العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ48(1)/ سعيد نفاع

العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ48(1)/ سعيد نفاع


قليلة هي الشعوب في عالمنا التي تصارع على مجرد وجودها، فحياة الشعوب لا تخلو لحظة من الصراعات، منها من يصارع على نيل حريته واستقلاله، ومنها من همه مستوى حياته ورقيّها، ومنها من يرفع عدوانا على حقوقه من أغراب أو من حكام. لكن الشعب الفلسطيني يخوض على مدى قرن ونيف من حياته صراع وجود شرسا أمام أعتى الأعداء، فهذا هو الجانب المستهدف من حياته، حتى يصير الصراع على حقوقه، المفروغ منها، نوعا من " الترف" أمام صراعه على مجرد الوجود.

لم يبخل الشعب الفلسطيني بالتضحيات في معركته على وجوده وبكل شرائحه وتركيبته فالكل كان مستهدفا، حتى أولاء الذين تساوقوا مع الصهيونية ببيعها الأراضي بل وأكثر من ذلك. ففي كل شعب هناك ضعيفو النفوس وعديمو القيم الذين مقابل مصالحهم الرخيصة قياسا، يبيعون ليس فقط شعوبهم بل وحتى ذويهم المقربين. أولاء لم يكن المشترك بينهم انتماء لشريحة معينة أو لطبقة معينة، المشترك بينهم مصالحهم المادية الرخيصة.

العادة والمفروض أن لا يكتب عن دور شريحة من شرائح الشعب أي شعب في مسيرته النضالية، إنما الكتابة عن الشعب بأكمله فمصيبته واحدة ونضاله واحد. لكن للضرورة أحيانا أحكام يحتمها ظرف موضوعي يقتضي الخروج عن القاعدة، ومثل هذا الظرف حاصل في سياقنا بما يخص العرب الفلسطينيين الدروز كفصيل من فصائل الشعب الفلسطيني على قلة نسبتهم من الشعب الفلسطيني.

تركيبة أمتنا العربية الطائفية والمذهبية كانت على مر الأجيال بابا مشرعا لأعدائها يلجون منه إلى البيت الواحد فيعيثوا فيه فسادا ودائما بمساعدة بعض أهل البيت. أين كان العرب الدروز من أهل البيت؟

هذا السؤال جد ملحّ على ضوء المؤامرة التي راح ضحيتها الدروز الفلسطينيين بعد النكبة، بإخراجهم سنة 1956 من دائرة "مواطني " دولة إسرائيل المعفيين من الخدمة الإجبارية السارية المفعول قانونا على كل عرب ال-48، بعد أن كانوا كذلك أسوة بكل فلسطينيي البقاء بعد النكبة. إبطال الإعفاء هذا لم يكن ليحصل لولا ثلاثة "ولاءات " اعتمدتها، مكرهة في معظم الأحايين مختارة في البعض، الأقلية الفلسطينية بعد قيام دولة إسرائيل بواسطة من تبقى من "قياداتها" أو من قُودوا عليها على يد الدولة.

ألولاء الأول ولاء اللا حول ولا قوة :
ألغالبية العظمى من فلسطينيي البقاء التي كانت تعاني من كل المرارات التي خلقها الله؛ مرارة فقدان الأعزاء إما قتلا أو تشريدا، ومرارة صراع البقاء، لم يكن بمقدورها ولا تستطيع أن تكون في مثل هذا الظرف غير الطبيعي قادرة أن تفشل مثل هذه المؤامرة التي طالت جزءا من جسدها، وبالتالي كل الجسد ليبقى الجسد داميا كله، فهو المستهدف الحقيقي.

ألولاء الثاني ولاء المقوّدين:
" القيادات" التي بقيت أو خُلقت بمعظمها ومن كل الطوائف، وبالذات تلك التي مدت يدها لأعداء شعبها قبل النكبة وبعدها، لم تكن معنية بوقف المؤامرة لا بل كانت شريكة فيها، وبزتها تلك من بين الدروز. القيادات المخلصة التي تبقت إما صمتت مكرهة أو لم تستطع فعل شيء. أما أولاء الذين تصدوا، وهم القلة، ضربوا بالحديد والنار وهددوا بالتصفية الجسدية إن هم تمادوا في التصدي.

