ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 24 )د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 24 )د.مصطفى كبها

استنزفت حرب العصابات التي شنتها فصائل الثورة على القوات البريطانية في المخافر والطرق، قدرة هذه القوات على إداء مهامها. ومنذ بداية عام 1938 أصيبت هذه القوات بالارتباك والإعياء الشديد الذي جعل القائمين عليها يقدمون على عملية تجديد وإعادة تنظيم شاملة لهذه القوات، والدفع بقادة جدد لهم شأنهم وقدرتهم على مواجهة حرب العصابات. وكان على رأسهم الجنرال مونتوجومري ( الذي كان له شأن وشهرة واسعة فيما بعد بعد ما انتصر على الجنرال الألماني رومل في معركة العلمين). حيث عيّن قائداً عسكرياً لمنطقة حيفا وكلّف بإخضاع فصائل الثورة الفلسطينية في الشمال.

بالمقابل، وإزاء تراجع القوات البريطانية وبروز ضعفها، ازداد الثوار الفلسطينيون جرأة وبدأوا عملية واسعة للسيطرة على المدن الفلسطينية وعلى مفارق الطرق الرئيسية، بل هاجمت بعض فصائلهم السجون الكبيرة التي أودع فيها زملاؤهم، وقاموا باحتلال بعضها لبضع ساعات، وتخليص العشرات من زملائهم كما فعلت فصائل يوسف أبو درة في سجن عتليت، وفصائل عبد الرحيم الحاج محمد في مخفر طولكرم.

صحيح أن الثوار لم يستطيعوا الاحتفاظ بالأماكن التي أحتلوها لأكثر من ساعات قليلة أو يوم وحتى يومين على الأكثر، ولكن نجاحهم بمهاجمة الجنود البريطانيين بعقر مخافرهم ومراكزهم والاستيلاء، في بعض الأحيان، على ذخيرتهم ومعداتهم، هزّ إلى حد كبير معنويات الجنود البريطانيين وأصاب بالصميم الهيبة التي كانت لجنود الامبراطورية البريطانية، التي لا تغيب على أراضيها الشمس، في عيون السكان المدنيين الذين أصبحوا أكثر جرأة على مساعدة رجال فصائل ثورتهم واحتضانهم.
في الثاني من آذار عام 1938، احتل الثوار مدينة جنين ونقطة البوليس العسكري البريطاني فيها، واستولوا على الذخيرة والخيول التي استعملها الضباط البريطانيون، الذين ولوا هاربين وعلى رأسهم الضابط موفت، أحد أشرس الضباط البريطانيين الذين عملوا في فلسطين وأشدهم قمعاً للأهلين، ( قتله فيما بعد علي أبو عين من قرية قباطية والذي دخل عليه في مقر قيادته وهو مجتمع بمخاتير المنطقة وهو يوسعهم ضرباً وإهانات بسبب مساعدتهم للثوار وعدم تسليمه أخباراً صحيحة عنهم).

أقام الثوار في جنين يومين كاملين بعد احتلالها، ولكنهم اضطروا للانسحاب غرباً بعد أن جردت عليهم بريطانيا قوات برية وجوية هائلة. كان انسحاب الثوار بقيادة الشيخ القسامي عطية أحمد عوض (من بلد الشيخ) ونائبه يوسف أبو درة (من السيلة الحارثية) نحو قرية اليامون حيث تحصنوا في الأطراف الجنوبية الغربية للقرية وامتد القتال إلى قرى رابا وكفر دان المجاورتين.

دام القتال طيلة الليلة الواقعة بين الثالث والرابع من آذار ويوم الرابع من آذار كله، واستخدم فيه البريطانيون مدافع الميدان والطائرات الحربية وكتيبتي مشاة، في حين شارك من فصائل الثورة أربعة فصائل (فصائل حمزة والعباس وأبو بكر الصديق وعز الدين القسّام) وكان قوام رجالها قرابة الثلاثمائة ثائر.

أما نتائج المعركة فكانت مقتل جنديين بريطانيين وجرح عشرة، في حين استشهد عشرة ثوار (بينهم القائد الشيخ عطية أحمد عوض) وثلاثة من المدنيين هم: السيدة نجمة مصطفى الإبراهيم من قرية اليامون والمسن حامد محيي الدين من السيلة الحارثية والطفل محمد محمود الشيخ من السيلة الحارثية أيضاً.

