتقد الجنود انهم يستفزوهم، ليملأوا الجو عند الحاجز بصخب صفارات سياراتهم القديمة.

وعندما تدخل أرنا الى المخيم تستقبل بحفاوة، خصوصا الاولاد الصغار الذين تعلو وجوههم الابتسامات المعبرة عن فرح حقيقي بقدوم "الام أرنا"، فقد كانت تعتبرهم أولادها وهم يعتبرونها أما لهم. بل ان العلاقة بينهم لم تكن مجرد علاقة أم بأولادها وانما هي علاقة بين اصدقاء، أو على الاصح بين رفاق في النضال. فكانت تحرضهم على عدم الخنوع والاستسلام في وجه من يظلمهم. وعندما جاءت أرنا الى المخيم في احد الايام استقبلها الاولاد، كعادتهم، بفرح كبير، الا علاء الذي كان منعزلا ومنطويا على نفسه ويجلس في ركن وحيدا. وبعد ان علمت أرنا ان علاء حزين على قيام جيش الاحتلال بهدم بيت عائلته حتى راحت تسأله: "ماذا تريد ان تفعل بالجنود؟"، وكأنها تريد ان تقول ان لا وقت للحزن، فكر في التصدي للغاصبين. وراحت تحرض الاولاد على القيام بحركة ما، بشيء ما، يعبرون من خلاله عن احتجاجهم وغضبهم من الاعتداء على بيت رفيقهم. وما لبث ان صرخ احد الاولاد: "اريد ان اضربهم واطردهم من ارضي". فدعته أرنا، وهو في ذروة غضبه، الى ان يريها كيف سيفعل ذلك وراح الصبي الصغير يضربها ويدفعها بكل ما يملك من قوة وكانت أرنا سعيدة بذلك فقد حققت غايتها..

لكن أرنا لم تتعامل مع اولادها من المخيم على انهم صغار. فخلال ورشات العمل التي اقامتها في البيوت المستأجرة، بفضل الاموال التي وصلت من الدول المانحة الاوروبية... والجوائز التي تمنحها الدول الاوروبية ايضا.. وقبل عرض مسرحية، كانت أرنا تلقي خطابات حماسية. لم تكن تتحدث في هذه الخطابات عن الاوضاع في المخيم ولا عن معاناة أهالي المخيم. بل كانت تتحدث عن الحرية والحقوق التي لا تمنح وانما تؤخذ عبر النضال. كانت تحرض على النضال.

عندما سألت جوليانو اذا ما كان الهدف من نشاط أمه بين الفلسطينيين هو اظهار الوجه الاخر للاسرائيلي الذي يعارض الاحتلال، قفز من مكانه وكأن عقربة لدقته، وقال "أعوذ بالله.. اعوذ بالله.. لا شيء من هذا القبيل". ولكنه اردف قائلا انه "بالامكان رؤية هذه الفكرة في الفيلم، لكن لم يكن هذا هو الهدف. فهي يهودية. لكن امي لم تقل ابدا عن نفسها بانها يهودية بل تقول انها ابنة لعائلة يهودية وولدت لعائلة يهودية في بلدة اقيمت على انقاض قرية الجاعونة". وأوضح جوليانو ان "اليهودية هي دين وأمي تؤمن بافكار هي النقيض المطلق لكل شيء ديني".



تظهر أرنا في جميع مشاهد الفيلم وهي تلف رأسها بالحطة الفلسطينية. وعندما تحدثت عن ذلك، قالت ان للحطة قصة بدأت عندما بلغت سن الثامنة عشرة وانتسبت الى منظمة "البلماح" الصهيونية وكانت تعمل سائقة لرحبعام زئيفي المعروف بكنيته "غاندي" والذي كان وزيرا في حكومة شارون الاولى وحمل افكارا عنصرية تجاه العرب ودعا الى ترحيلهم وقد قتله قبل نحو سنتين مسلحون فلسطينيون ينتمون الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين انتقاما على اغتيال اسرائيل لزعيم الجبهة ابو علي مصطفى. وتحدثت عن انها شاركت في احدى المرات في عملية ترحيل بدو فلسطينيين عن اراضيهم. واكدت على ان هذا كان الشائبة الوحيدة في حياتها. وقالت أرنا انها رأت بهذه الفترة من حياتها على انها فترة الشباب وان انتسابها الى هذه المنظمة كان نوع من الشقاوة. ولكن جوليانو اشار ايضا الى ان تضمين الفيلم بهذه المعلومات عن أرنا يهدف الى امرين: الاول ان ارنا ارادت ان تقوم بعملية محاسبة علنية لذاتها. والثاني، انه اراد ان يمرر رسالة تقول ان الافكار قابلة للتغيير بشكل كبير وحتى انها قابلة للتغيير من النقيض الى النقيض.

