القدس في خطر اندثار ثقافي/ سلوى علينات

القدس في خطر اندثار ثقافي/ سلوى علينات

يبدي المثقفون والكتاب الفلسطينيون في القدس مخاوف كبيرة على وضع الثقافة الفلسطينية في القدس الشريف, جوهرة الاراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصا بعد حصار المدينة المقدسة الذي بدأ بشكل جزئي في اواخر اذار 1993 واكتمل بشكل محكم منذ عام تقريبا ويزيده احكاما جدار العزل العنصري الذي سينتهي بناؤه حول المدينة المقدسة في حزيران القادم.

يؤكد الكاتب جميل السلحوت، الذي كان يدير ندوة ادبية ثقافية اسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني-الحكواتي سابقا- منذ العام 1991 حتى العام 1998 تحت اسم "ندوة اليوم السابع" التي توقفت بناءا على قرار من مدير المسرح، أن الوضع الثقافي في المدينة المقدسة يعيش حالة مأساوية فدور السينما الثلاثة الموجودة في المدينة مغلقة وهي "القدس" و "الحمراء" و"النزهة" منذ العام 1967, أي منذ وقوع المدينة تحت الاحتلال. وقد عاودت سينما النزهة عروضها في مطلع الثمانينات ثم ما لبثت ان توقفت بعد تأجير مقرها الى المسرح الوطني. كما ان بعض المؤسسات الثقافية نقلت مقراتها من القدس الى رام الله بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية, وعلى راس هذه المؤسسات اتحاد الكتاب الفلسطينيين واتحاد الصحفيين الفلسطينيين علما ان الاتحادين يحملان تراخيص من القدس وكانت مقراتهما فيها. ويقول السلحوت "كان من الاحرى ان تبقى المقار الرئيسية للاتحادين في القدس. كونها العاصمة السياسية والدينية والتاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني وبعدها يفتح لها فروع اخرى في المدن الاخرى".

كذلك فان مسرح القصبة اغلق مقره وجمدت نشاطاته في القدس وانتقل الى رام الله! فلماذا هذا الرحيل غير المبرر؟ وفي حديث مع الفنان المسرحي جورج ابراهيم مدير المسرح يجيب عن السؤال بقوله "ان المسرح لا يزال في القدس ولكنه سيتحول الى مدرسة لتعليم الدراما".

ويضيف الكاتب السلحوت ان الاندية في القدس تقتصر نشاطاتها على بعض الالعاب الرياضية وخصوصا كرة القدم وهذا امر جيد لكن لا توجد لها نشاطات ثقافية كما لا توجد أي دار نشر في القدس. واشار السلحوت الى اهمية مركز التراث التابع لجامعة القدس والذي ينظم جولات ميدانية لزيادة معالم القدس الدينية والتاريخية والاثرية والتي تتناقص يوما بعد يوم نتيجة لسياسة التهويد ويجب الا يقتصر دور الجامعة على التعليم الاكاديمي فقط.

واوضح السلحوت ان المحلات التجارية في القدس تغلق ابوابها من الساعة السادسة مساءا لتبقى شوارع المدينة شبه خالية الا من رجال الامن الاسرائيليين والعسس والمومسات وهذا امر غير معقول في مدينة كانت عبر التاريخ منارة ثقافية.

اما المتوكل طه، رئيس جمعية الارشاد القومي ورئيس مؤسسة بيت الشعر التي تقع في البيرة بالقرب من رام الله فيؤكد على ان الاحتلال الاسرائيلي للقدس العربية يسعى لتهويد المدينة من خلال التضييق على المؤسسات الفلسطينية وكوادرها. ويقول المتوكل طه "ادت الحواجز العسكرية في اعقاب اوسلو الى منع معظم اعضاء الاتحادات والنقابات من دخول القدس الامر الذي جعل هذه المؤسسات وبشكل تدريجي تفتح فروعا لها في مناطق قريبة من القدس مثل رام الله, بيت لحم وابو ديس.الامر الذي ادى الى تفريغ القدس من هذه المؤسسات ثم تتابعت الاجراءات الاسرائيلية ضد الوجود الفلسطيني وبدون استثناء بل زاد في زمن شارون ولم يعد بالامكان فتح أي مؤسسة داخل القدس".ومقابل اخلاء المؤسسات الفلسطينية سعت بلدية الاحتلال الى خلق واقع جديد, فيه يضطر المواطنون الفلسطينيون المقدسيون الى التعامل مع مؤسسات بلدية الاحتلال الثقافية من اجل تطوير قدراتهم بسبب عدم وجود بديل فلسطيني لهم. ويقول المتوكل طه "انا لا الومهم. لكن بانعدام استراتيجية عربية وفلسطينية للحفاظ على الطابع الفلسطيني في القدس العربية المحتلة فان اسرائيل بسياستها المبرمجة منذ احتلال المدينة عام 1967 ستنجح, وقد نجحت بشكل مخيف, في تطبيق استراتيجية التغريب والتهويد والاستلاب الاحتلالي."
وقد حذّر المتوكل طه من انه اذا لم تطرح استراتيجية للرد والتحدي من قبل العرب والفلسطينيين فان القدس ستضيع من بين ايديهم ارضا وشعبا وحضارة وثقافة. وقد حمّل المتوكل طه المسؤولية على اكتاف السياسيين وليس المثقفين العرب والفلسطينيين بقوله "للاسف الشديد ان الاهتمام بالثقافة غير كاف من قبل المؤسسات السياسية الفلسطينية والعربية. فالحفاظ على هوية وثقافة القدس لا يقع على اجندتهم. فالقدس الان خارج المكان والزمان العربي. هتاك 17 مستوطنة يهودية يسكنها 80 الف مستوطن يهودي تكرّس كل ميزانياتها وامكانياتها من اجل تغيير طابع المدينة الحضاري والثقافي الاسلامي والعربي دون مواجهة هذا العدوان الثقافي بآلية عمل عربية وفلسطينية".