وقد روى لي السيد علي محمد كبها من قرية أم دار، الذي اشترك في "الفزعة " التي خرجت من يعبد وقراها لنجدة الثوار، في مقابلة أجريتها معه في صيف عام 2000 ، تفاصيل عن استشهاد الشيخ عطية، حيث قال لي بأنه رأى الشيخ مستحكماً وراء صخرة كبيرة في قطعة ارض مزروعة بأشجار الزيتون غربي قرية اليامون، وقد كان معه مدفع رشاش من نوع "برن" يصلي به قوات البريطانيين بالنار، وكما يبدو أزعجت نيران "البرن" القوات الأرضية البريطانية إلى درجة طلبوا من الطائرات المتواجدة في الجو تركيز نيرانها على الشيخ .

وبعد ربع ساعة من القصف الجوي المركز وانسحاب الطائرات من أرض المعركة، وجد هو واصحابه، الصخرة التي اختبأ وراءها الشيخ فتات جير عليه حمرة دم الشيخ الشهيد الذي تفتت جسده هو الآخر تحت وطأة قصف الطائرات وقد قام الحضور بتجميع قطع جسده ونقلها إلى بلد الشيخ حيث أجريت له جنازة مهيبة شابهت إلى حد كبير الجنازة التي أجريت لصديق عمره ومعلمه، عز الدين القسام، قبل ذلك بعامين ونصف وفي المقبرة ذاتها.

تولى قيادة فصائل الثورة في منطقة الشيخ عوض ، نائبه الشيخ القسامي يوسف سعيد أبو درة .
وقعت في الثالث من آذار عام 1938، في الوادي الواقع بين قرى عصيرة وطلوزة. حيث قام الثوار بمحاصرة قوات بريطانية كانت متجهة نحو طوباس.

تبادل الطرفان إطلاق النار بالمدافع الرشاشة ودامت المعركة قرابة الأربع ساعات، ولم يتم فك الطوق عن القوات البريطانية المحاصرة إلا بعد تدخل الطائرات البريطانية التي قصفت فصائل الثوار من الجو وأوقعت بصفوفهم بعض الخسائر، حيث استشهد قاسم محمد السعيد من عصيرة الشمالية وجرح أربعة آخرون، في حين جرح ثلاثة جنود بريطانيون. في منتصف ليلة الثاني والعشرين من شهر نيسان عام 1938، هاجم فصيل كبير من الثوار (قرابة مائة ثائر ) بقيادة توفيق الإبراهيم (أبو إبراهيم الصغير )، وقاموا باقتحام مدينة بيسان واحتلال دار الحكومة ومخفر البوليس، وحاصر الثوار الحامية البريطانية للمدينة في مبنى السراي حيث قتلوا منهم ثلاثة من بينهم شرطي عربي اسمه حنا الخوري.

انسحب الثوار من المدينة فجر اليوم التالي بعد أن أحضر البريطانيون قوات عسكرية كبيرة لاسترجاع المدينة والمباني الحكومية فيها . كان عيسى بطاط (من بلدة الظاهرية)،حتى استشهاده في الثامن من أيار 1938، القائد الأبرز لفصائل الثورة في منطقة الخليل.

وكان قد وقع في أيدي القوات البريطانية في أيلول 1937 وحكم عليه بالإعدام. ولكنه فرّ من السجن وقاد الثوار في المنطقة الواقعة من الخليل وحتى بئر السبع. وطيلة شهر نيسان 1938 نفّذ أتباعه أعمال اغتيالات عديدة ضد جنود وضباط بريطانيين عملوا في مدينة الخليل وضد عملاء فلسطينيين ساعدوا قوات بريطانيا في محاولاتها لقمع الثورة الفلسطينية.

وبسبب هذه الأعمال، أصبح البطاط هدفاً مطلوباً للقوات البريطانية لدرجة أنهم أعلنوا عن جائزة مالية ضخمة (بمقاييس تلك الأيام ) بلغت ألف جنيه فلسطيني جعلت بعض المتعاونين، من أبناء جلدته، يطمعون بالمبلغ ويوشون به للبريطانيين، حيث كان نازلاً ضيفا ً لدى أحد أصدقائه في الضاحية الشمالية لمدينة الخليل.

قام البريطانيون باقتحام البيت خلسة وأفرغ أحدهم عشر رصاصات برأس القائد عن قرب بشكل لم يمكنه من الرد واستعمال سلاحه الشخصي!!

وقد قاد فصائل الثورة في منطقة الخليل بعد القائد الشهيد عيسى بطاط، القائد عبد الحليم الجولاني ( أبو منصور ) الذي عرف بلقب "الشلف" وقد أجريت معه سلسلة من المقابلات في صيف 1999 ثلاث سنوات قبل وفاته عام 2002 وسأتطرق إلى فحوى هذه المقابلات في حلقات قادمة.


يتبع..

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة