ثورة 1936-1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 26)/د.مصطفى كبها

ثورة 1936-1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 26)/د.مصطفى كبها

كان للفشل الذي منيت به القوات البريطانية في بعض مبادراتها العسكرية ضد قوات الثورة، الأثر الكبير في زيادة عصبية قادتها، خاصة القائد هايننغ الذي طلب من المندوب السامي الجديد، ماكمايكل، ومن وزير المستعمرات، ماكدونالد، صلاحيات استثنائية لاستخدام وسائل عسكرية رادعة لم تستخدم من قبل (كمدافع المورتر والهاون أو قنابل ضخمة حارقة تلقى من الجو على سبيل المثال ) وكذلك صلاحيات تعيين وإقالة ضباط صف في ميادين القتال.

وقد جوبهت هذه الطلبات ببعض التحفظ خاصة من قبل المندوب السامي الذي كان على العكس من سلفه، واكهوب، يميل للتهدئة ومحاولة البحث عن حلول سياسية. أما هايننغ،القائد العسكري البريطاني الأعلى في فلسطين، والجنرال جورت رئيس الأركان العامة فقد مالا لاخضاع الثورة عسكرياً قبل أية حلول سياسة وذلك ل"حفظ ماء الوجه البريطاني" كما قال هايننغ في إحدى رسائله للمندوب السامي.

في هذا الصراع الدائر حول السياسة التي كان على البريطانيين اتباعها في حينه، رجحت كفة هايننغ وجورت بدعم من وزير المستعمرات ماكدونالد، ولم يكن أمام المندوب السامي الجديد الا الانصياع للمثلث القوي الذي وقف ضده.

وقد كانت البداية بجملة من أحكام الإعدام التي نفذت في صيف 1938 بالجملة في يوم السادس عشر من تموز تم تنفيذ حكم الاعدام، في سجن عكا الحربي بالثائرين حسن موسى يوسف أبو جلبوش ومحمد ذيب طه من قرية مركة (قضاء جنين ) والثائر محمود أحمد جابر من قرية قاقون (قضاء طولكرم ).

وفي السابع والعشرين من الشهر ذاته أعدم البريطانيون، في نفس السجن خمسة من الثوار الفلسطينيين كانوا على التوالي: محمد محمود أحمد الحسين من قرية كفر مندا (قضاء الناصرة )، علي محمود اليوسف من طولكرم، عبد الحافظ عبد الله عبد الحافظ ومحمودعبد الله عبد الحافظ، وهما أخوان من كفر قاسم، ومحمد الكايد حسين من حيفا.

كما وبدأ السلطات باستخدام طريقة جديدة للاذلال من خلال الدخول إلى بعض القرى واعتقال كافة رجالها وتسييرهم، تحت الضرب والإهانة إلى مراكز اعتقال محاطة بالأسلاك الشائكة تحت قبة السماء.

ولعل أفظع هذه الأعمال ماجرى في الثاني والثالث والعشرين من تموز 1938 حين اقتاد الجند البريطانيون جميع رجال قرى عارة وعرعرة وبرطعة وأم القطف ووادي عارة وقفين (بعد أن فتشوا بيوتهم وعاثوا فيها فساداً) إلى معتقل نور شمس (يبعد عن بعض هذه القرى 25 كم) مشياً على الأقدام وتحت ركلات الجنود وشتائمهم. وقد حدثني أحد الذين تم اقتيادهم إلى نور شمس، المرحوم خليل محمد كبها من أم القطف (في مقابلة أجريتها معه عام 2000 )، أن الرجال مكثوا هناك قرابة خمسة أيام ولم يقدم لهم الماء إلا في اليوم الثالث، في حين لم يروا من الطعام إلا كسرات خبز جافة في اليوم الرابع. ولما حاول عبد الله الشيخ عبد من عرعرة الاحتجاج على ذلك عاجله الجند بزخة من الرصاص أردته قتيلاً!!
في الرابع والعشرين من شهر تموز 1938 داهمت قوة من الجنود البريطانيين قرية باقة الغربية، وبدأت بعمليات تفتيش واسعة فيها، وذلك على أثر مقتل الضابط أرميتاج، وهو ضابط كبير برتبة عقيد، في كمين على المشارف الغربية للقرية.

وقد حدثني الحاج عبد اللطيف زامل قعدان (في مقابلة أجريتها معه في أيار 2000 ) وقد عمل آنذاك في الشرطة البريطانية، أن قوات بريطانية كبيرة طوقت الحارتين الغربية والشمالية من باقة وبدأت بوضع علامات بلونين على البيوت: اللون الأحمر كان يعني أن البيت مرشح للهدم، واللون الأخضر كان يعني أن البيت مرشح للبقاء. وقد تم انتقاء البيوت المبنية حديثاً وتم تفجير 45 بيتاً منها، هذا مع العلم أن البيوت الباقية تصدع معظمها بسبب تفجير بيوت قريبة منها. وفي طريق خروج القوات البريطانية باتجاه كركور قاما بتفتيش قرية واد عارة وأطلقوا النار بشكل عشوائي على بيادر القرية مما أدى إلى مقتل صبيين واحد في العاشرة وآخر في الخامسة كانا يلعبان على البيادر!

رد الثوار على هذه الأعمال بسلسلة من الهجمات المركزة على القوات البريطانية وبعض المستوطنات اليهودية يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين من تموز. ففي يوم الرابع والعشرين منه هاجموا قطاراً محملاً بالذخيرة قرب قلقيلية وقتلوا ضابطاً وجندياً بريطانيين كانا يحرسانه، كما وهاجموا مستوطنة قريات حروشت قرب حيفا وقتلوا خمسة من حراسها، وهاجموا مجمع صناعات شركة البحر الميت وقتلوا إثنين من عامليها، وفي اليوم الخامس والعشرين هاجموا مستوطنة رمات هكوبيش جنوب طيرة بني صعب واشتبكوا مع حراسها، وقد اسفرت الاشتباكات عن سقوط العديد من القتلى والجرحى من الجانبين، فقد كانت خسار الطرف اليهودي خمسة من القتلى واثني عشر جريحاً، في حين قتل من المهاجمين أربعة ( منهم إثنان من المتطوعين العرب من شرق الأردن ) وجرح ثلاثة.

كما وفجر الثوار قنبلة في سيارة أمام مقهى سان ريمو في تل أبيب وقد أسفر الانفجار عن مقتل ستة وإصابة إثنين وعشرين من رواد المقهى وعابري السبيل.
جرت هذه المعركة في الحادي والثلاثين من تموز 1938 بعد كمين أقامه الثوار في مفترق وادي الحرامية على طريق نابلس -القدس لقوات بريطانية كان يتم حشدها لمهاجمة معاقل الثوار في منطقة نابلس.

اشترك من الجانب البريطاني في المعركة وحدات ما سمي ب"الألوية السوداء " مجهزة بالمدافع الجبلية والمدرعات ومسنودة بعدد من الطائرات الخفيفة.

وقد بلغ مجموع القوات البريطانية التي اشتركت في القتال ما يقارب الألف جندي، في حين بلغ مجموع أفراد فصائل الثورة المشاركة بالمعركة ما يقارب مائتي ثائر. وقد أمتد القتال على قطر بلغ طوله عشر كيلومترات.

استمر القتال طيلة نهار الحادي والثلاثين من تموز والأول من آب. كانت خسائر البريطانيين خمسة قتلى وعشرين جريحاً في حين بلغت خسائر الثوار تسعة شهداء وعشرات الجرحى. وفقد نجح الثوار باسقاط إحدى الطائرات البريطانية. حاول الثوار في هذه الفترة إعاقة إقامة مستوطنات و"مناطير " يهودية جديدة، وقد قرر قائد منطقة الكرمل يوسف أبو درة في الخامس عشر من آب مهاجمة منطرة "يعاروت هكرمل " غربي عسفيا والتي كانت قد أقيمت حديثاً.

أقام الثوار المهاجمون بقيادة صبري الحمد كميناً على مدخل المنطرة وهاجموا شاحنة قادمة إليها من حيفا، وقتلوا كافة من كان بها وقد بلغ عددهم عشرة ركاب.

قامت القوات البريطانية المتواجدة في عسفيا بمهاجمة الفصيل المنفذ الذي كان قد ابتعد عن المكان باتجاه الروحة وقد قام أفراده بزرع الألغام في الطريق لإعاقة تقدم القوات المطاردة والتي استعانت بطائرتين لمطاردة الفصيل وقد نجحت إحداها باصابة ثائرين بجراح مميتة ،أحدهما من أم الزينات والأخر من قنير.
شجع النجاح الذي أصابه أبو درة في عملية "يعاروت هكرمل" من المضي قدماً بمهاجمة أهداف يهودية وبريطانية، وقد تم اختيار سجن عتليت الذي كان المئات من الثوار محتجزين فيه.

جرى الهجوم في السادس عشر من آب. وقد حدثني المرحوم مصطفى عرباصي من كفر قرع (في مقابلة أجريتها معه في تموز1999 ) والذي كان قد شارك في الهجوم، أن أفراد الشرطة العرب فتحوا البوابات بوجه فصائل الثورة المهاجمة، وخص بالذكر شرطي من كفر كنا من عائلة غريّب الذي منع أفراد الشرطة العرب من إطلاق النار على المهاجمين، وبذلك مكّن المهاجمين من مفاجأة البريطانيين واعتقال ضابط شرطة يهودي باسم موشيه لازاروفيتش وصهره إلياهو كيرجنر وزوجته بروريا وأولاده راحيل، يفراح وحاجاي.

كما وأصيب في العملية ضابط بريطاني وشرطي عربي. في حين نجح عشرات المساجين (من العرب وغيرهم ) من الفرار.

قام رجال أبو درة لاحقاً بإعدام الضابط لازاروفيتش وزوجته وصهره وإخفاء جثثهم ( اكتشفت فقط في الستينيات في منطقة عين حوض بعد جهود مضنية قام بها الضابط بن ألقناه وبعض معاونيه من أفراد الشرطة العرب حيث قام بن ألقناه ( المعروف لدى سكان وادي عارة باسم إبن كنعان ) بتدوين تجربته في البحث عن الجثث بكتاب سماه "قصة تحقيق " ). أما الأولاد فقد تم إرجاعهم بعد خمسة أيام إلى مستوطنة مشمار هعيمق.


يتبع.....