ألولاء الثالث الولاء المؤدلج:
أصحابه من القوى السياسية التي دخلت اللعبة السياسية الإنتخابية الإسرائيلية، ومن منطلق حق الشعوب في تقرير مصيرها. فالشعب اليهودي حقق هذا الحق وأقام دولته التي يستحقها أما الشعب الفلسطيني لم يحقق هذا الحق ويجب النضال لمساعدته على ذلك. أما فلسطينيو البقاء ومن منطلق أخوة الشعوب فلا ضير عليهم إن تأسرلوا فالصراع هو طبقي وبإمكان الأخوة اليهودية العربية أن تضمن لهم الحياة الكريمة في ظل الدولة نتاج حق تقرير المصير للشعب اليهودي، وبضمن ذلك المساواة في الحقوق وفي الواجبات وفي سياقنا تأدية الخدمة الإجبارية، إلى درجة أن رأت أن عدم استدعاء الشباب العرب للخدمة العسكرية الإلزامية مسا بحقوقهم وتمييزا ضدهم. لذلك لم تر بأسا في إبطال الإعفاء من الخدمة العسكرية عن العرب الدروز ومعهم أقلية أخرى هي الشركس. هذا الموقف تغير لاحقا تماما ونما في صفوف هذه القوى مناضلون كبار ضد هذه المؤامرة.

ألمؤامرة نفذت ولم يجد الدروز الفلسطينيون المناهضون لها ظهيرا لهم، لا في أبناء شعبهم ولا في "قياداته" ولا في قوة سياسية فاعلة، خصوصا وأن قلة من "قياداتهم" ذات نفوذ دعمته الدولة الحديثة المنتصرة بكل وسائل القوة، ساهمت في المؤامرة، والكثرة صمتت خوفا ولاحقا انجرّت، ما عدا نفر غير قليل،مدعومين شعبيا في المراحل الأولى، نقشوا على راياتهم استمرار التصدي مع فرص نجاح ضئيلة بغياب أي ظهير، إلا أنهم حافظوا على الجذوة متقدة وصارت نارا عالية اللهب في العقدين الأخيرين.

طبيعي أن تخلق هذه الحقيقة تساؤلات كثيرة صحيحة لدى بقية أبناء الشعب العربي الفلسطيني والعرب بشكل عام، ركب عليها الراكبون ونسج النساجون ما طاب لهم، حتى ليخيل أحيانا أنه لولا هذه القلة التي لم يتجاوز عددها عام 1948 ال-14000 نفس لما صارت النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967 والكبوة عام 1973. صحيح أن بعض المجندين الدروز ارتكبوا تصرفات قذرة وكانوا ملكيين أكثر من الملك في الممارسات ضد الشعب العربي الفلسطيني، لكن بين هذا وبين أن يصير الدروز أساس كل علة ولولاهم لما قامت دولة إسرائيل ولما صمدت، بون شاسع.

ألكتاب، الدراسة هذا، لا يجيء من مؤرخ، فلست أنا كهذا، إنما من متتبع رأى نفسه منذ نشأته ابنا أولا وقبل كل شيء للشعب الفلسطيني، وكان دائما في الصفوف الأولى في فصائل الحركة الفلسطينية في الداخل محاولا مداواة جراحها، ومنها هذا الجرح الدامي في جسدها، الخطر على كل الجسد، خصوصا وأن الناقبين فيه كلما التأم جزء منه، كثيرون.

الكتاب، الدراسة هذا، عمل يجيء ليخرج من بواطن الكتب التاريخية الحقيقة عن دور الدروز في الحركة الوطنية الفلسطينية حتى النكبة. ولا يجيء من باب رد إدانة إنما دحض تهم، فليس الدروز مدانين لمجرد كونهم كذلك وعليهم، على عكس المتعارف، إثبات البراءة خصوصا أمام أولاء النساجين لأغراض في نفس يعقوب، وكذلك من باب إشهار الحقيقة التاريخية دواء لهذا الجرح النازف في جسدنا، والممكن شفاؤه إن تضافرت الجهود ومن كل أعضاء الجسد، لا قطعه، فقطعه مشوه للجسد كله فليس الجسد المقطوع الجزء كالجسد الكامل، خصوصا وهذا الجزء المصاب لم تبلغ إصابتة حد الخطر على كل الجسد إلا إذا تخلى عنه الجسد ورضي أن يكون مشوها ونحن بأمس الحاجة له سليما معافى فالرحلة طويلة ممضّة.
ما من شك أن الاجتهادات الراديكالية في المذهب الإسلامي التوحيدي ( الدرزي شهرة)، والتخوف من إظهارها إلا على المعتنقين، خوفا من الملاحقة، هو وراء كثرة الاجتهادات حول هذه الجماعة والتي ساهمت كثيرا في خلق البلبلة حولهم وبالذات حول انتمائهم دينيا وحتى عرقيا. وقد ساهم الكثيرون منهم ممن كتبوا عن أحوالهم في زيادة هذه البلبلة بإتباعهم " التقية" طريقا في أحسن الأحوال. ( التقية من اتقاء وهو مبدأ شيعي يعني: الاستتار بالمألوف عند أهله اتقاء للأذيّة).