"في الحقيقة"، قال جوليانو، "لقد اردت من وراء زرع مشهد الحديث عن البلماح في الفيلم أن أحقق امر اساسي. وهو ان أجعل المشاهد يفكر في هذه المرأة التي تتحدث عن الفترة التي كانت فيها في هذه المنظمة وهي في طريقها الى المخيم وكيف ان الاولاد يعانقونها، لانهم يحبونها كثيرا. قبل وصولها الى المخيم تعبر عن اسفها عن فترة البلماح وتؤكد انها شائبة في حياتها. لقد اردت ان اجعل المشاهد اليهودي الاسرائيلي يفكر في ما يراه امامه على الشاشة الكبيرة. ان يرى كيف ان الانسان يمكن ان يغير افكاره بشكل كبير وان يعترف بالخطأ الذي ارتكبه".

بعد الانتهاء من تصوير وانتاج الفيلم رفض جوليانو عرضه في اسرائيل. ورغم الحاح أوسنات طرابلسي، منتجة الفيلم، بان يتراجع عن موقفه هذا الا ان جوليانو اصر على عدم عرضه في اسرائيل. "قلت لأوسنات انني فقدت الثقة بالمجتمع الاسرائيلي ولا اريد ان ادخل في اي نوع من الحوار مع هذا المجتمع. سأبدأ بالحوار مع اليهود الاسرائيليين فقط عندما نتخلص من الاحتلال في الضفة وغزة. لكن اليوم فانني مهتم بان اعرض الفيلم عند الفلسطينيين، في العالم العربي وفي الخارج. لكن أوسنات لم تستسلم. وبدأت تجري اتصالات مع دور عرضز وكانت مفاجأتي كبيرة جدا عندما بدأ المسؤولون في دور العرض هذه بالاتصال بي وارسال الرسائل عبر البريد الالكتروني ليدعونني للحديث عن الفيلم ولاجراء حوارات معي. وبعدها اصبح الكثيرون يرسلون الي بتعقيباتهم وانطباعاتهم عن الفيلم، خصوصا من الشباب صغار السن. وحتى ان بعضهم قالوا لي انهم سيرفضون اداء الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة. وقال لي احد هؤلاء الشبان انه يريد نسخة من الفيلم لتشاهده امه لانها لم تصدقه عندما حدثها عن الفيلم. عندها بدأت ادرك حجم العمل الذي قمت به. والان يعرض الفيلم كل مساء في المدن والبلدات في انحاء اسرائيل. وانا اتحدث عن ذلك في اطار متواضع لانني اعلم ان الفيلم لن يحدث ثورة ولن يغبر العقلية السائدة في اسرائيل ولكنه مسّ شيئا ما في تفكير من شاهده من الاسرائيليين".

بعد سنوات قليلة من عضويتها في "البلماح" خرجت أرنا من هذه المنظمة. ولكنها كانت تحمل بذور الفكر الاشتراكي التقدمي، خصوصا الشيوعي. وما هي الا سنوات قليلة حتى انضمت الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي. وهناك تعرفت على القائد الشيوعي والمثقف الفلسطيني البارز صليبا خميس وتزوجا وأنجبا ثلاثة ابناء.