ويستذكر المتوكل طه ايام السبعينات والثمانينات الذهبية في تاريخ المدينة المعاصرة حيث ازدهرت الحركة الثقافية في القدس مما ادى الى إثرائها وتماسكها. بينما الان تنهش المخدرات التي تدعمها سلطات الاحتلال وتهيئ لها المناخ المناسب في اوساط الشباب الفلسطينيين في القدس, كما وينسحب تدريجيا المثقفون ورجال الفكر الفلسطينيون الى مناطق اخرى في الضفة الغربية او الى خارج البلاد ليتركوا الوضع الثقافي في القدس نهبا للتغيير الاسرائيلي. ويقول المتوكل طه "لقد انتبه الاسرائيليون الى خطورة دعم القدس من ناحية ثقافية فزادوا الخناق على المثقفين فاعتقل منهم 68 كاتبا ولوحق وطورد غيرهم كثيرون."

اما الفنان المسرحي احمد ابو سلعوم مؤسس مسرح سنابل من العام 1984 في القدس العربية المحتلة فهو يؤمن بالتغيير الا انه يقول بانه لا توجد حركة ثقافية كافية داخل القدس ويجب تقويتها من اجل النهوض بالقدس الرمز التاريخي ويضيف "توجد ازمة للمثقف الفلسطيني في زمن الانهيار السياسي حيث تفقد الكثير من الامور قيمتها فلا توجد قيمة حقيقية للاشياء وهذا دليل على الاحباط والعدمية". ويرى الفنان الفلسطيني انه على المثقف الا يهرب من المعركة "اتهم كل من لا يجلس في القدس الشرقية بانه خارج عن الملة الثقافية. وربما هذا كان في الهروب راحة له الا انه يدّمر المدينة ثقافيا".
ويؤكد ابو سلعوم ان إحلال أي بديل عن المؤسسة الفلسطينية في القدس هو امر مرفوض وهو يقصد بذلك الجمعيات التي تديرها بلدية الاحتلال الاسرائيلي للقدس. ويضيف بأن القدس الان بحاجة اكثر من أي وقت مضى الى الصحوة والوعي الثقافي فيقول "نحن في زمن القحط والانحدار والتدهور احوج الى الثقافة والفن" ويتابع متسائلا "اين رسامو اللوحات المعبرة؟ اين معارض الفن التشكيلي التي كانت تقام كل شهر؟ اين الانتاجات الادبية والمسرحية؟ اين الفرق المسرحية؟ منذ اربع سنوات لم يحدث أي حدث ثقافي يذكر في القدس المحتلة".ويحاول ابو سلعوم تسليط الضوء على خطورة الوضع في القدس "فهي اكثر مكان مفتوح وعلى تماس مباشر مع الثقافة الاسرائيلية, فاذا لم يكن في القدس جمعية ثقافية تربوية تعنى بشؤون الشباب والنساء والاطفال فانهم سيقعون تحت تاثير الثقافة الاسرائيلية. لدينا شعور بان هنالك انسياقا نحو الانحدار الجماعي فالقدس تعاني من المخدرات والمشاكل الاخلاقية التي خلقها الاحتلال وايضا عدم فعلنا. فالقدس بحاجة الى الكثير من الفعاليات والنشاطات الثقافية لكي تستطيع الوقوف على قدميها من جديد".

وفي دراسة اجرتها الكاتبة الفلسطينية باسمة التكروري المقيمة في القدس تؤكد الكاتبة التكروري على ضرورة العمل من اجل احياء المدينة وتعرض الكاتبة الجهود المبذولة, وان كانت غير كافية, لاحياء نهضة ثقافية في القدس. حيث تقوم مؤسسة يبوس للانتاج الفني مهرجانها الموسيقي الفني بعنوان "اناشيد الحرية" الذي يهتم بالابداعات الموسيقية الفلسطينية والعالمية. كما تعمل مؤسسة المسرح الوطني الفلسطيني الذي يقوم بنشر كتاب ونشرات ثقافية ويقيم حوارات ثقافية وادبية. كما تفوم مؤسسة باسيا التي تعمل على توثيق التراث في القدس واعطاء المحاضرات وتشجيع البحوث التاريخية ونشر التوعية في القدس. الا ان الكاتبة التكروري تصل الى استنتاج ان الفراغ الثقافي الذي يعانيه الشباب والمثقفون في القدس يحتاج الى جهود اضافية تسهم في التغيير الذي صار لا بد منه للخروج من دائرة الخمول.

______________________________________________

( القدس)