المثبت تاريخيا، بالقدر الذي يؤخذ التاريخ إثباتا، والمجمع عليه، إلا من قلة لا تكتب تاريخا إنما مراضاة لحكام أو مراضاة لأمراض تعاني منها بمجرد وجود من يجتهد بغير ما تجتهد أو يؤمن بغير ما تؤمن، المجمع عليه أن الدروز عربا عرقا شيعة إسماعيليين إسلاميين أصلا مذهبا. (لاحقا انقسموا عن الإسماعيليين).

سنة 765 م. الموافقة لسنة 148 هـ، توفي سادس الأئمة الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين أخو الإمام الحسن أبناء الإمام علي بن أبي طالب (ر). بعد وفاة الإمام جعفر الصادق انقسم أنصار آل البيت وهم الشيعة العلوية إلى قسمين:

القسم الأول قال بإمامة إسماعيل الابن الأكبر، بينما نادى القسم الثاني بإمامة ابنه موسى. فأطلق على شيعة إسماعيل الإسماعيليين ومن سلالته القائم بأمر الله الفاطمي أول الخلفاء الفاطميين بالمغرب. انشق الدروز عن الإسماعيليين في مصر في أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله حفيد الخليفة القائم حفيد الإمام إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق. ( أصل الموحدين الدروز وأصولهم ص23– أمين طليع. دار الأندلس للطبع والنشر مكتبة البستاني للطبع والنشر –بيروت ). هنا ظهر مذهب التوحيد سنة 1012 م. الموافقة 403 هـ. وانتشرت في المناطق السورية بين الإسماعيليين المعتقدين بإمامة الفاطميين ولكن الاختلاف في نواح هامة جزأهما، فاعتنقت هذا المذهب قبائل تغلب وربيعة وعلي وشمر وغيرها من القبائل التي كانت معوانا لأمير حلب سيف الدولة الحمداني. والكثير من قبائل تميم وأسد وعقيل ومعروف ودارم وطي وفي الكوفة قبيلة المنتفك التي يرجع أصلها إلى قيس عيلان ومن بعض هذه القبائل أطلق عليهم لقب بنو معروف وبنو قيس. إضافة إلى قبيلة كتامة التي كونت النواة الصلبة لجيش الدولة الفاطمية حين قدومها إلى مصر بقيادة جوهر الصقلي باني القاهرة.

في سنة 420 هـ، الموافقة 1029 م. تولى الأمير رافع بن أبي الليل وعشيرته طي المعتنقين مذهب الدولة الفاطمية إمارة عرب الشام اثر انتصاره في معركة الأقحوانة القريبة من طبرية في فلسطين، إلى أن انقلبت الآية فهزم مما اضطر أتباعه من قبيلته والقبائل أعلاه العودة عن المذهب إلى مذهب السنة ومنهم من حافظ على مذهبه بالكتمان، ومنهم من لجأ إلى الجبال الخالية في لبنان ووادي التيم والجليل. فأطلق على دروز جبل لبنان آل عبد الله وعلى دروز وادي التيم آل سليمان وعلى دروز صفد آل تراب. (بنو معروف في التاريخ ص 178 –سعيد الصغير\ مطابع زين الدين القرية سورية).

الدكتور نبيه القاسم في كتابه: واقع الدروز في إسرائيل ص222 يقتبس مقابلة صحفية للشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل الموحدين الدروز حينها. ومما جاء فيها:

" نورد هنا نص فقرة من تصريح فضيلة شيخ الإسلام الأكبر شيخ الجامع الأزهر المغفور له الشيخ محمود شلتوت الذي نشر على لسانه في 1\آب\1959: لقد أرسلنا من الأزهر بعض العلماء كي يتعرفوا أكثر على المذهب الدرزي وجاءت التقارير الأولى تبشر بالخير. فالدروز موحدون مسلمون مؤمنون".
"ألموحدين الدروز مذهب خاص من المذاهب الإسلامية المتعددة وهو كجميع المذاهب الأخرى وليد اجتهادات فقهية وفلسفية في أصول الإسلام. والمتتبع لتاريخ مذهب الموحدين يرى انه يمثل مدرسة فكرية خاصة من مدارس الفكر الإسلامي".