توفيت أرنا قبل الاجتياح الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية وقبل وقوع الدمار الرهيب في مخيم جنين. ولكن هناك سؤال يحضر من يشاهد الفيلم: كيف كانت ستتصرف أرنا لو ان الله اطال بعمرها لتعايش الاجتياح؟ جوليانو: "بكل تأكيد كانت أمي ستستشهد مع الذين استشهدوا في المخيم.. ليس لدي شك في ذلك. اذا كنت انا دخلت المخيم في ذلك الوقت وانا اخاف اكثر منها بمئة مرة. هي لا تخاف. هل تعلم ان شبانا من الجهاد الاسلامي اختطفوني أنا وامي. كنت خائف جدا. واخذوها الى احد مخابئهم وقالوا لها انهم يقدرون العمل الذي تقوم به في المخيم، لكنهم لا يريدون ان يمثل الاولاد والبنات في المسح معا. حذروها. لكنها لا تعرف الخوف وقالت لهم: ان الاولاد والبنات سيعملون جنبا الى جنب في المسرح رغما عنكم واريد ارى ماذا يمكنكم ان تفعلوا. انا كنت ارتجف من الخوف. وفعلا استمر الاولاد والبنات يعملون معا في المسرح. كذلك كان محققوا الشاباك يقولون لها ان هناك من يريد ان يقتلها في المخيم، لكنها لم تأبه بهذه التهديدات. انا متأكد ان أرنا كانت مع الشباب في المخيم، مثلها مثل ام العبد الزبيدي.. ولكنها لو لم تتمكن من دخول المخيم وقت الاجتياح لقضت نحبها من كثرة البكاء".

بعد الاجتياح وتدمير المخيم تردد جوليانو كثيرا على مخيم جنين وأكمل تصوير الفيلم. وتبين له ان غالبية "أولاد أرنا" استشهدوا خلال الانتفاضة، خصوصا ابان الاجتياح، بعد ان انضموا الى المقاومة الفلسطينية. احد "الاولاد" الذين بقيوا على قيد الحياة كان علاء. وهو ذلك الولد الذي ذكرناه اعلاه وكان منعزلا عن بقية الاولاد بعد ان هدم جيش الاحتلال بيته. لقد اصبح علاء شابا شجاعا واحد ابرز المقاومين في المخيم. وفي احد الايام وقعت معركة بالاسلحة الرشاشة بين شبان المقاومة والجيش تمكن جوليانو من تصويرها كاملة. بعدها جاء مشهد استشهاد علاء، وظهر في الفيلم وهو ممدد على سرير في المستشفى وحوله امه التي كانت تصرخ من شدة المها على استشهاد ابنها ثم وقعت على الارض وأغمي عليها. انه واحد من اقسى المشاهد في الفيلم واكثرها تأثيرا.

في اعقاب اعداد فيلم "أولاد أرنا" عاقبت المسارح في اسرائيل جوليانو. لم يعد يوافق أي مسرح من هذه المسارح، التي عمل فيها لسنوات طويلة، على قبول جوليانو للعمل. المسؤول في هذا المسرح يقول ان العقد انتهى وليس هناك ما يمكن ان اعرضه عليك، وذاك يقول انه لا يريد السياسة في المسرح، وثالث يزعم ان ليس لديه شيئا يمكن عرضه على جوليانو.. وهكذا اصبح جوليانو "عاطلا عن العمل". لكن جوليانو، في حقيقة الامر، لا يجلس دون عمل ولن يبقى بدون عمل. فهو ممثل وفنان موهوب وله اسمه اللامع في مجال الفن المسرحي بوجه خاص. وهو يتمتع ايضا بحس انساني يزيد موهبته جمالا ورقيا وعطاء. وأكد لنا انه لن يبقى بدون عمل. فقد ابلغته جمعية ايطالية، مؤخرا، بانها على استعداد لدعم بناء مركز ثقافي جديد في مخيم جنين. وهناك عرض عمل لاقامة مسرح في مخيم الدهيشة واخر في رام الله وايضا في جامعة بير زيت. وانهى جوليانو حديثه معنا قائلا: "لست مشتاقا للعمل في المسرح الاسرائيلي واعتقد ان التوجه في المستقبل القريب انني سانقل حياتي باكملها الى الضفة للعمل في بناء مسرح فلسطيني".

موقع أرنا على الشبكة: www.arna.info